.............
 

آخر 12 مشاركات
فلسطين.. أول مصنع لإنتاج المناديل الورقية من سعف النخيل-... جينات العائلة العراقية تنتفض في تشرين : هيفاء زنكنة فائض الغضب بمواجهة فائض الحقد في العراق : د . مثنى عبد الله
حرائق هائلة تجتاح غابات لبنان- (صور) نشبت حرائق، فجر... مسرحية الصراع الأمريكي الإيراني شبكة البصرة مازن التميمي >> >> وسائل جاهزة لمواجهة الانتفاضة العراقية >> >> >> ...
خبير قانوني: قرار حل مجالس المحافظات لا قيمة له قانونا تونس... أكثر من مليون و٣٠٠ الف شخص تقدموا لمنحة طوارئ العاطلين عن... حكاية البيت الذي تصدر منه أهم القرارات في العالم
عراقي ترك طفلة تعطش حتى الموت .. يُسلّم للمحاكمة بألمانيا بـركان الغـَـضب : ميسون نعيم الرومي تصاعدت أبخرة البركان العراقي، فهل سينفجر؟ علي الكاش


رجوع   الجمعية الدولية الحرة للمترجمين واللغويين العرب واتا > منتدى السرديات/ بإشراف : أ. م .مصطفى الصالح > القصة الطويلة الرواية والمسرحية
الإنتساب المساعدة قائمة الأعضاء التقويم محرك البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
قديم 12-26-2010, 02:30 AM   المشاركة رقم: 1
المعلومات
الكاتب:
محمد فتحي المقداد
اللقب:
كاتب/ الإدارة العامة للمنتديات
 
الصورة الرمزية محمد فتحي المقداد

البيانات
التسجيل: Jan 2010
العضوية: 50
المشاركات: 556
بمعدل : 0.16 يوميا
الإتصالات
الحالة:
محمد فتحي المقداد غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

 

المنتدى : القصة الطويلة الرواية والمسرحية
افتراضينزف الذاكرة ..( رواية - علي أحمد العبدالله)




نزف الذاكرة








= رواية =









علي أحمد العبدالله





















الإهداء
إلى من ذاق طعم الفرح ممزوجاً بألم فقدان فلذة كبده
إلى والدي رحمه الله أهدي هذه الرواية...........




























تنويه !!!

إن شخصيات هذه الرواية، وأحداثها، و الأماكن التي جرت فيها هي من محض الخيال
فإذا تشابهت هذه الشخصيات -بأسمائها، أو سلوكها، أو الأحداث التي جرت معها –
مع بعض الناس، فهي من قبيل المصادفة...













