.............
 

آخر 12 مشاركات
> > #عاجل > المعاون الجهادي السابق > لمقتدى... جريدة الوقائع العراقية تنشر قانوني التقاعد والغاء امتيازات... " انتفاضة تشرين السلمية اصبحت ثورة اسطورية بعد ان كانت حلم...
Image information Download image Collect image Bosch,... >>> >>> >>> >>> >>> طبقة وحوش على وشك الولادة... حمزة الحسن... لعراق.. الدولة الوطنية والمليشيات المسلحة أحزاب الإسلام...
تتويج منتخب البحرين بكأس خليجي 24 ـ (صور) صور من القسم ... موقع أميركي: ناشطة تتولى حملة لإحياء مكتبة الموصل المركزية... ثورة الشباب ستعيد حقوق الانسان المنتهكة : طارق رؤوف محمود
ثلاث منظمات إيرانية.. تتضامن مع انتفاضة الشعب العراقي إدانة... البيت الآرامي العراقي النشرة الإخبارية ليوم 8 ديسمبر 2019... Inline image القاء القبض على مندس سعودي مجرم متنكر بزي...


رجوع   الجمعية الدولية الحرة للمترجمين واللغويين العرب واتا > قأحداث الامة ...و قضاياها المصيرية >   أحــــداث وقضايــــــا الأمـــة
الإنتساب المساعدة قائمة الأعضاء التقويم محرك البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
قديم 09-30-2011, 12:35 AM   المشاركة رقم: 1
المعلومات
الكاتب:
يسري راغب
اللقب:
كاتب وأديب/ أستاذ بارز

البيانات
التسجيل: Sep 2010
العضوية: 773
المشاركات: 1,308
بمعدل : 0.39 يوميا
الإتصالات
الحالة:
يسري راغب غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

 

المنتدى :   أحــــداث وقضايــــــا الأمـــة
افتراضيدراسات ناصرية في ذكرى وفاة الزعيم الخالد

لم نعد نجد نهج عبد الناصر وروحه
لا خوف من المستقبل على الرغم من الانهيار الكبير
ياسين الحافظ

------------
1
لقد كان عبد الناصر رجل فعل ولم يكن منظراً. لقد كان فعله، وهو فعل رجل تاريخي عميق الارتباط بالشعب، يتكشف عن خلفية من التصورات والمنظورات كانت تطابق الواقع من جهة، وتستشف بعض آفاق المستقبل من جهة أخرى. لقد كانت ممارسات عبد الناصر في جوانبها الأساسية، أقرب، موضوعياً، إلى (أو أقل بعداً عن) ماركسية ماركس ولينين من ماركسية تسعة أعشار من ينسبون أنفسهم إلى ماركس ولينين في وطننا العربي.
لقد كان عبد الناصر رجلاً قومياً ، وجاء ارتباطه بالجماهير ليعطي نزعته القومية طابعاً متطرفاً. إلا أن النزعة القومية، مهما بلغت من تطرف ، عاجزة عن أن توفر الحلول لمشاكل بلد متخلف في عصر الإمبريالية. ومن هنا كان تجاوز هذه النزعة جدلياً (أي تحقيقها وتجاوزها في آن) شرطاً لحل كل مشاكل الوطن العربي. ولقد كانت مسيرة عبد الناصر الفكرية عملية تجاوز مستمرة لهذه النزعة، في اتجاه أفق اشتراكي، كان فضفاضاً وعريضاً ، إلا أنه كان أكيداً وجدياً ، وفي حال تقدم دائم إلى أمام . إن هيكل، الذي يتولى الآن تحويل عبد الناصر إلى بطل رواية انتهت، قد اعترف في حديث له مع النهار، إذا لم تخني الذاكرة، بأن عبد الناصر كان يفكر بـ " ثورة ثقافية " في النظام بعد الانتهاء من تصفية آثار العدوان.
عندما تسألني عن إضافة أو مساهمة ناصرية في الفكر السياسي العربي، يحق لي أن أسأل بدوري : أين هي مساهمة مَن افترضت فيهم أو نسبت إليهم المساهمة؟ الفكر القومي (البعث مثلاً) باستثناء تأكيده الصائب على فكرة الوحدة العربية، كان فكراً مثالياً شرقياً متثائباً يكرر نفسه ويحلبها في انفصام عن الواقع التفصيلي الحياتي المنظور. أما الفكر الماركسي العربي، سواء أكان التقليدي أم المستحدث، فقد كان، بدغمائية، فكراً شرقياً كسولاً مقلوباً على رأسه. لقد كان، لنفاد صبر أو لسطحية، يخرج الواقع من رأسه ولا يخرج رأسه من الواقع . وكثيراً ما أتذكر، عند قراءة نص ماركسي عربي، قولاً للينين: المثالية الذكية أقرب إلى المادية الديالكتية من المادية الغبية.

2

تجريبية الناصرية
لا شك في أن عبد الناصر كان تجريبياً . لكن تجريبيته هذه، بسبب الطابع التاريخي لشخصية عبد الناصر وارتباطه العميق بالشعب، كانت تنمو إلى وعي مطابق، إلى "ماركسية موضوعية"، بحسب تعبير موفق لعبد الله العروي . هذه التجريبية بالذات كانت أعلى بكثير وكثير من الفكر القومي المثالي، ومن الماركسية الدوغمائية العربية. وبهذا وحده يمكننا تفسير تفوّق عبد الناصر على بقية أطر اليسار، اليسار القومي العربي واليسار الماركسي العربي.
ومن هنا فإن التراث الثوري العربي الوحيد، العظيم والقاصر في الوقت نفسه، هو تراث عبد الناصر. من هذا التراث، من تمثله ديالكتياً، أي استيعاب كل عناصره الإيجابية ونقدها وتجاوزها، ستستمد النظرية الثورية الغربية عناصر جوهرية، لكي تنضجها وتصوغها وفقاً لمعطيات الواقع العربي ومتطلباته. لا يمكن حركة ثورية، تريد لنفسها أن تصبح حركة جماهير، وليس مجرد عصب وحلقات معزولة، إلا أن تتخذ موقفاً إيجابياً من كل ما هو خصب وثمين وإيجابي في هذا التراث العظيم، تستوعبه وتتجاوزه لصياغة نظرية تكون، بحسب تعبير الشيوعيين الصينيين، ماركسية تماماً مثلما هي عربية تماماً.
قلت في بداية حديثي إن عبد الناصر كان رجل فعل ولم يكن منظراً. ومع ذلك ، إذا كان لا بد من الحديث عن المساهمة المميزة للناصرية في الفكر السياسي العربي، يمكن من خلال تنظير شذرات كتاباته وخطاباته ومجموع أفعاله أن نقف عند الإضافات المهمة التالية :
الناصرية والبعث
لقد أدرك عبد الناصر، وحده تقريباً ، آلية الهيمنة الإمبريالية والخصوصية المميزة لعمل هذه الآلية في الوطن العربي. قد يعترض على قولي هذا قارئ أو آخر. والحق، إن الفكرة دقيقة. ولنحاول إيضاحها بمقارنة نظرة عبد الناصر بنظرة كل من البعث أو الأحزاب الشيوعية العربية.
البعث، بسبب عقيدته القومية الخالصة تقريباً، كان يرى السيطرة الإمبريالية مجرد سيطرة أمة أو أمم غريبة على الأمة العربية. كانت هذه السيطرة كابوساً على الأمة، يجرح كرامتها ويسحقها ويستغلها. هذا كله صحيح، لكنه ضرب من إدراك إجمالي تقريبي غامض، كإدراك الأطفال، لحقيقة وآلية السيطرة الإمبريالية، التي تجد مرتكزاتها في البنية الطبقية للمجتمع العربي ( للطبقات الضالعة مع الإمبريالية) وفي البنية الاقتصادية (التخلف العربي) وفي البنية المفتتة لكيان الأمة (التجزئة). سيرد بعضهم : ولو! لقد خاض البعث، في سوريا خاصة، صراعاً ضد الرجعية، ونادى بالاشتراكية وناضل في سبيل الوحدة. هذا صحيح لكنه رد مبسط ، ولا ينقض قولنا إن البعث لم يفهم آلية الهيمنة الإمبريالية وجوهرها المميز في الوطن العربي .
لقد كانت الوحدة، بالنسبة إلى البعث، مثالاً وفكرة ينبغي أن تتجسد . الوحدة عودة الأمة إلى الوضع السوي. وما عدا ذلك كان مضافاً . إن مصطلح "الشعب " و"الجماهير" مصطلح وافد إلى البعث الرجعي. لم يكن طبقة بالمعنى الحقيقي، بل مجموعة أفراد فاسدين . وصراعه معهم كان صراعاً سياسياً من حيث الأساس، لذا فإن أكرم الحوراني، على الرغم من أنه أول من طرح مشكلة الفلاح في المشرق العربي وقاتل مع الفلاحين (وهذه نقطة مضيئة في تاريخه)، إلا أن طرحه للمشكلة وهو الإقطاعي الصغير (أكبر من كولاك وأصغر من إقطاعي، لكن دعامته الأساسية كانت كولاكية)، كان إصلاحياً جداً، إلى درجة أنه أسكت أصواتاً بعثية كانت تطالب، قبل عام 1958، بطرح شعار الإصلاح الزراعي. (أما عفلق والبيطار فلم يكن يخطر لهما على بال، جدياً). أما الاشتراكية، حتى في ممهداتها الأولية كمواجهة مع الكومبرادور والبرجوازية، فلم تكن تخطر للبعث ببال. أما ما نفذه البعث بعد عام 1963 في سوريا من إصلاح زراعي أو تأميمات، فكان بمثابة فتح باب مفتوح.
في نظر البعث، المطلوب هو الوحدة القومية العربية (هذه رأسماله، ورأسماله الثمين تاريخياً والذي جعله يتفوق على الأحزاب الشيوعية ويبقى في نهر الشعب الكبير). وهذه الوحدة مطلوبة، أساساً، كتجسيد لفكرة خالدة مطلقة. أما الاشتراكية، كما يتصورها البعث، فتأتي كإضافة تجمل الوحدة القومية. عندما رأى البعث أن هذه الفكرة تجسدت في وحدة يقودها عبد الناصر ركض وراءها. وعندما رأى أن هذه الفكرة انخلعت عن عبد الناصر ووحدته، ازورّ عنها. ولو ملك البعث إدراكاً ما لآلية السيطرة الإمبريالية، ومرتكزها الأساسي، التجزئة، لبقي مع الوحدة في صيغتها الوحيدة الممكنة، وأعني الصيغة الناصرية.
وإذا كانت المسألة الاجتماعية، في نظر البعث، شيئاً مضافاً إلى الوحدة القومية، فمن نافلة القول إن مسألة ترابط الثورتين، التي تشكل موضوعة رئيسية في فكر عبد الناصر، كانت بعيدة عن منظوراته.
3