مرجانة


ببساطة، وكما في حكايات ألف ليلة، و ليلة، ومن خلال الطريق الترابي الضيق كانت خطواتك تتوحد، وأنت تلتصق بثوب أمك تمشيان خلف أبيك يستحث حماره المنهك محملاً بأثاث بيت كامل يختصر متاع الحياة الدنيا.
مأخوذاً بذكريات الطفولة، وأنت تركض تقطع المسافات المرصعة بالحشائش على ضفة (عين مرجانة) دون أن يخطر لك بال لزمن قادم تفقد فيه الأرجاء بهجتها، وأنت – دون أن تعرف السبب – تستعد مع والديك لمغادرة كومة الأحجار التي شكلت غرفة صغيرة شهدت مخاض أمك، وهي تسلمك للهواء المفعم برطوبة سخية تهبك إياها ماء العين العذب لترسم خريطة مفتوحة لحدود ملكك حول العين.
سريعاً نحو قمة( تل البتات ) تلتقي بحدود السماء الزرقاء حيث توغل الطيور في الهرب من صوت اصطدام قدميك الحافيتين بالأعشاب الندية ليهب أنفك الصغير اتساعاً ليغب من هوائها المشبع بالبرودة، وأنت تقول لأقرانك الذين يشاركونك امتطاء قمة التل ملوحاً بيدك، ومتحدياً من يصل قمته قبلك، ويقف عند آخر صخرة تلتصق بزرقة السماء، حيث تظهر العين من على القمة طبقاً أزرقاً يمتلكك حتى الثمالة.
كنت تضحك، وأنت تركض منحدراً من أعلى قمة التل تنظر – حين رأيت أمك تلحق بك نحو العين حيث تركت جرة الماء – إلى أسراب الفري تتفرق يميناً ويساراً، ثم تجتمع تهب لرحابة خطواتك ظلاً من الشمس الحارقة لكثرة عددها، فيتقافز ظلك تحت ظل السرب يستنفذ أقصى سرعتك لتصل إلى الجرة قبل أمك، حيث يومض أمام عينيك سطح العين الصقيل فينشر نوراً يتغلغل في شرايين ساقيك رحابة دم رسمت حمرة خديك الصغيرتين، فتضمك أمك.
كانت المسافات الخضر تعود لعينيك بعد أن تخرجك أمك من تحت سطح ماء العين الصقيل، وهي تغسلك كل يوم كقطعة قماش بيضاء، وتسكب فوق رأسك ماء الجرة البارد، وهي تجلسك على صخرة تدعك ظهرك الغض بإصبعين كمنديل حرير.
كان ذاك كل يوم، حيث تلفك بحضنها - بعد أن تحمل الجرة فوق رأسها – وأنت تدفن رأسك بين ثدييها، و تحركه تداعب ذاك النسغ الأبيض حيث يخرج منهما لك وحدك تستقبله بفرح غامر، فهو لك، و يخصك وحدك.
لا أحد غيرك- عبر الجهات الأربع - يحلق حول بحيرة العين الزرقاء، ولا أحد غيرك يحق له التمدد تحت شجيرات السرو الصغيرة، حيث أمك تُقلِب فوق النار قدر البرغل الناشف، بعد أن غادرها أبوك للعمل في الأرض حيث تخوم السماء غرباً تلتصق بأرض المالك، فكل ما حول العين للماك، والكل يدخل، فيما حول العين إلاك، وأنت تتمدد تحت شجيرات السرو الصغيرة كملك المكان أنت.
عند المساء كل شيء يرشح بالاختلاف، فيصبح سطح العين الصقيل أسوداً يستوعب كل العيون التي اتسعت أحداقها، وهي تستمع للحكاية، وأنت تمسح عرقك محدقاً بمن يتحدث عن استسلام الخروف الصغير للذئب، والغول الأزرق الذي يتجول حول العين، فلم تعد الحكاية تعطيك اندهاشاً تنظر لوالدك تطلب بعض الأمان، فيهز أبوك رأسه نحوك مكذباً خبر الحكاية بينما أمك تعالج أصابعها خصلات شعرك التي تدلت فوق أذنيك، تستجدي الأمان أكثر، فتنقل نفسك بينهما، وتنتهي الحكاية حيث ترفع رأسك، فتشعر ببعض الغبطة، وإن كان نباح الكلب المفاجئ يعيدك لرعب سواد سطح ماء العين الصقيل، و يداهم الانهاك الجميع، وأنت منهم تطلب النوم حثيثاً، فيحملك والدك نحو الغرفة التي شكلتها كومة الحجارة، وتخلد للنوم بين والديك تسبح خارج مسارات الزمن الذي أنت فيه، ويبدأ النعاس يزحف نحو عينيك، فيجرك خلفه منهكاً لإيصالك إلى التحام سواد سطح ماء العين الصقيل مع الظلام الذي يلف مرجانة بعتمة قد تُكسر رتابتها بشخير متعب هنا، وآهة زوج محب هناك، وربما حلم أحدهم بأنه المالك.
إلا أنت، فقد تخلصت من الروابط، والخيالات المنداحة فوق سواد سطح ماء العين الصقيل، فوسادتك ذراع أمك حيث أنفك يزفر نحو ثدييها، ويدك فوق عنقها، وظهرك يلتصق بصدر والدك العريض، وما حولك نسيج حي مترابط لست موزعاً، ولست خائفاً، واحتمالات خوف الحكاية لن تمر من هنا، ودفء سريرك بينهما يفتح زرقة السماء فوق التل ليوم جديد يخصك لك وحدك.
كان صباح ذاك اليوم مختلفاً أيضا، و إن لم تكن تفهم ما يدور حولك، فوالدك أبكر يحل زناره العتيق يعد بعض القروش، وأنت تنظر إلى أمك تحضر بعض الطعام، وتسمعها تقول له، وهو يخرج من باب كومة الحجارة:
- ( علي دير بالك على حالك ) !!!
ثم تستدرك:
- ( سلملي على وردة ) !!
تدور عينيك حائرتين تطلب استفساراً لما يدور حولك تسأل أمك بعد أن أنساك الموقف مطاردة طيور الفري، وهي تستفيق فوق التل.
تقول لك أمك إنَّ أباك سافر إلى حمص !!!
تسأل:
- وما حمص يا ماما ؟
- مدينة بعيدة... بعيدة جداً !!
تخنقك التساؤلات المبهمة، فتسأل أمك ثانية:
- لماذا يذهب أبي إلى حمص يا ماما ؟
تجيبك أمك قائلة:
- لزيارة أختك وردة !!
تعلم أخيراً أنَّ أباك كان قد تزوج قبل أمك، و أنجب طفلتين، وبعد وفاة أمهما تزوج بأمك، فتعرف دون أن تسأل لماذا يظهر أبي كبيراً بينما تظهر أمي صغيرة ؟!
سابقاً، و حين كان الفجر يرسل أول خيوطه على السهول الممتدة على المدى ملتصقة بحدود السماء شرقاً، كان والدك يتجول، ويتفقد المرابعين واحداً بعد الآخر، إذ هبطت مجموعة من الفتيات اللواتي يبحثن عن عمل - بداية موسم حصاد القمح – يسد رمق جوعهن (بكردوش ) ذرة، أو رغيف خبز قمح خلط بالشعير، ولما كانت أمك تهبط مع من هبط برفقة أبيها العجوز ترتدي أسمالاً بالية ربطت زنارها حول خصرها، فظهر امتلاؤه من خلال صفحة وجه أبيض مخضب بحمرة طبيعية تدور حول عينين خضراوين واسعتين، و بما أن أباك يمتلك حاسة لا تخطئ صقلت من خلال زيجات عديدة قرر أن تكون أمك إحداها، فكانت كذلك، وكنت أنت.
وتعلمك أمك بأن والدك قد تزوج كثيراً قبلها، فينسكب السؤال سريعاً, ولماذا يتزوج والدي كثيراً ؟!
يداهمك السؤال تلو السؤال تطلب أفقا غير الذي تعلم تنهرك أمك مداعبة:
- هيا إلى العين أقرانك يفتقدوك، فتسير مثقلاً بتساؤلات تنسيك إياها جوقة الفري التي أجفلت من أقرانك، فتركض نحوهم.
مساءً لم يعد والدك؛ تدور حول كومة الحجارة، ثم تركض نحو قمة التل تراقب مداخل مرجانة من الجهات الأربع لا ترى أحداً، فأبوك لا ظل لطوله الفارع فوق الطريق الترابي، ولا انعكاسَ له على سطح الماء الأزرق لعينها، تنكفئ على نفسك يغمرك وشاح من الحزن، لم تفلح أمك بتغييره، وقد عافت نفسك طبق البرغل الناشف الذي وضعته أمامك، وأنت تنظر تفتش في أرجاء الغرفة لا صوت لسعال والدك، وهو يشعل لفافة التبغ اللعينة، ولن يحملك اليوم أحد لسماع حكاية جديدة عن خروف صغير يستسلم لنفس الذئب، ولن تدهش اليوم لشيء أنت حزين رغم حضن أمك الدافئ.
تهاجمك الأسئلة، وبنزق غير معهود تسأل أمك:
- متى يعود أبي ؟
تجيبك أمك:
- بعد أسبوع !!
أنت لا تعرف ما الأسبوع تنكفئ على نفسك ثانية، و تطلب النوم بنصف سرير.
ها هي الذاكرة تشع من جديد بما جمعت من شتات الإجابات الكثيرة التي تلقيتها من أمك، فعلمت الكثير، وأنت تسير ملتصقاً بثوب أمك خلف أبيك يستحث حماره المنهك يحمل أثاث بيت كامل يختصر متاع الحياة الدنيا