الناصرية : القومية الاشتراكية
* ما هي، في ضوء المعطيات الراهنة، آفاق الناصرية؟ وهل يمكن الحديث عن ناصرية بلا ناصر؟ وما هي التيارات التي تتفاعل أو تصطرع داخلها؟
- لكي أجيب عن الفقرة الأولى من السؤال، لا بد من الإجابة عن الفقرة الثانية أولاً . الناصرية ليست شيئاً آخر سوى الحركة القومية العربية، المتحولة إلى حركة اشتراكية، في نضالها التاريخي الطويل في سبيل النهضة العربية والوحدة العربية. ومن هنا، فإن مستقبل الحركة الناصرية هو مستقبل الحركة القومية العربية بالذات، ومن هنا أيضاً أن ثمة ناصرية من دون ناصر وبعد ناصر.
لا شك في أن غياب القائد، بثقله وتاريخيته، سيؤثر في الناصرية، سلبياً، على المدى القريب، خاصة لأن القيادات المحلية الناصرية بشكل عام، وفي ما عدا القطر السوري إلى حد ما وجزئياً، تقف على يمين عبد الناصر من جهة، كما أن وعيها أقل نمواً من وعي عبد الناصر. فإذا أضفنا إلى ذلك كون التنظيم الناصري لا يزال سديمياً إلى حد ما، وأن العقيدة السائدة لدى الجماهير دون مستوى الميثاق، ندرك عندئذ الصعوبات التي ستعانيها الحركة الناصرية على المدى القريب.
أما على المدى التاريخي أو على المدى المتوسط ، فإنني لست بالمتشائم، بل على النقيض من ذلك. فالجماهير الناصرية جماهير تغيير متطرف، وإن لم تكن واعية لتفاصيل هذا التغيير. كما أن المشاكل العربية تزداد إلحاحاً وتعقيداً . إن تراث عبد الناصر، الذي ستجري محاولات محمومة لتزييفه وإفراغه من محتواه الثوري ، سيكون عنصراً إيجابياً ثميناً في استئناف النهوض الثوري ومساعدة الجماهير في النهوض من جديد.
وبصرف النظر عن الاسم والإطار اللذين ستأخذهما حركة الجماهير النامية في المستقبل، فإن التراث والتقليد الناصريين لا بد وأن يشكلا مرتكزاً أساسياً من مرتكزات هذه الحركة. إن حركة الجماهير الجديدة، عندما تكون حركة جماهير فعلية، لا يمكنها إلا أن تنطلق من النقطة التي وصل إليها عبد الناصر، تنطلق من هذه النقطة، مستوعبة كل الإرث الناصري ، لتتجاوزه إلى وعي يناسب ويرتفع إلى مستوى المرحلة التي تعيشها.
إن المنطلق القومي لمسيرة عبد الناصر، وفي هذا المنطلق تكمن جوانب قوتها وضعفها في آن معاً ، جعل الحركة الناصرية حركة شعب عريضة غير متجانسة طبقياً ، تجد فيها أفراداً من بقايا الإقطاع بل أمراء، ونجد فيها أيضاً كتلاً كثيفة من الفلاحين والعمال. ومن الطبيعي، بعد أن يغيب القائد والمعلم والحكم، أن تبرز التناقضات في ما بينها. ولكن لا خوف على هذه الحركة ككل لأن صلبها هو حركة جماهيرشعبية.
سيسعى اليمين الناصري إلى تقديم صورة سكونية للتراث الناصري، وسيجزئه ويقطعه، في محاولة لتصوير النقطة التي سقط فيها عبد الناصر كنهاية مطاف التطور الثوري، نازعاً هكذا ديناميتها. أما حركة الجماهير الشعبية فستحافظ على دينامية الناصرية وعلى كليتها، جاعلة منها نقطة انطلاق متجدد لصياغة نظرية قادرة على شحذ فعالية الجماهير وتأطير وعي مطابق وشمولي لمستقبل الثورة العربية. لقد بدأت الثورة العربية الحديثة مع عبد الناصر، وإن إكمالها سينطلق من النقطة التي وصل إليها وقضى شهيداً.
لا خوف من المستقبل، على الرغم من ارتسامات الانهيار الكبير والليل الزاحف.
………………..
نشرت في : النهار، 1/ 10/ 1971












عرض البوم صور يسري راغب   رد مع اقتباس
قديم 09-30-2011, 12:37 AM   المشاركة رقم: 2
المعلومات
الكاتب:
يسري راغب
اللقب:
كاتب وأديب/ أستاذ بارز

البيانات
التسجيل: Sep 2010
العضوية: 773
المشاركات: 1,308
بمعدل : 0.39 يوميا
الإتصالات
الحالة:
يسري راغب غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

 

كاتب الموضوع : يسري راغب المنتدى :   أحــــداث وقضايــــــا الأمـــة
افتراضي

لم نعد نجد نهج عبد الناصر وروحه
لا خوف من المستقبل على الرغم من الانهيار الكبير
ياسين الحافظ

4

الناصرية والشيوعيون
الأحزاب الشيوعية العربية، على الرغم من التراث الخصب الذي تنتسب إليه، لم تستطع أن تلتقط المسألة المركزية في الثورة العربية، وأعني بالطبع مسألة الوحدة العربية. أذكر قولاً للينين: "الخاصة القومية في الثورة الروسية هي المسألة (رافعة) الثورة". متاعهم في فهم مشكلات بلدانهم كان كراس ستالين الماركسية والمسألة القومية، مضافاً إليه بالطبع كتاب لينين الاستعمار أعلى مراحل الرأسمالية. كراس ستالين حجب عنهم الحقيقة الواقعية لوحدة الأمة العربية وكونها تشكل أمة واحدة، وضللهم عن رؤية الطابع الشعبي والجماهيري (والفلاحي) لحركة القومية العربية. أما كتاب لينين، الذي كان يبحث في آلية الرأسمالية في المتروبولات وتطورها، وكان موجهاً في الدرجة الأولى إلى فهم الجانب الاقتصادي في الرأسمالية الاحتكارية، فقد حجب عنهم، بفهمهم المبسط له بالطيع، الجانب السياسي في آلية الهيمنة الإمبريالية في المستعمرات، فعجزوا بالتالي عن إدراك الجانب المعادي، موضوعياً، للإمبريالية، في النضال الوحدوي.
إذا أضفنا إلى هذه الاستراتيجية الإقليمية استراتيجيتهم اليمينية، استطعنا أن نفهم لماذا كانت الأحزاب الشيوعية العربية مجرد قوة ضغط ودفع في أحسن الأحوال، ولم تكن قط قوة تغيير.
مركبات هذه الاستراتيجية اليمينية متعددة، منها الاستراتيجية الإقليمية ومتطلبات الدبلوماسية السوفياتية، لكن مرتكزها النظري الرئيسي كان نظرية مرحلية الثورات، مرحلية يكاد يفصل بينها سور صيني، ثورة وطنية ديمقراطية ثم مرحلة اشتراكية. هذه المرحلة، المبنية على جهل تام لمشكلة التخلف وآلية السيطرة الإمبريالية عموماً. وآليتها المميزة في الوطن العربي خصوصاً (كآلية مرتكزة على التجزئة أولاً)، جعلت هذه الأحزاب عاجزة في النتيجة عن الربط الجدلي بين الثورتين القومية والاجتماعية، هذا الربط الذي يشكل، في رأيي، سبباً لتفوق عبد الناصر على كل ما سبقه من أطر يسارية.
لم يكن قومياً تقليدياً
* كيف استطاع عبد الناصر، هذا القومي، أن يتلمس آلية السيطرة الإمبريالية على الوطن العربي ، وأن يربط بالتالي ربطاً جدلياً بين الثورتين القومية والاجتماعية؟
- لم يكن عبد الناصر قومياً عادياً تقليدياً ، بل كان قومياً متطرفاً . هذه السمة، مضافأ إليها ارتباطه الصميم بالشعب (لا بالأمة فحسب) وحسه التاريخي، كفلت لوعيه مزيداً من التقدم ومزيداً من التطرف. لذا فإن كل نظرة سكونية وتجزيئية إلى عبد الناصر لن تكون سوى نظرة سطحية، ومزيفة بالتالي .
عندما كانت الحركة الوطنية المصرية في مجملها، بما فيها اليسار الأكثر عداء للإمبريالية، سجينة أفق إقليمي مصري، أدرك عبد الناصر أن استقلال مصر السياسي الحقيقي الكامل لن يتحقق بالقضاء على النفوذ الاستعماري في مصر، بل لا بد من تصفية هذا النفوذ في الوطن العربي . انطلاقاً من هذه النقطة بالذات نمت بذرة الاتجاه العربي الوحدوي لدى عبد الناصر، لتصبح نزوعاً عميقاً مسيطراً وهاجساً رسالياً . وهذا النزوع بالذات، الذي لم يغفره له الغرب، كان عنصراً أساسياً في عظمة عبد الناصر ونقطة مقتله.
ومن هنا لم تكن الوحدة، لدى عبد الناصر، تجسيداً لفكرة مطلقة أو عودة الأمة إلى وضع سوي (كالبعث)، كما أنها لم تكن نافلة "قومية برجوازية" يمكن قبولها (قبولها فحسب) بعد التحرر والاشتراكية (كالشيوعيين). إنها عملية تاريخية، تتحقق مع النهضة العربية وبها، وهي على كل حال أرضية لا بد منها للاستقلال التام .
هذا القومي المتطرف، الذي توصل إلى المنظور الوحدوي عبر وعيه لطبيعة السيطرة الإمبريالية، ما لبث أن التقط ، بسبب هذا الوعي ، حقيقة كون البنية القديمة للمجتمع تشكل هي الأخرى المرتكز الثاني للهيمنة الإمبريالية. ومن هنا كان الهاجس الثاني لعبد الناصر هو التنمية. وفي محاولته تجديد بنية المجتمع تعمق وعي عبد الناصر أكثر فأكثر بحقيقة الهيمنة الإمبريالية من جهة، واصطدم من جهة أخرى بمقومات وكوابح التنمية متمثلة في الطبقات المستغِلة وفي البنى التقليدية للمجتمع. ومن هنا جاء ربط عبد الناصر الجدلي للثورتين القومية والاجتماعية. ما هو قومي متطرف مرتبط بتحديد ما هو اجتماعي، وما هو اجتماعي يفتح آفاقاً جديدة لما هو قومي ويعطيه محتوى جديداً. ومن هنا نستطيع تفسير انتقال عبد الناصر من فكرة الأمة إلى الشعب ثم إلى الشعب العامل ، ثم إلى الطبقة العاملة، ومن هنا أيضاً ربط عبد الناصر بين الوحدة والاشتراكية، هذا المكسب الثمين لتطور الحركة القومية العربية، وهذا الزخم الذي منح للتيار الاشتراكي . ولهذا كان وعي عبد الناصر متفوقاً على وعي اليسار العربي التقليدي : الاشتراكية ليست نظاماً يضاف إلى النهضة القومية بل هي شرط من شروطها، كما أنها ليست مرحلة مقبلة تأتي بعد التحرر لأنها شرطه في ظل الآلية الجديدة للسيطرة الإمبريالية.