*****

ها أنت تعلم أن والدك زير نساء مزواج من الطراز الأول، وتعلم أنه انحدر متألقاً من قمة الجبل حيث تستريح ( سيغاتي ) بسفحه توزع شجيراتها على الجبال المتاخمة يرافقه جدك سليمان، و عمك محمد, و خلّفَا جدتك تنام تحت شجرة كينا منذ سنين.
و تعلم أن لا محطة ثابتة جمعت ثلاثتهم، و إن حصل والدك على فرصة مراقب لفلاحي المالك في مرجانة حيث ظفر بست زيجات قصيرة، و إن كانت الأخيرة أطولهن أثمرت عن أختيك وردة، وفاطمة، فزوجهن قبل أن يدفع جدك بأمك زوجة له.
تذكر جيداً ما أخبرتك أمك عن رحلتها الطويلة من ( مرج مطر ) برفقة جدك، كعاملة من بين مجموعة عاملات بموسم حصاد القمح، حيث والدك المراقب لأعمال المالك، ولم ينته الموسم حتى عاد جدك وحده إلى ( مرج مطر )، وتركها زوجه له، رغم فارق السن.
محطة تدفع بأخرى نحو النسيان من دير الحجر حيث تزوج مرتين، وطلق مرتين، والدارة حيث مريم الطويلة - أم أختيك- التي بكاها بكاءً مراً كما علمت من غيره، وربما كما قالت لك أمك:
- قد يكون تزوج قبل ذلك كثيراً، وهو ينحدر من قمة الجبل.
سر والدك عميق، لم تعرف أمك عنه الكثير، وشتات الكلمات التي جمعت بخمس، أو ست سنين هي فصل من سفر كبير.
أختاك واحدة في الشمال، والثانية في الجنوب رحلة سنوية تعودت أن ترى والدك يسافرها كل عام، وأصبحت تعرف سببها، ولم تعد تسأل، وها أنت ملك العائلة الصغيرة حيث كومة الحجارة التي شكلت مسكنكم الوحيد، وقمة تل البتات الرفيع يتقاسم الوقت الذي تتركه لهما ماء عين مرجانة العذب.
تدرك لاحقاً أن سبب تميزك عن أقرانك بطول قامتك، وبياض لون بشرتك، وزرقة عينيك يعود لجدك سليمان -الذي لم تنجب سيغاتي منذ أكثر من مئة عام رجلاً بطوله، وبياض لون بشرته، وعينيه الزرقاوين كحبتي خرز- التي أورثها لوالدك، وبدورك ورثتها عنه ممزوجة بحمرة خدي أمك حمدة، والتي لحمرة خديها أطلق الجميع عليها حمرة الحمصية.
يغمرك إحساس غريب، وأنت ترى والدك يعود قبل أفول الشمس نحو طرف السماء غرباً، وحالة انكسار غير معهودة هبطت عليك من حيث لا تدري، ثمة غشاوة فوق الرأس.
الشمس الحارقة، والعرق يرسم ملحاً فوق جبين والدك الذي يخفي حزناً مغلفاً بغضب، لم تكن تعرف شبيهاً له إلا، وأنت على قمة تل البتات حيث تتبعثر بيوت الفلاحين المتهالكة مساحات شاحبة تحيط بظلال زرقاء لماء عين مرجانة الصقيل منتصف النهار.
أنت مهزوم من الداخل رغم صغر سنك، ووالدك منكسر حتى آخر مدى ثمة شيءٌ ما إذاً يشركك بالهزيمة حتى، و إن كنت صغيراً تلهو مع طيور الفري، وإن كنت صغيراً تعشق تسلق الأشجار أنت مهزوم، ولا عدو أمامك.
تنحدر راكضاً من على أعلى قمة فوق صخرة كبيرة على تل البتات تهبط تفتح ذراعيك للريح ترسم خطوطاً بين تشابك الحشائش الندية، فخط الأفق بين التل، وعين الماء شعاع ضوء يلمع بين ساقيك الراكضتين مدخلاً للقلب، و إن كنت لا تعرف مداخل القلوب بعد، تركض، وتسترجع سباقك، مع أمك قبل يوم، أو يومين تصارع الوقت، والمسافاتِ للوصول إلى الجرة قبلها حيث تغسلك بإصبعين كمنديل حرير، والآن تصارع للوصول إلى الدار قبل والدك.
أعوامك الخمس تكاملت، وها هي تهب لك ساقين طويلتين ترسم مساحات لخطوات واسعة، وصدر ممتلئ، وذوائب تتحين الغيوم البيض الفرص للركض فوقها من أين لك هذا الألق حتى تتراقص عدد خطواتك نحو الدار تصل قبل والدك حيث أمك استنفرت أمام الباب الخشبي تنتظر هلعاً قادماً.
رحباً كان الطريق الذي يسير عليه والدك نحو أمك التي تنتظر، وها هي تشعر بانقباض في صدرها كسر رتابة تنفسها، فأصبح الشهيق، والزفير عبئاً فوق قلق الانتظار، و أهملتك، و أنت تُنقِلُ أقدامك بخفةٍ متسلقاً قمة بيتكم فوق أعلى حجر فتصبح أطول من والدك تنظر تريد أن تدخل من تحت عصابة رأسه لترى ثمة خطب ما هناك.
تقفز من على القمة لست صغيراً على ذلك، فلقد فعلتها مراراً لا خوف عليك تركض نحو والدك يلقفك، ويرفعك عالياً أنت أطول الجميع ساقاك ترتطمان بصدر والدك ينزلك تسير وراءَهُ، و تترك السؤال لأمك.
تلوح أمك في الهواء، و تطرد كل الأفكار المخيفة، وتبادر تسأل أباك:
- ماذا هناك يا علي ؟ !
هكذا القهر دوماً يسلبك حتى الرغبة في الكلام، فأختر لنفسك طريقة الموت التي تحب !!!
هل تقبل أن تريح رأسك تحت نصل المقصلة ؟ !!
أم هل تقبل بأن ترمي بنفسك في حفرة حطب أضرمت بها النار ؟!!
ملك الاختيار أنت فاختر !!!
صمت يطبق على رأس والدك الضخم، فتعيد أمك السؤال
تسمع والدك يقول بعد صمت طويل:
- الرزق على الله ‍‍‍‍‍‍يا حمرة !!!
- هل طردك المالك ؟!!
- بل طردت نفسي !!!
تنصت بصمت مشوب باهتمام لوالدك يخبر أمك بأن المالك يريد أن يجعل نصيب الفلاح الواحد ( المرابع ) خمس المحصول بدل ربعه لا تفهم ما الحكاية، ولا المرابعة، ولا الربع، ولا الخمس، وتسمعه يخبر أمك بأنه خارج المعادلة مقابل اقناع المرابعين بالموافقة, وإلا عليه مغادرة مرجانة إلى جهنم. !!!
سمعت هذه الكلمة كثيراً، وحين سألت عنها قيل لك النار، فعرفت أنها ما يطهى عليها البرغل الناشف، وتسأل نفسك لما لم أرَ أحداً ما يستلقي تحت قدر البرغل، وهو يغلي ؟!!!
تضحك من نفسك لا أحد يشاركك الضحك لكنك تصفع صوت ضحكك بصمت لما تقول أمك لوالدك:
- أتعلم كم يكلف رفضك يا علي ؟ !!
تشخص، و أنت تسمع أمك تقول:
- هل سنترك مرجانة ؟
يتحد اهتمامك بما يدور حولك، فترسم خريطة الرحيل، وستترك يا مسكين عين مرجانة، وتل البتات، ولن تفر منك طيور الفري، و سَيفتحُ الباب الخشبي العتيق غيرك كل صباح، وسيجلس غيرك فوق الصخرة حيث أمه- زوجة مراقب أعمال المالك الجديد- تدعك ظهره بإصبعين كمنديل حرير أبيض.
تنشج أمك بصمت مخنوق لا تفهمه، فلا أعراس القرية، ولا مآتمها، ولا ليالي السهر الطويلة يهديها والدك إليها كل يوم، ولا يوم استلام المؤونة، وتوزيعها على المرابعين أمست تساوي شيئاً، فالمغادرة ليست كلمة, والرحيل يفقد الإنسان ما لا يستطيع التعبير عنه.
هي تعلم أن والدك لا يقوى على العمل ليس لأنه كبير، فهو ما زال في الأربعين لكنه اعتاد هذا النمط من الحياة منذ هبط برفقة جدك، و عمك من الجبل الذي يحتضن سيغاتي، و يدفنها بين الأشجار طيلة الزمن، وكأنه خرج يبحث عن زوجاته اللواتي رآهن بحلمه قبل الحقيقة.
علي ليس كأي أحد لقد اعتادت أمك على نمط حياته فهو يجيد أعمال الفلاحة لكنه لا يعمل بها، ويعرف التجارة لكنه لا يملك نفساً جشعة، فرفض العمل بها، بل يكتفي بإدارة أعمال الغير، ولا يعرف كيف يدير أعماله نعم هي تعرف عنه كل هذا، وتعرف أيضاً شيئاً لم تخبرك عنه لكنها، لم تخفه عن جاراتها، فهو زوج حنون، ومن الطراز الأول.
و تعلم أمك أن لا مجال لإقناعه بإقناع المرابعين بالقبول، وحالات الانكسار يعرف كيف يديرها، و كثيراً ما كرر عبارة من عباراته الشهيرة
( يستيقظ كل البشر على الريق ) فلا أحد أفضل من أحد، و إن نصحته أمك بما لا يرضيه.