5

افتقاد الناصرية كنهج
* ما هي أبرز ملامح الوضع العربي بعد غياب عبد الناصر، على الصعيدين الرسمي والشعبي؟
- على الصعيد الشعبي : عندما غاب عبد الناصر شعر المواطن العربي بألم عميق وبخشية من المستقبل. وبعد سنة من غيابه تحولت هذه الخشية، بسبب المزيد من الانهيار العربي الذي نراه، إلى دوار يخالطه يأس وشك صامتان، في آن معاً . لقد شعرت الجماهير العربية، بعد سنة وخلال هذه السنة، بأنها لم تفتقد عبد الناصر فحسب، بل افتقدت عبد الناصر كنهج وعبد الناصر كارتباط لا ينفصم بالشعب.
لكن هذه الحال ، كما أعتقد، ولست أدري، إذا كنت متفائلاً ، لن تستمر.
فعبد الناصر لم يكن هبة مقطوعة من نضال الأمة العربية، بل كان حصيلتها وتتويجها وقد تركها عبد الناصر وهي أكثر نضجاً وأعمق إيماناً بنفسها.
على صعيد الدول الغربية : كان غياب عبد الناصر فرصة كبيرة لهذه الدول لكي تجهز على كل المكاسب التي حققتها الأمة العربية بقيادة عبد الناصر. إن الاحتلال الإسرائيلي، الذي يتمادى، إنما يهدف إلى تعفين الوضع العربي، لكي يتهاوى كبناء رملي ويعود العرب إلى عصر ما قبل عبد الناصر. عملية التعفين هذه مستمرة. ولحظة الانهيار الكبير، التي خطط الاستعمار لتحقيقها في حرب حزيران/ يونيو 1967 وفشلت بسبب موقف الجماهير في 9 و10 حزيران/ يونيو 1967، ترتسم في الأفق. إن هذا يتوقف لا على تحرير الأراضي المحتلة بعد حرب حزيران/ يونيو فحسب ، بل كذلك على تحريرها بسرعة. إن الزمن يلعب ضد العرب.
على صعيد مصر: لقد صفيت الناصرية كنهج وأجهز عليها كمؤسسة، وانتهت كارتباط لا ينفصم بالشعب. وتجري الآن أضخم محاولة لتصفية الناصرية كتراث ثوري يقودها محمد حسنين هيكل. إن الشعب المصري يدرك هذه الوقائع، لذا فهو يرد، بروح النكتة العميقة النفاذة لديه، يرد على هؤلاء الذين يعلنون بالأقوال إنهم سائرون على خط عبد الناصر: "سائرون وفي يدهم محاية فوق الخط ".
قد يردّ بعضهم : لم هذا القول وهياكل النظام المصري لا تزال قائمة ؟ التأميم باق والإصلاح الزراعي أيضاً، والتنمية لا تزال تحتل الصدارة، وعبد الناصر بالذات هو الذي قبل مشروع روجرز.
الناصرية على الرف
ولهؤلاء أقول :
1- ما ذكرتموه صحيح لكن المسألة ليست هنا. إن عبد الناصر على الرغم من عظمة كل ما حقق، لم يحقق بعد ما هو مطلوب وضروري وكاف بالنسبة إلى تطور مصر وتطور الأمة العربية. ومن هنا فإن قيمة التجربة الناصرية أنها تخلق دينامكيتها وتتقدم . هذا ما افتقدته مصر الآن كلياً على الصعيد الداخلي. إن ركود التجربة المصرية سيحوّلها إلى نسخة مكررة عن التجربة المكسيكية، وستطويها الإمبريالية بسهولة تحت جناحيها، وستمتص وتذوب كل إنجازات عبد الناصر.
2- لقد قبل عبد الناصر حقاً مشروع روجرز. ولكن لنضع قبول عبد الناصر في إطار تكتيكاته لتصفية آثار العدوان، ثم نقارنها بالتكتيك المتبع حالياً .
كان عبد الناصر يمارس تكتيكات عدة :
- المناورة مع أمريكا، بهدف إضعاف الحلف الإسرائيلي- الأمريكي.
- العمل لكسب أوروبا الغربية.
- العمل لتدعيم التحالف العربي- السوفياتي.
- تجميع كل ما يمكن تجميعه من الطاقات العربية.
- الحرب، وإن محدودة أو صغيرة، على قناة السويس...
ولكن بين هذه التكتيكات، كان تكتيك دعم الحلف العربي- السوفياتي رافعة المعركة الراهنة والحلقة المركزية في مختلف التكتيكات.
بعد غياب عبد الناصر، لم يستغن بالطبع عن تكتيك التحالف العربي- السوفياتي لكنه أنزل إلى مرتبة تكتيك ثانوي، وأصبح الحوار مع أمريكا الحلقة المركزية. أما شعار عبد الناصر: " ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة "، فقد وضع على الرف. لهذا جرى تمديد وقف إطلاق النار مرة تلو الأخرى ، وليس في الأفق ما يوحي بأن الأمر سيتغير.
مرة أخرى، في هذه المعركة المصيرية، لم نعد نجد نهج عبد الناصر وروحه.

6
عبد الناصر كما يراه هيكل
3- إذا صرفنا النظر عن الجانب الأدبي والتجاري (حتى لو أحال هيكل كل ما تقاضاه إلى المجهود الحربي) في عملية نشر مذكرات هيكل عن عبد الناصر، فإن عبد الناصر تحوّل في قلم هيكل إلى بطل قصة أو رواية. في قلم هيكل كف عبد الناصر عن كونه رجل قضية وزعيماً تضرب جذوره في أعماق شعبه وفي بطون تاريخه وفي آفاق مستقبله. إنها طريقة، وقد فهمها الشعب بوضوح، لكي يقول هيكل إن عبد الناصر انتهى (حتى وان قال مئة مرة النقيض تصريحاً).
إن هيكل يكتب تاريخ عبد الناصر على طريقة مايلز كوبلاند، وإن من زاوية أخرى. في كتابات كوبلاند وأمثاله كان عبد الناصر الولد الشقي الذي يناكف الغرب يوماً ويصالحه آخر، يضربونه يوماً ويضربهم يوماً آخر... وهكذا. كتابات هيكل كتبت بالروح نفسها وبالمنطق نفسه، ولكن يضيف موجهاً كلامه إلى الغرب: إن غباءكم هو سر كل تاريخ عبد الناصر. لو كنتم أعقل لكان عبد الناصر أعقل. أما تاريخ الذل، الذل الطويل الذي عاناه الشعب العربي فلا يخطر لهيكل ببال. حتى عندما كان يأتي في خاطر هيكل، فهو ليس سوى جزء من هذا الكتاب وفي زاوية الصورة، في الظل .
كيف يمكن عرض علاقة عبد الناصر بدالاس وإيدن من دون أن يوضع عبد الناصر في إطاره الشعبي العربي ، من دون أن تكون في الصورة كل حركة الجماهير التي تهدر من الخليج إلى المحيط؟ "بيع " التراث، مع تقطيعه وبالتالي تشويهه، إنما يهدف إلى تهشيم الكلية الجامعة لشخصية ناصر وجذوره وتفاعله مع شعبه وتفاعل شعبه معه. هذه الصورة الكلية لشخصية ناصر قد تبخرت. يريد هيكل أن يقول لنا : انتهت، لقد كان عبد الناصر حلماً أو فيلماً ، وها نحن نستيقظ أو نخرج من الصالة بعد موته. لقد كان استثناء ومرحلة عبرت. هذا يعني أن الثورة استثناء ومرحلة عابرة.
……………………………………….