*****

صباحاً، وليس كمثل الصباحات يتمدد والدك يغب من لفافته بينما أمك تسكب الشاي، وتجهد بتبريد قليل منه، و أنت تندفع لأخذه من يدها، فتسلم طرف الكأس لشفتيك، وما زالت تمسك بقعره.
ترقب الاهتمام الذي يرتسم على محيى أمك، وهي تبحث عن مدخل للحديث عمّا حصل بالأمس، و تؤول الحكاية نحو الهدف، فتسأل أمك والدك، و هي تناوله كأس الشاي الثاني:
- علي..... حباً بالله دعنا ننتظر عودة عمي سليمان، من دير الحجر !!
يصمت والدك، وهو يغبُ من لفافته، ثم يقول:
- إذا وافق المالك !!
- سيوافق ... لن يستطيع احضار مراقب آخر لأعماله بأقل من أسبوع !!
يعود والدك يغب من لفافته، فهل سيهجر كل الصداقات التي بناها هنا ؟
أم هل سينسى كل زيجاته في تلك الأرجاء ؟ فهي كثيرة، و عمله كمراقب لأعمال المالك أعطته فرصة كبيرة ليتزوج، فهن كثيرات، و الجوع يدفع بأهلهن لتزويجهن له خصوصاً لمن هو في مركزه، وقربه من المالك
تدور في قلب دوران الأشياء، و ترتدي حذاءك الذي اشتراه والدك لك من حمص، و تركض نحو العين، وتركت أبيك، وأمك لوحدهما. قد لا تعرف ماذا حصل بعد خروجك، وقد تعرف حين تكبر ما الذي حصل، وستعرف كيف تريح تلك الخلوات الواهنة كدر العمل المضني، وكيف تدفن أتعاب الشقاء للمرابعين الواهنين، وها هي مرجانة خالية منهم منذ انبثاق الفجر حتى المغيب، و يبقى بها الأطفال، و العجز ولولا أن أمك زوجة لمراقب الأعمال لكانت- تهرم مع من يهرم - تنتظر نهاية الموسم، وتدرك، وأنت تركض نحو قمة التل أن للحياة هدف غير ما يعمله المرابعون أمامك، وقد تعرف لاحقاً أن المالك يسلب الناس حياتهم.
يسلمك تل البتات مداخل مرجانة الأربع تدفع بك للنظر بفضول نحوها واحداً بعد الآخر، فقد يمر أبو عسكر بائع الزيت يسير متراخياً أمام بغلته المنهكة تحمل الزيت،والدبس، والتمر، وقد يمر عابر سبيل يتزود بالماء، ويمضي، وما أقلهم، ولأنك صغير تتساءل:
- من أين يأتي الزيت ؟
و قد أجابتك أمك يوماً
- من القطن يا أحمد.
- و كيف القطن يا ماما ؟
- أبيض... يزرع في الشمال.
ها أنت تتعرف على الجهات، ومداخل مرجانة تعرف اتجاهاتها لكنك وحيداً على قمة التل تراقب.
لا شيء يحجب المدى أمامك. سعادة مفرطة تكسو وجهك، وأنت تلمح من بعيد ظلين طويلين من المدخل الشمالي حيث يتقاطع مع العين نعم إنهما هما. !!
جدك، و عمك !!! هيا انطلق