عرض البوم صور يسري راغب   رد مع اقتباس
قديم 09-30-2011, 12:39 AM   المشاركة رقم: 3
المعلومات
الكاتب:
يسري راغب
اللقب:
كاتب وأديب/ أستاذ بارز

البيانات
التسجيل: Sep 2010
العضوية: 773
المشاركات: 1,308
بمعدل : 0.39 يوميا
الإتصالات
الحالة:
يسري راغب غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

 

كاتب الموضوع : يسري راغب المنتدى :   أحــــداث وقضايــــــا الأمـــة
افتراضي

0وجهة نظر غربية في عبد الناصر وجهة نظر غربية في عبد الناصر وثورته
إمتداد لوطنية القرن التاسع عشر وقطيعة أبقت الأمور معلقة
فريدمان بيتز

------------------
1
اعتبر بيان الثورة المصرية الأول الفترة التي سبقت حركة الضباط الأحرار من أكثر الفترات سواداً في التاريخ المصري كله ، بما اكتظت به من فساد إداري ، وعدم استقرار سياسي . القائمون بالحركة وصفهم البيان بالشجاعة والوطنية والامانة والنقاء ، وقال انهم قاموا بحركة بيضاء سيطروا فيها على قيادة الجيش واستلموا زمام السلطة في البلاد (1) . ضباط الحركة أو الضباط الأحرار - كما سموا أنفسهم - وعلى رأسهم جمال عبد الناصر - الذي كان يبلغ آنذاك الرابعة والثلاثين من العمر - أرادوا أن يحققوا بتحركهم هدفاً طالما سعت إليه الحركة الوطنية المصرية . منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر : مصر القوية المستقلة (2) . ولقد مضت على ثورة الضباط الأحرار ثماني عشرة سنة تماماً حتى الآن (1970 ) ومع ذلك فإننا لانرى نهاية قريبة للعهد الثوري . خلال هذه المدّة غيّر عبد الناصر المجتمع المصري جذرياً بحيث لاتمكن المطابقة بين مجتمع وقائد في القرن العشرين كما يمكن ذلك بالنسبة لعبد الناصر والمجتمع المصري . فإذا تتبعنا كلمة الرئيس في أول مايو لهذا العام (1970 ) نجده يقول - ليس للمرة الأولى - أن مصر تمر بحقبة من أخطر حقب التاريخ . إنه يقول ذلك لا بإحساس الفخر لانتهاء أعمال سد أسوان ، ولا تقدم التصنيع ، بل لايمان منه بأن الكفاح من أجل " التقدم والسلام والحرية " يحقق في النهاية أهداف الثورة البعيدة المدى في الحق والعدل والرفاهية (3) . لهجة عبد الناصر الكفاحية لم تتغير منذ العام 1952 ، لكن فكره تغيرّ تدريجياً منذ ذلك الحين ، تغير من وطني متحمس لأهداف قومه وقضايا بشكل عام ، إلى داعية لاشتراكية ديمقراطية تعاونية .
ولأن عوامل داخلية بالدرجة الأولى كانت وراء قيام الثورة والتطورات اللاحقة فإن علينا أن نقدّم لدراستنا بكلمات عن الحالة في مصر وخلفية الضباط الأحرار . كما علينا ان نصف أهداف الانقلابيين الأولى . ويبدو أن الرئيس ورفاقه حاولوا في بداية الأمر أن يديروا السلطة بغير ايديولوجية معينة ، لكن اتضح لهم تدريجياً ان ذلك غير ممكن لأن قيادة الشعب إلى الأمام تحتاج إلى إعداد جماهيري لم يكن متوفراً ، كان عبد الناصر أمام أحد خيارين قريبين أما التعاون مع الاسلام في شخص الاخوان المسلمين أو مع التقليديين في كل الاحزاب القائمة وتجاوز عبد الناصر الخيارين لأسباب ستذكر في سياق البحث .
ينظر عبد الناصر إلى ثورته باعتبارها امتداداً للكفاح الوطني الطويل منذ القرن التاسع عشر (4) . لكن التضامن الوطني السابق على ثورة الضباط الأحرار لم يستطع تحقيق أهدافه في بناء مصر القوية المستقلة ، بل على العكس من ذلك فقد استطاعت قوى غير وطنية أن تتسلم السلطة مما اضطر الرئيس ورفاقه إلى الانقلاب عليها . ثلاث فئات تمثل اتجاهات النفوذ الرئيسية في قلب هذه القوى : فئة الأمراء من سلالة محمد علي الذي أسس النظام الخديوي بمصر في مطلع القرن التاسع عشر وفئة المحتلين من الانكليز الذين سيطروا على مصر منذ العام 1882 ، ثم فئة البورجوازيين الكبار الذي تعاظم نفوذهم في الدولة من خلال دستور العام 1923 الذي أعطى مصر استقلالاً شكلياً : لقد سيطر هؤلاء على الأحزاب ، وبالتالي على البرلمان ، ومنذ الحرب العالمية الأولى ، عندما بدأت الجماهير تتجه للتصدي للمحتل البريطاني لم يهدأ الكفاح ضده . فقد نشبت ثورة العام 1919، ثم ارغم النضال البريطانيين على التنازل عن بعض امتيازاتهم في المعاهدة المصرية- البريطانية (30 أغسطس 1936). لكن بقيام الحرب العالمية الثانية عادت مصر من الناحية الواقعية محمية بريطانية ، يدل على ذلك حادث فبراير (شباط) 1942 عندما ارغمت الدبابات البريطانية الملك فاروق (1936- 1952) على تعيين مصطفى النحاس زعيم حزب الوفد رئيسا للوزراء. وعندما انتهت الحرب، ولم تعد هناك ضرورة لوجود العسكريين البريطانيين لم ينسحبوا من مصر بل تعاظم نفوذهم في سائر دوائر الدولة ، وسط ظروف اقتصادية واجتماعية مضطربة تركت البلاد في حالة من الفوضى والفساد لا مثيل لها. اضيفت الى مصاعب المدن السياسية والاجتماعية مصاعب الريف المصري المتزايدة . فقد تزايد السكان بصورة ملحوظة في الاربعينات في حين لم تتزايد موارد الفلاحين الذين اشتدت قبضة ملاك الأراضي الكبار عليهم . كانت الكثرة الكاثرة للفلاحين المصريين في الاربعينات تعيش على الهامش ، وتعاني من سوء تغذية فظيع ، ومن امراض البلهارسيا والتراخوما التي كانت تستنفذ انسانيتها وقدرتها على العمل والانتاج . في هذه الظروف تزايد عدد العائلات الفلاحية التي لا تملك شيئا ، واشتد الزحف نحو المدينة بحثا عن العمل والحياة. في مدينة كالاسكندرية كان الاجانب ما يزالون المسيطرين في الحياة الاقتصادية، وكانت ارباحهم من تجاراتهم في مصر- شأنهم في ذلك شأن الملك وكبار ملاك الأراضي - توضع في بنوك اوربا ، هذا في حين يعاني الفلاحون المصريون من المرض والبطالة وسوء التغذية ، والاضطرار الى الانتظار على هامش المدينة . لكن لم يكن الفلاحون هم الساخطون فقط ، فالظروف الشاسعة في المعيشة اثارت سخط الطلاب والمثقفين، وفئات البورجوازية الصغيرة والبيروقراطية. لقد رأوا جميعاً ان امكانيات تقدمهـم وتحسن ظروفهم محدودة في ظل الأوضاع الراهنة . وبدأ تذمرهم هذا في صورة اضرابات وتظاهرات انتهت غالبا بأعمال عنف . وانعكست الأزمة الاجتماعية على الحياة السياسية او تساوقت معها ، وبدا ذلك في عجز الحكومات المتعاقبة عن حل المشاكل الاجتماعية والتصدي للاحتلال البريطاني غير الشرعي . كان الامل معقودا على حزب الوفد الذي نشأ حزبا جماهيريا لكن شكل قيادته، ثم تحالفه مع البريطانيين عام 1942، وتغلغل البيروقراطية فيه ، كل ذلك شل فاعليته وعطلها.
ولم يكن الامر مختلفأ بالنسبة للاحزاب الاخرى، فقد ظهر اكثرها نتيجة انشقاقات في حزب الوفد، ولم تكن تستطيع ان تجتذب اليها فئات جماهيرية معتبرة، للشك الذي كانت تحاط به بسبب تمثيلها لمصالح كبار ملاك الأراضي، والبورجوازية المدنية الطفيلية. ودخلت المنظمات اليسارية الى الساحة منذ العام 1945 بتشكيلها للجنة الوطنية للعمال والفلاحين التي نظمت اضرابات وتظاهرات ضد الاحتلال البريطاني ، والاجراءات غير الديمقراطية للحكومات المتعاقبة. من جهة ثانية قاد حسن البنا تياراً دينياً جماهيرياً يريد احياء القوة الاسلامية الاولى عن طريق " العودة الى تطبيق مبادىء الاسلام " ، وقد استخدم هذا التيار العنف والاغتيالات اواخر الاربعينيات للقضاء على خصومه وارغام المسؤولين على تنفيذ بعض مطاليبه (5). بلغت الأزمة الاجتماعية - السياسية. اخيرا قمتها يوم " السبت ا لأسود " (26 يناير 1952) عند ما قامت جماعات من الاخوان وبعض الفئات اليمينية. المتطرفة باشعال حريق ضخم في الاحياء العصرية في وسط القاهرة . تلا ذلك اربع وزارات لم تستطع ان تستقر في السلطة، ودخلت البلاد طوال شهور متوالية في حالة طوارىء دائمة . في ظل ظروف متوترة كهذه ما كان بوسع الجماهير الساخطة ان تحقق تغييرا اصلاحيا في النظام السياسي بوسائل سلمية، خصوصا ان الحكومات الضعيفة كانت تلجأ دائما الى الجيش لتحتفظ بسلطتها ، مما هيأ شروطا ملائمة لتدخل العسكريين في الحياة السياسية باعتبارهم الفئة الوحيدة المنظمة التي تستطيع ان تتصرف بسرعة وحزم . هذا ما ادركه الرئيس عبد الناصر- وقد كان آنذاك ضابطا برتبة مقدم . فتد كتب فيما بعد في " فلسفة الثورة " ان الجيش كان في تلك الفترة القوة الوحيدة المنظمة التي تستطيع ان تتحرك لتغير دون ان يثير ذلك سخط أي من الفئات لأن الجيش جاء من قلب الشعب من جهة، ولأنه ليس تابعا لحزب او فئة من جهة ثانية (6). ولم يكن الجيش ليتردد طويلاً في استلام زمام السلطة ، فقد عملت مجموعة من الضباط للوصول الى ذلك سنوات قبل الثورة . دخل عبد الناصر وكثير من زملائه الكلية الحربية عام 1936/ 1937 بعد عقد المعاهدة المصرية- البريطانية التي مكنت الشبان المصريين من غير ابناء العائلات البورجوازية الكبيرة من دخول الجيش ضباطا. وقد رفض عبد الناصر اولا بسبب نشاطاته السياسية في مظاهرات العام 1935 ثم قبل فيما بعد ، بعد ان درس الحقوق لفترة قصيرة في جامعة القاهرة . وبعد أن خدم في جنوبي مصر والسودان عاد الى القاهرة عام 1942 ضابطآ اداريا. وقد ادرك عبد الناصر وزملاؤه من رجال العام 1936 ان الحياة السياسية المصرية صارت معيقة لتقدم البلاد الاجتماعي (7) وانه لا بد من تغييرها وبدأوا يعدون أنفسهم لذلك، لكن حرب فلسطين عدلت من خططهم وادت الى الاسراع في اعداد الخطة للتغيير فكونوا عام 1948 لجنة الضباط الاحرار بقيادة عبد الناصر لكن عندما نفذوا انقلابهم عام 1952 اثروا ان يتولى الأمر في الظاهر رجل اكبر سنا وشهرة في الأوساط الشعبية هو اللواء محمد نجيب . كان للضباط الاحرار هدف كبير- هو هدف الحركة الوطنية المصرية منذ زمن ويتلخص في بناء مصر قوية مستقلة (8)، لكن لم يكن لديهم برنامج واضح عن كيفية تحقيق ذلك . جاءت اجراءاتهم الاولى ضد البورجوازية الكبيرة والرأسمالية العقارية بقصد تحقيق بعض التقدم على المستوى الجماهيري . اثناء ذلك شكلوا لجان عمل ودراسة لتخطيط تصرفات الثورة المقبلة ووضع اهداف اكثر تحديدا. وتتابع صدور القوانين ذات المطمح الجماهيري في تلك الفترة، فالغيت القاب الباشوية والبيكوية، وانشئت محاكم لجلاء قضية اغتيال حسن البنا زعيم الاخوان، واشكاليات الأسلحة الفاسدة في حرب فلسطين . وصدر قانون الاصلاح الزراعي (9 سبتمبر 1953) بعد ان صودرت املاك فاروق والعائلة المالكة . نص قانون الاصلاح الزراعى على حد اعلى للملكية يعطي مئتي فدان للفرد الواحد . واستولت الدولة على الملكيات الكبيرة ثم وزعتها على الفلاحين ، ووضعت اسعارا محددة لايجار الأراضى او المزارعة . كانت لبعض الضباط الاحرار اهتمامات سياسية واضحة قبل الثورة ، لكن هؤلاء كانوا ينتمون الى اتجاهات متناقضة حزبيا على الأقل مما حال دون تكون كتلة خاصة لصالح حزب من الاحزاب الموجودة في الساحة السياسية. كان هناك رجال من أنصار الوطنيين المتطرفين في " مصر الفتاة " . كما كان هناك شيوعيون واخوان مسلمون (9) . أما عبد الناصر فلم يكن مرتبطا بجماعة معينة وان كان يعرف الاحزاب جيدا . لهذا كان اعلان الضباط الاول انهم يريدون فقط تطهير الجيش وانهم يطلبون من الحكومة والاحزاب ان يطهر كل منهما نفسه من العناصر الفاسدة وحددوا لذلك ستة أشهر يعودون بعدها الى ثكناتهم (10) بعد ان يكونوا قد اطمأنوا الى نظافة الحياة السياسية، وعودتها الى السير على هدى من الدستور ومصالح الشعب (11). لكن الأسابيع التالية اظهرت ان الضباط الاحرار قدروا الاحزاب تقديرا اعلى من الحقيقة، مما اضطر اللواء محمد نجيب رئيس مجلس قيادة الثورة في اغسطس (آب) 1952 الى التصريح بان الثورة اقترحت ، وها هي تحذر الآن ، لكنها ستجد نفسها مضطرة الى الفعل ان استمر الحال على ما هو عليه من فساد وفوضى (12). في سبتمبر (ايلول) 1952 تولى محمد نجيب رئاسة الوزارة بسلطات واسعة للاصلاح فشكل محكمة للنظر في فساد البرلمان والاحزاب. عندها بدأت صراعات اجنحة عنيفة في حزبى الوفد والاخوان المسلمين على الخصوص كما اقتنع مجلس قيادة الثورة بأن اعادة الحياة النيابية والحزبية سيؤسس من جديد ديمقراطية شكلية فاسدة (13). بعدها جرى تعطيل دستور العام 1923، ومدّ امد الفترة الانتقالية التي يحكم فيها، العسكريون بشكل مباشر ثلاث سنوات ثم كان ان اعلنت الجمهورية في 18 يونيو (حزيران) 1953. كان محمد نجيب من الذين ظلوا يؤمنون بامكان اعادة الدستور والديمقراطية في القريب العاجل (14) وبسبب الشعبية الواسعة التي كان يتمتع بها، والسلطات التي اسندت اليه (رئاسة الجمهورية، رئاسة مجلس قيادة الثورة، رئاسة مجلس الوزراء) شعر انه يستطيع ان يتحدى عبد الناصر فاثار معه نزاعا علنيا حول الديمقراطية والدستور مما اضطر الرئيس الى الاسراع بمواجمته والخروج من وراء الكواليس ، وبأسابيع قليلة استطاع تجريده من سلطاته وعزله عن الجيش ، والسيطرة على مجلس قيادة الثورة وقيادة الجيش.













عرض البوم صور يسري راغب   رد مع اقتباس
قديم 09-30-2011, 12:41 AM   المشاركة رقم: 4
المعلومات
الكاتب:
يسري راغب
اللقب:
كاتب وأديب/ أستاذ بارز

البيانات
التسجيل: Sep 2010
العضوية: 773
المشاركات: 1,308
بمعدل : 0.39 يوميا
الإتصالات
الحالة:
يسري راغب غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

 

كاتب الموضوع : يسري راغب المنتدى :   أحــــداث وقضايــــــا الأمـــة
افتراضي

إمتداد لوطنية القرن التاسع عشر وقطيعة أبقت الأمور معلقة
فريدمان بيتز
------------------
2

لم يكن بوسع الضابط عبد الناصر ان يؤيد دعوة نجيب للعودة الى الديمقراطية، ذلك لأنه لم يكن يريد ، انقلابا، بل ثورة (15) ، لا تهدف فقط الى احلال موظفين اقل فسادا محل موظفين فاسدين. صحيح انه لم يكن يملك في البداية برنامجا مفصلا لكنه كان ورفاقه يملكون الارادة، وبعد عامين من ثورته عندما اصدر " فلسفة الثورة " كان ما يزال يبحث - عن اهداف محددة وواقعية يمكن للثورة ان تحققها مستقبلا(16) . كانت " فلسفة الثورة " ورؤيته العامة، لدور مصر في العالم العربى، ودور العالم العربي في العالم الاسلامي والعالم، ودور مصر في افريقيا، ودور الدول النامية في صراع الكتلتين (17) ، كل ذلك كان يشغل باله، فيبحث عن بداية لكل ذلك لكنه كان منشغلا ايضا - ربما بتبني دور لنفسه. كان هناك " دور " يحتاج الى بطل ليلعبه، ولأن عبد الناصر وجد المسرح ما يزال- خاليا فقد كان على استعداد لتولي هذا الدور (18)0" الدور " الباحث عن " بطل " وجد في السنوات القادمة رجله الذي صار اشهر رجال العالم الثالث، واحد اكثر خصوم الغرب الامبريالي تصميما وشعبية. لكن محاولة تفسير اصرار ناصر على الاحتفاظ بالسلطة بالانانية الشخصية وحب الذات لا تجد لها سندا مقنعا في سلوكه الشخصي وكلماته وتصرفاته السياسية. كان الرجل منذ شبابه الاول شديد الأسى لما آلت اليه الأمة من تخلف وتسيب واستسلام، كما كتب الى احد اصدقائه عام 1935 (19)، وتشير اقواله في " فلسفة الثورة والميثاق " والخطب الى انه كان حزينا الى حد اليأس للبؤس الذي تعيش فيه غالبية الشعب المصري (20). وقبل كتابات فرانز فانون وفلسفة العنف في " معذبي الارض " (21) بجيل ادرك عبد الناصر ان طريق العنف هو الوحيد الباقى أمام البؤساء ومنظميهم للتخلص مما هم فيه . وقد اشترك هو نفسه في محاولة لاغتيال احد السياسيين قبل الثورة ، ثم اقلع عن استعمال الارهاب الفردي لأنه لا يحل المشاكل المستعصية وبدأ يعد مع رفاقه لثورة تحدث تغييرا جذرياً في الموجود كله (22). على انه بقي هناك شيئأ هاما، اذ يبدو أن عبد الناصر لم يكن يملك نظرية جاهزة عن كيفية تحقيق مصر القوية المستقلة، ويوضح هذا تلك الصيغ العامة ، والمبادىء غير المحددة بدقة التى بدت في خطبه وكتاباته واقوال رجال ثورته وصحافته في السنوات الاولى للثورة ولكن هل يمكن الحديث عن احساس مماثل في السنوات الاولى للدعوة الى " اشتراكية عربية "، ام ان هذا كله ناتج عن طبيعة اللغة العربية الغنية بالالفاظ والاحتمالات وأسباب المجاز والكفاية والمترادفات ؟. على أي حال لقد كان واضحاً بالنسبة له منذ البداية ان الثورة السياسية " ليست كافية، بل لا بد من ثورة اجتماعية تتبعها (فيما بعد رأى انه لا بد لهذه ان تساوقها). في مرحلة الثورة السياسية يتحقق التحرر من المستعمر او من طبقة حاكمة عميلة او مستغلة ، وفي المرحلة التالية تجري اعادة تنظيم المجتمع داخليا من اجل تحقيق " العدالة الاجتماعية" (23). صيغ هذان المبدآن في صيغة عامة هي: التحرر الوطني وتحديث المجتمع (24) ويشكو الرئيس عبد الناصر من امرين لم يتحققا في البداية . مع ان رجال الثورة كانوا ينتظروهما: التأييد الشعبى الطامح للثورة بحيث يطور الشعب نفسه افكارا عن التقدم والتغيير، واخلاص بعض المثقفين والسياسيين والاقتصاديين الوطنيين الذين يمكن ان يساعدوا الضباط الشبان في بداياتهم التجريبية غير الخبيرة او السياسية (25). لكن لا نستطيع ان نعفي الضباط والرئيس عبد الناصر من المسؤولية عن بعض ذلك ، اذ ان تجربتهم تركت آثارا سلبية على" الفكرة " و" المسيرة ". كانت هذه هي المقدمة لاعتزام الضباط الاحرار وعلى رأسهم عبد الناصر البقاء في السلطة. لقد كان عليهم ان يبقوا في السلطة لأنه لا بديل لهم بعد افلاس الحكم القديم ، ولأنهـم هم الوحيدون الذين يستطيعون اخراج الانجليز ، ولأنهم الذين يستطيعون ادعاء تمثيل ارادة الشعب بانتظار تقدم الجماهير نفسها لتحكم نفسها بنفسها (26)0 اعلن الرئيس عبد الناصر ان الجيش هو من الشعب والى الشعب ، ثم عاد فأكد ذلك بعد عشر سنوات في " الميثاق " في سياق عرضه لدور الجيش في المجتمع المصري (27) . وقد قال الشيء نفسه تقريبا في مقابلة له مح الصحفي الهندي المعروف كرنجيا (28) .
-3-
وضعت الثورة المصرية نصب عينيها ستة أهداف منذ البداية : التحرر من الاستعمار. تصفية الاقطاع ، القضاء على الاحتكار والاستغلال ، بناء عدالة اجتماعية ، انشاء جيش وطني قوي. وتحقيق ديمقراطية حقيقية (29). أما وسائل تحقيق هذه الاهداف التغييرية الجذرية فتركزت في أربعة أسس بعضها بدا على شكل بدائل : تدعيم النظام الثوري في الداخل عن طريق بعض الاجراءات الامنية ، اتباع سياسة خارجية واضحة ومعادية للامبريالية . البدء بالتغيير الاقتصادي تدريجيا في اتجاه تحويل الاقتصاد في النهاية الى
" اقتصاد دولة " ، وخلق أساس ايديولوجي وتنظيمي للنظام عن طريق " الدستور " و"الميثاق،، و" الاتحاد الاشتراكي العربي " (30).
(1) : رأى الرئيس عبد الناصر ان مصر تحتاج الى استقلال سياسي وبناء اقتصاد قوي، كما رأى ان ذلك لا يمكن تحقيقه الا باستقرار داخلي مضمون وبمعزل عن صراع الايديولوجيات والقوى العالمية على الساحة المصرية . في هذا السياق يمكن فهم اجراءاته التالية مثل: حل الاحزاب اليسارية (1954) واليمينية (الاخوان المسلمون 1954-1955)، وتحريم العمل السياسي الحزبي " منع السياسيين والبرلمانيين السابقين من العمل السياسي من خلال النظام الجديد. محاكمة البيروقراطية القديمة وبعض عناصر الجديد . وتقويتها من جديد بعناصر مؤيدة له ، وتدعيم الاجهزة البوليسية السرية ومراقبة الصحافة ، وبناء جهاز اعلامي جماهيري ضخم للدعاية للثورة واهدافها ورجالها.
(2): رأى الرئيس عبد الناصر ان الثورة السياسية ، لا يمكن ان تتحقق فعلا مادامت مصر محتلة من قبل ثمانين الفا من الجنود البريطانيين. لذلك كان همه الاول محاولة اخراجهم من مصر، فعقد لهذا الغرض مفاوضات شاقة مع البريطانيين وقعت في نهايتها اتفاقية 19 اكتوبر (تشرين الاول) 1954 التي انسحب البريطانيون بموجبها من مصر. لكن الضغوط اشتدت على الرئيس من قبل الكتلتين العالميتين مما دفعه ودفع دولا اخرى وسطى في آسيا وافريقيا الى البحث عن بديل لسيطرة الكتلتين . في تلك الفترة زاره نهرو بمصر على اثر تأسيس حلف بغداد (فبراير 1955) دون مشاركة مصرية . وفي ابريل (نيسان) انعقد مؤتمر دول عدم الانحياز الاول في باندونغ فحضرته ثلاثون دولة خرجت بصياغة مقررات معينة لما سمي"الحياد الايجابي ". بعدها بقليل اعلن عبد الناصر هذه المبادىء بمصر المؤمنة تقوم على البعد عن احلاف. ومصادقة الصديق ، ومعاداة العدو (31) . في سبتمبر (ايلول) من العام نفسه التقى عبد الناصر بتيتو، ثم التقيا مع نهرو في السنة المقبلة في بريوني (يوليو 1956) حيث اعلنوا المبادىء الأساسية لعدم الانحياز: ما دام العالم منقسما الى كتلتين والحرب الباردة على أشدها فان دول عدم الانحياز ودول العالم الثالث بشكل عام ترى من مصلحتها ألا تنحاز الى احدى الكتلتين بل ان تقاوم كل محاولة للسيطرة من احدد الكتلتين، وتدعو الى " نزع السلاح " تخفيفا لحدة التوتر على المستوى العالمي ، كما تدعو الى تدعيم اقتصاديات الدول النامية (32).