الطريق نحو الجهة الشمالية بوح رقيق لأسرار اللقاء ينتشر بين المربعات السود لمنازل المرابعين، وضوء ازرق يشع من عينيك يعتقل المسافات، وأنت تركض نحوهما غصن شجر، أم غصن بشر تغذى من دم رقراق هكذا تكاملت أجزاؤك حين فتح جدك سليمان يديه لملاقاتك، فترمي بنفسك نحو هذا الطول المرعب حيث يلقفك، ويرفعك عالياً أكثر مما يرفعك والدك إنه أطول.
بعد قليل ستحصي كل البيوت، وأنت مرفوعٌ في السماء يضمك كفي جدك العريضتين تشير بإصبعك نحو العين، نحو الدار، و تبدأ بالعد
واحد... اثنان... ثلاثة...
تتوقف عن العد ...... هذه أول مرة ترى فيها مرجانة من الشمال حيث بيوت المرابعين كمربعات سود هياكل مبعثرة، وصغيرة.
يهزك جدك
– أربعة ... خمسة ...
لا تتابع بل تسأل، وأنت تشير بإصبعك نحو الشمال:
- (جدي من هون بيروحو على دير الحجر ) ؟
ينزلك جدك:
- من أين تعرف دير الحجر يا أحمد ؟
- أبي, وأمي ينتظرانكم قبل أن نترك مرجانة !!!
ركضت خلف جدك، وعمك يطلبان كومة الأحجار حيث والدك يمج لفافته بهدوء، وتستقبلكم أمك
- أهلاً عمي هات ايدك
- الله يرضى عليك يا بنتي
يوجه الحديث لوالدك بتودد:
- ( شو علي ... شايفك هون )
رحباً كان اللقاء، و نمى الحديث حتى طال جوانب كثيرة، وها أنت تشعر أن حناناً زائداً يسكب فوق رأسك، وتبدى لك هذا الدفق لجلوسك بحضن والدك، وأمام جدك،و قرب عمك فلا تريد الهرب من هذه الأحاسيس المفعمة بالفرح.
لكن الحديث فوقك، فوق فهمك، معلقاً لا تعي ما يدور بين جدك، ووالدك متوحداً بوجهك هل هربت تلك الحنانات الثلاثية ؟!!
وهل هربت جلستك بينهم من هذه الأحاسيس ؟ !!
مع مرور الوقت تفقد أكثر فهمك للأمور لديك رغبة عارمة للانسحاب من حضن والدك نحو أمك المشغولة بتجهيز قدر البرغل الناشف فوق النار لكنك تسمع حديثاً لم تفهم مقاصده قد احتدم بينهم، فكل شيء يدعوك للصمت، و إن انتابك حنين وجدك يضع يده فوق رأسك، وهو يقف ليخرج نحو العين، و تبعه أبوك، وعمك، وتبقى مع أمك تنظر نحو النار التي أضرمت تحت القدر، و تسأل أمك عن جهنم.
أن تحلق فوق قمة تل البتات، و تطوف بعينيك أرجاء مرجانة الفسيحة، و ترى مداخلها الأربع ترسم بين حقول القمح تغطي أفقها على المدى يبعث فيك حنيناً نائياً يوصلك إلى التمسك بكل التفاصيل، فيضيق وقت الأفق الرحب، ويصبح الانفصال قريباً، و إن كنت لا تعرف كيف تنفصل الاندماجات، ولن تبكي كأمك، وأنتم تغادرون مرجانة إلى جهنم.... تحت قدر البرغل الناشف.