اظهر مبدأ عدم الانحياز هذا - الذي حل محله بعد سنوات مبدأ عدم دخول الاحلاف- أهمية بالغة في الخمسينيات ، السنوات الصعبة بالنسبة للدول النامية والمستقلة حديثا. لقد كانت هذه الدول جميعا بحاجة ماسة الى مساعدة تقنية وتمويل لمشاريع التنمية من الخارج ، لكنها كانت تخشى من الوقوع في التبعية السياسية والاقتصادية من جديد. وكان عدم حصولها على مساعدات- من قوى لا تعطيها بغير شروط- يعني التوقف عن النمو او التخلف. اظهر الرئيس عبد الناصر في سنوات " الحياد الايجابي " الذهبية قدرة رائعة على لعب دور وسط بين الأنظمة الكبرى بحيث استطاع ان يستغل " لعبة الأمم " هذه للحصول على مساعدات لبلاده دون ان يعني ذلك ارتباطا بجهة معينة . لكن فرص النجاح والتقدم بقيت مع ذلك محدودة، فقد توصلت احدى الشركات التي طلب اليها عبد الناصر ان تخطط للتنمية بمصر من خلال خطة خمسية اولى الى انه " لو توفر للخطة الخمسية التمويل الكافي والبالغ مليار دولار، ولو سارت هذه الخطة على الفور دونما عقبات " ولو عمل المصريون ليل نهار، ولو تلقى عبد الناصر كل المساعدات التقنية التي يحتاجها لخطته من الخارج فإن الهدف الذي يمكن تحقيقه بعد هذا كله ينحصر في عدم الرجوع الى الوراء دونما آمال بالتقدم في طريق التنمية الاقتصادية (33). من هذا الموقف اليائس لمصر كان على عبد الناصر ان يتحرك نحو المستقبل في ظل زيادة للسكان تبلغ 5ر3% سنوياً - عام 1969، 3% سنويا- واقتصاد مهزوز جدا، ونقص مريع في القطع النادر. في نوفمبر (تشرين الثاني) 1954 استطاع عبد الناصر بعد متاعب لا حصر لها الحصول على قرض اميركي قيمته 40 مليون دولار، لكن هذا القرض لم يكن شيئا يذكر ان كان المقصود منه البدء سد اسوان الذي يتطلب اضعافا مضاعفة.
اولى ثمار سياسات الحياد الايجابي كان العرض الاميركي- الانجليزي للمساعدة في بناء سد اسوان في ديسمبر (كانون الاول) 1955. كان الاتحاد السوفياتي قد قدم عرضا للمساعدة في بناء السد قبل ذلك بقليل . لكن الغربيين الذين ازعجتهم صفقة عبد الناصر للسلاح مع تشكوسلوفاكيا الدائرة في فلك السوفيات (قيمتها 80 مليون دولار ، وكان الاميركيون قد رفضوا تزويد مصر بكميات من السلاح اقل بكثير)، أرادوا ان يتلافوا انحياز عبد الناصر التام الى الشرق الشيوعي بالاقبال على مساعدته هم ايضا.
لكن عبد الناصر تجاهل الاشارة الغربية وتابع سياسته اللامنحازة. فاستقبل تيتو، وتدخل في الاردن ضد الجنرال جلوب ، وعاد الى بريوني لصياغة مبادىء عدم الانحياز نهائيا . عندها اقدم الاميركان والبريطانيون والبنك الدولي- على خطوة لا مثيل لها دوليا: لقد سحبوا عرضهم للمساعدة في بناء السد. فرد عليهم عبد الناصر بتأميم القنال . ومع ان عبد الناصر خسر حرب العام 1956 عسكريا الا انه انتصر فيها سياسيا وخرج منها اكثر استقلالا، واعظم احتراما فى أوساط دول العالم الثالث. لقد اظهر ان دولة نامية كمصر تستطيع الوقوف في وجه دول كبرى ان توفر لقبادتها العزم اللازم والشجاعة الكافية . لكن احترام دول الكتلتين لم ينبع من ذلك فقط بل من نفوذ عبد الناصر المتعاظم فى دول الشرق الأوسط التي اشتد فيها عضد الاتجاه الناصري الاستقلالي، وصارت جماهيرها تقف تلقائيا وراء الرئيس. تمكن الرئيس في السنوات التالية ان يستغل نفوذ مصر المتعاظم في العالم العربي - والعالم الثالث لصالح بلاده ، فاقبلت الدول الكبرى على خطب وده وتنافست دول الكتلتين في تقديم المساعدات الاقتصادية والتقنية والقروض لمصر، فحصل عبد الناصر في السنوات العشر التالية لعام 1956 على قروض تقدّر بـ 12 مليار دولار، هذا بالاضافة الى هدايا المؤن " وهدايا السلاح السوفياتي التي قدرت بـ 2 مليار دولار.
(3) : بتحرير- قناة السويس اعتبرت الثورة السياسية الى حد ما منتهية، وكان لا بد من الالتفات الى " الثورة الاجتماعية " . وحتى العام 1956 بدا " الاصلاح الزراعي " كأكثر اجراءات الثورة جذرية . أما ما عدا ذلك فقد كان عبارة عن اجراءات لتشجيع الرأسمال الخارجي للعمل في مصر ، وتشجيع الرأسمال الداخلي على الاستثمار الواسع . وقد قامت الثورة بمشاريع لتوزيع الارض على الفلاحين ، وانتزاع اراضي جديدة من صدر الصحراء، وبناء مصانع للحديد والصلب بحلوان، وتحسين وسائل الري، ومد شبكة المواصلات والانارة، والضمانات الاجتماعية، والتجهيز الطبي الى الارياف. وبشكل تلقائي بدأ الضباط تدريجيأ يحتلون المناصب على رأس البيروقراطية المصرية ، وبدأ تطوير المجتمع عهد العسكريين يأخذ شكلا جديد، لقد بدأت، الطبقة الجديدة- طبقة الضباط- بالظهور، والحلول محل البورجوازية الكبيرة القديمة (34). بدأ تركيز نظام الرئيس عبد الناصر لحل القضايا الاقتصادية منذ العام 1957، فأنشئت لجنة التخطيط، وهيئات اقتصادية اخرى لتنفيذ الخطة الخمسية، كما جرى تأميم البنوك وشركات التأميم. كان ذلك المعالم الاولى للتحول الجديد في السياسة الاقتصادية: كان الرئيس عبد الناصر يتجه نحو بناء اقتصاد دولة مخطط ومركزي، يتعاظم فيه، دور القطاع العام. وقد عممت قوانين 1960-1962 الاشتراكية ما كان قد بدأ في أواخر الخمسينبات
(4): كان التغيير الاقتصادي - الاجتماعي يتطلب مشاركة ووعياً شعبيين . وإرادة للتغيير . واستيعاباً لبعض اساسيات العصر ، لكن هذا كله لم يكن متوفرا بمصر الا في أوساط شرائح الطبقة البورحوازيه الوسطى الكبيرة . والبورجوازية هذه كانت اشد اعداء الرئيس شراسة بسب تهديده لمصالحها الداخليه وارتباطاتها بالخارج . كان على الرئيس اذن ان يتجه البورجوازية المدينة الصغيرة . وبالدرجة الاولى الى الفلاحين الذين كانوا مستغلين منذ آماد وآماد . والذين كانوا سلبين تجاه لحكومة منذ آماد وآماد . بيد ان الاتجاه إلى الفلاحين بتحسين ظروفهم المعيشيه. وتخليصهم من كابوس البلهارسيا والتراخوما لم يكن كافبا . لقد كان الأمر يتطلب تعديلا لنظرة هؤلاء الى عالم القيم الذين كانوا يعيشون فيه. تعديلا ينعكس على انماط السلوك الفردي والاجتماعي . وعلى الموقف من الدين والدولة والعصر ، لم تكن المشكلة في الأساس مع الاسلام . بل مع الشكل التقلبدي للإسلام الذي هو عبارة عن عادات وتقاليد وانماط سلوك واعتقاد قد لا تكون صلتها بمحمد و القرآن الكريم كبيرة لكنها على اي حال هي السائدة بوصفها إسلاماً في مجتمع مصر الريفي على الخصوص ، وبالإضافة إلى ان الرئيس كان مسلماً يحمل بين جوانحه شيئاً من التدين الفعلي ، فان اقصاء الاسلام الاجتماعي عن المجتمع يكاد يعني بالنسبة لكثير من المصريين ضرب أساس الاستقرار في المجتمع ، لذا فضل الرئيس ان يتجه إلى " تحديث " الاسلام بطريقة غير مباشرة عن طريق تدعيم الاتجاه العلماني في داخل الاسلام نفسه ، والدعوة إلى " طهورية " إسلامية . قد يكون لها وجه سلبي ، لكنها تخدم الأهداف الانمائية للنظام في المستقبل القريب .












عرض البوم صور يسري راغب   رد مع اقتباس
قديم 09-30-2011, 12:42 AM   المشاركة رقم: 5
المعلومات
الكاتب:
يسري راغب
اللقب:
كاتب وأديب/ أستاذ بارز

البيانات
التسجيل: Sep 2010
العضوية: 773
المشاركات: 1,308
بمعدل : 0.39 يوميا
الإتصالات
الحالة:
يسري راغب غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

 

كاتب الموضوع : يسري راغب المنتدى :   أحــــداث وقضايــــــا الأمـــة
افتراضي

إمتداد لوطنية القرن التاسع عشر وقطيعة أبقت الأمور معلقة
فريدمان بيتز

-4-
حققت " الثورة السياسية كأ المصرية نجاحات لا يمكن انكارها. لكن هل يمكن القول ان " الثورة " الاجتماعية" الناصرية استطاعت اخراج مصر من الماضي " هل استطاعت " الاشتراكية العربية " ان تحقق الاهداف والامال التي علقها عبد الناصر والعرب عليها؟. الاجابة ليست سهلة، لكنها على اي حال ليست في صالح " الاشتراكية العربية " على الدوام. بدأت الثورة المصرية بغير ايديولجية سياسية - اجتماعية. ولم يكن ذلك ذنب الضباط الاحرار ولا حتى الاحزاب فيما قبل الثورة ، بل الثورة . بل مسؤولية المثقفين الذين عجزوا منذ مطالع القرن العشرين عن انتاج شيء ذي قيمة ايديولوجية كبيرة. هذا يوضح تلك الحيرة التي تظهر في "فلسفة " (35)، عبد الناصر للثورة. لقد جرى القول في الدراسات المهتمة بالتحديث في الشرق الاوسط ان المصريين والعرب الآخرين استيقظوا على دوي مدافع نابليون. ثم كانت "عصرية " محمد علي التي انتجت امثال الطهطاوي الذي حاول للمرة الاولى ان
" يعرب " مفاهيم عصرية مثل " الأمة " لتتفق ومقتضيات العصر. بعده عرف العرب روسو، وكومت، وجون ستيوارت مل، ودور كهايم وديوي ( لكنهم لم يعرفوا زاركس مبكرا). هل هضم المثقفون هذا كله ؟ وهل كان هذا الهـضم " هو الطريق الوحيد لتطور عربي ايديولوجي- سياسي- اجتماعي ؟ على اي حال لا الشيوعيون، ولا الاخوان المسلمون استطاعوا ان يقدموا تحليلا نظريا جيدأ لمشاكل المجتمع المصري والمجتمعات العربية وللعلاقة مع اوربا . كل ما يمكن قوله ان الجميع كانوا مسحورين بفكرة " التقدم " ، الايجابية الغربية، وكلهم كانوا يريدون ايقاظ الأمة من سباتها العميق (36).
بالنسبة للمتدينين من المثقفين- وكانوا الغالبية- كان العصر " مشكلة " لاحل . وبالنسبة لهم كان الاسلام شريعة ، نظمت حياة الأمة ونظامها السياسي في صيغة ثابتة منذ أيام النبي والى ان يرث الله الارض ومن عليها " . هذا يوضح لماذا لم تنشأ دول قومية في الشرقين العربي والاسلامي بعد سقوط الدولة العثمانية. لقد نشأت، دويلات طوائف، تحمي جميعها " حياض الاسلام " بانتظار النهضة الجديدة والخلافة الشاملة القادمة . وفي مواجهة العصر اختارت بعض اجنحة السلفية هذه ان ترفضه كله لصالح الاسلام، بينما اختارت اجنحة اخرى طريق " الحل " بالماضي عن طريق السلفية المهدية او ما شابه . " العصريون " ، كانوا في الحقيقة منافقين. لقد تجاهلوا اساس المشكلة فلم يناقشوا " الدوغما " الاسلامية ولا واجهوها بل تبنوا العصر باسمها ولذلك ظل اثرهم محدودا وظلت محاولتهم في بداياتهم لأنها أغمضت عينيها عن المشكلة، ولم تحاول خلق اساس ايديولوجي جديد للأوضاع الطارئة الجديدة، هذا ما فعله جمال الدين ومحمد عبده ومصطفى كامل على مستويات مختلفة. الحل الاسلامي هذا لقي بعض الشعبية (رغم عدم جدواه) وهو الذي عزل الاتجاهات الراديكالية (كالاحزاب الشيوعية) التي بقيت اقليات ضئيلة بالمقارنة مع حركة كجماعة الاخوان المسلمين. لكن هذه " الشعبية " الطارئة ما لبثت ان تراجعت وبقيت الساحة خالية بعد ان انهزمت فيها السلفية ولم ينتصر اتجاه آخر (37) .
-5-
تدريجيآ وبغير خطة مسبقة بدأ عبد الناصر طريقه الخاص نحو الاشتراكية. لقد هجر النظام الديمقراطي البورجوازي الغربي، وانشأ " هيئة التحرير" ثم الاتحاد القومي، ثم عمد الى تأميم البنوك المصرية بعد الاجنبية ، ثم الشركات الكبرى فالوسطى. وفي الوقت نفسه صدر دستور عام 1956، متضمنا مبادىء الثورة، وكان البدء بسد اسوان، والتخطيط لعشر سنوات من التنمية تضاعف الانتاج الاجتماعى المصري. لكن الأمور لم تسر كما أراد الرئيس في مجال بناء الاشتراكية الديمقراطية التعاونية . فقد تآمر التجار وملاك الاراضي عليه في سورية كما بدأ الشيوعيون يعملون ضده من العراق بعد سيطرة قاسم. وربما كان ذلك نافعا من ناحية اخرى، اذ تمكن الرئيس من فصل نفسه عن البورجوازيين الداخليين نهائيا بقوانينه الاشتراكية 1961-1962، كما بدأ بملاحقة الشيوعيين 959 ا-1963. لقد صارت " الاشتراكية العربية" واضحة، فهي معادية للامبريالية في الخارج من اي جهة اتت ، وهي معادية للاستغلال في الداخل واداتها الداخلية " الاتحاد الاشتراكي العربي " . جاء الميثاق اذن ليعطي الاشتراكية الناشئة حدودها الايديولوجية . لكن القضية لم تنته عند هذا ، فالخطط الخمسية لم تحقق اهدافها، وشعبية " الاشتراكية العربية " لم تصل يوما الى حدود " شعبية الرئيس ".
(1): ينطلق عبد الناصر من ، البديهية ، القائلة ان النظام السياسي ما هو الا انعكاس للخلفية الاقتصادية. وهذا يرتبط بفكرته عن الحرية فإن الحرية السياسية لا يمكن تحقيقها الا بتحقيق الحرية الاجتماعية عن طريق ازالة الاستغلال وتكافؤ الفرص، وهكذا فانه عندما يتحرر الفلاح المصري من كابوس " لقمة العيش " ويستطيع ان يقبل ويرفض ما يشاء ، عندها يمكن القول ان تحقيق الديمقراطية السياسية ممكن. ويمضى الرئيس عبد الناصر قدما ليرى ان تحقيق الديمقراطية الاجتماعية يمكن ان يتم بغير صراع طبقي . الطبقات موجودة والصراع الطبقي موجود ، لكن المشكلة يمكن ان تحل عن طريق اعادة كل طبقة الى حجمها الطبيعي ودعم " الحل السلمي للتناقضات الطبقية".
ولأن المجتمع المصري بحاجة الى بورجوازيته " غير المستغلة " بقدر ما هو بحاجة الى " عماله " وفلاحيه او اقل قليلا فإن البورجوازية او " الرأسمالية الوطنية " يمكن ان تستمر في نطاق " الاتحاد الاشتراكي العربي " و " مجلس الأمة " ، لكن الاكثرية تبقى للفلاحين والعمال الذين يشكلون عدديآ ومن ناحية الانتاج الاجتماعي دعامة المجتمع الاولى (38).
(3) ويرى الرئيس ان اشتراكيته لا يمكن ان تكون ماركسية . فهي تؤمن بالدين ، وهي لا تؤمن بديكتاتورية البروليتاريا ، وهي لا تريد سحق البورجوازية بل الرجعية ، وهي تؤمن بالملكية الخاصة التعاونية ، وهي ترى امكان حل الصراعات الطبقية بطريقة سلمية ، عبد الناصر لا يريد ان ينقل وينسخ عن الخارج " بل ان يصل الى مبادىء نظرية عن طريق النضال الوطني الداخلي " .
ان النظريات الجاهزة " محدودة ومحددة " ولذلك فهو رفضها. لكن: ماذا يبقى من " الاشتراكية " بعد هذه الخلافات الأساسية مع الماركسية- اللينيية ؟. يبقى منها في نظر عبد الناصر : السعي لبناء مجتمع مستقل قوميا ، خال من الاستغلال في الداخل ، تعيش فيه فئات مختلفة وسط مساع حثيثة لتحقيق الرفاه والعدل ، وتكافؤ الفرص (39) . هل هو طريق خاص للاشتراكية ؟ أم هو استيراد لماركسية شعبية ؟
(3) لا شك ان محاولة الرئيس عبد الناصر للخروج بمصر والعالم العربي من الماضي هي اكثر المحاولات جذرية. انها تنجح فيما فشلت فيه محاولات اخرى. قد زعم ان " الحل الاشتراكى " بالمعنى الاقتصادي للمسألة لن يحل الاشكالية الاقتصادية بمصر ، لكن ما حققه حتى الآن ايديولوجيا يكفي للاعتراف بثوريته واهميته بعد فشل كل الحلول الاخرى . لقد حل عبد الناصر الإشكالية التيولوجية ، فاستطاع ان يخلق منظومة جديدة للقيم يمكن ان يقبلها المسلم دونما احساس بالتناقض مع ماضيه (40) ، وهذه المنظومة تفتح له الطريق الى المستقبل . رأى عبد الناصر ان الدين لم ولن ينتهي ، لكنه رأى ايضأ ان الدين لا يتناقض مع " طريقه الخاص " ؛ فالاسلام اشتراكي لا استغلالي . النبي اول من شرع التأميم. التفسير الرجعي للاسلام هو المشكلة . القضية اذن قضية الصراع مع المستغلين للدين ، من الرجعيين. أما "جوهر الدين " فهو مع القوى الجديدة التي تريد التقدم والبناء .
لقد نجح عبد الناصر في حل " اشكالية القيم " (41) في المجتمعات العربية متجاوزا بذلك بدايات الارثوذكسية الاصلاحية الاسلامية ، وهو بذلك مهد الطريق لمجتمع قومي علماني مستقبلي لم يستطع هو تحقيقه لكنه وضع الأساس النظري لذلك.
نجاحات " الثورة الاجتماعية " الناصرية ، لا يمكن ان تقارن بنجاحات " الثورة السياسية " الناصرية. لقد مرت مصر ومعها العالم الثالث في الخمسينات والستينات بظروف صعبة وقاسية اضطرتها الى تراجعات وتغييرات في السياسات الداخلية والخارجية اضرت بتطورها الذاتي. وفي الستينات وفي ظل ظروف الصراع مع اسرائيل ، وشراسة الكتلتين تراجعت السياسة الاجتماعية الناصرية رغم الوضوح النظري النسبي الذي وصلت اليه . وأتت زيادة السكان الهائلة تعرقل كل الجهود من اجل التنمية والتقدم. في العام 69-.197 عاشت مصر احسن اعوامها اقتصاديا لكن ذلك تحقق على حساب سمعة الرئيس السياسية. الرئيس الذي كان مضطرا الى لعب دور الوسط دائما في عالم لم يعد يسمح بذلك . بعد هزيمة 1967 وقع الرئيس تحت ضغط اكبر من الجانب السوفياتي في مقابل المساعدات الكبيرة التي احتاجها، واستطاعت الكتلتان ان تخلفا له متاعب كثيرة في مصر والعالم العربي ، وقد بدا لأول وهلة ان حساسيته الوطنية من كل اشكال التدخل الخارجي بدأت تضعف أمام ضرورات الموقف الراهن . ان ما لا ينبغى انكاره هو ان ذلك الرجل الصلب ظل مصرّا على الطريق الخاص لوطنه العربي، وللثورة الاجتماعية فيه. والآن بعد ان فقدته مصر ، مصر التي " أخرجها من الماضي " كيف سيبدو المستقبل ؟
الميثاق تحول الى كتاب مقرر في المدارس ، وأجهزة الاعلام تكاد تصم الاذان في الدعوة لبيان مارس والخطط الاقتصادية الجديدة . وشعبية الرئيس حتى قبل وفاتة بشهور لم تضعف، والاستثمارات احسن من السابق ، لكن ما سعى اليه الرئيس بوعي منذ العام 1962 على الاقل لم يتحقق. مصر القوية المزدهرة العصرية والمستقلة ما تزال هدفا بعيد المنال . ما هو السبب في ذلك؟
لقد خرجت مصر من الماضى ، وخرج معها عالم عربي نام له من أسباب القوة ما لا يمكن انكاره . لكن لمصر خاصية ليست لمجتمعات الوطن العربي الاخرى. فبسبب اعتمادها على مجرى مائي واحد ، واحتياجها الى نظام ري معقد قامت فيها منذ القديم مركزية قوية اداتها بيروقراطية متجذرة . هذه البيروقراطية تفتقر كما هي طبيعتها الى الدينامية والفاعلية الخلاقة، هذا وان تكن تحقق استمرارية ايجابية. ان مستقبل الناصرية في الوطن العربي يتوقف على مدى قدرتها على مواجهة البيروقراطية ، وكسب الجماهير الشعبية الى جانبها في خطواتها التالية التي لا يمكن ان تتم بدون الشعب : الثورة الاجتماعية التى تحقق المجتمع غير المستغل والذي تسود فيه الكفاية والعدل ، وبعبارة اخرى : المجتمع الذي اراده عبد ا لناصر 












عرض البوم صور يسري راغب   رد مع اقتباس
قديم 09-30-2011, 11:36 AM   المشاركة رقم: 6
المعلومات
الكاتب:
الشاعر لطفي الياسيني
اللقب:
الرئيس الفخري للجمعية
 
الصورة الرمزية الشاعر لطفي الياسيني

البيانات
التسجيل: Jan 2010
العضوية: 118
الدولة: فلسطين القدس الشريف
العمر: 96
المشاركات: 21,818
بمعدل : 6.05 يوميا
الإتصالات
الحالة:
الشاعر لطفي الياسيني غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

 

كاتب الموضوع : يسري راغب المنتدى :   أحــــداث وقضايــــــا الأمـــة
افتراضي

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
تحية الاسلام
كلماتك ... كزخات الأمطار ...
تتساقط على أرض العذوبة ...
تروي الوجدان بزخات الصدق البريء ...
......فيغدو القلب منها حقلاً للمحبة ..
كلمات لها نعومة الندى ...
وعذوبته الصافية ...
يأتي حرفك العذب ..
ليصب في صحاري الإبداع المميزة ...
فتنهض من بين طياتها كل هذه الروعة ...
لروحك ولمشاعرك وردة غضة الغصن مني,,,
على هذا البوح والمشاعر المنطلقة عبر حرية القلم ..
وفكرك النير الذي نسج هذه العبارات الرائعة ..
وكم كنت بشوق لك ولحرفك اللامع النابض الناطق بالحق وللحق ...
دمت بألق وإبداع
الحاج لطفي الياسيني












توقيع الشاعر لطفي الياسيني

http://www14.0zz0.com/2013/06/06/21/706077980.jpg


عرض البوم صور الشاعر لطفي الياسيني   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
المركز الفلسطيني ‘بديل‘يفتتح دراسات النكبة المستمرة الشاعر لطفي الياسيني القضية الفلسطينية 0 05-11-2012 01:45 PM
جامعة القدس برام الله تحيي ذكرى يوم الارض الخالد الشاعر لطفي الياسيني القضية الفلسطينية 0 04-01-2012 11:42 AM
سيرة رجل.مناضل..معلم..قائد..شهيد.في ذكرى اغتيال الزعيم صدام حسين ابو برزان القيسي قضية العراق المحتل /المقاومة العراقية 2 11-24-2011 05:38 PM
في ذكرى وفاة جاري ابراهيم ابو خضير / الحاج لطفي الياسيني الشاعر لطفي الياسيني الشاعر لطفي الياسيني 2 09-06-2011 10:19 AM
صورة الاسلام في الغرب - دراسات ألمانية الباسم وليد المكتبة الاسلامية 1 12-17-2010 08:07 AM


الساعة الآن 06:54 AM.

جميع الآراء الواردة تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا علاقة لإدارة الموقع بها

Powered by vBulletin® Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
Translation by wata1.com