*****







عالقين

أي سطوة تملكها عين مرجانة، فتجعلك تنظر خلفك، وأنت تغادرها غرباً. معادلة صعبة بين الانفصال، والاندماج صنو لصنو بين بصمات قدميك الصغيرتين فوق تل البتات، ومساحات السباحة العريضة فوق سطح الماء الصقيل، والرفاق الذين وقفوا على قمة التل يلوحون لك.
لآخر مدى أنت تدخل في غرابة منداحة أمامك تدثرك بالنسيان، وانتشرت بيوت المرابعين مربعات سود بلا حواف على سفح تل كبير ترفع رايات المرابعين لمالك غير المالك الذي تعرف، وعلمت أخيراً أنَّ هناك لكل بلدة مالك، ومرابعين.
يسأل جدك:
- أهذا هو المكان يا ولد ؟!
- لست أدري !!!
يسأل جدك ثانية:
- بما أغراك الفلاحون لتترك عزك ؟!
يصمت والدك، فلا يجيب، فيتدخل عمك:
- مقايضة خاسرة يا أبي !!
يصرخ والدك:
- اخرس يا ولد !!
كنت تعتقد أنك وحدك ولد، و ها هو عمك ينعته أبوك بالولد ربما كان ولداً، ولداً مختلفاً بكل المقاييس لكنه ولد بالنسبة لأبيك، و إن كان ابن عشرين.
يقف والدك منتصف الطريق الضيق المؤدي إلى قمة التل - حيث يحتل مقام الصحابي محمد بن حذيفة اليماني قمته – تمتد عيناك متسللة نحو تخوم التلال المحيطة بالمقام، وتندمج مع خط الأفق الملتصق بها كالقرص، وترقب الشمس تزحف نحو الغروب.
مأخوذاً حتى الثمالة بسحرٍ يعتقل العينين يرسم ظلالاً باهتة لنباتات الحنظل، و العاكول وقت الغروب على سفوحها، فتقف موزعاً، ومنقسماً نصفين يسلبك إحداها قرية بتل، وأربعة مداخل، وعين ماء، ويهبك الآخر وشاحاً من التلال، وأفقاً مفتوح المداخل أرضاً، بئراً، بيادراً، وقبوراً، فتهيج نفسك رغبةً للدخول في ضيائها، وأنت تعتلي قمم التلال كطائر رخٍ منهك يراقب كبار السن يتجولون على أطرافها يسبحون الله بسبحاتٍ كبيرة الخرز نعم إنها عالقين.
رويداً رويداً بدت التفاصيل الدقيقة تحفر في ذاكرتك الغضة حدود السماء المفتوحة تضلل بيوتها المتناثرة على سفح التل لآخر خطوة للأرض الممتدة حتى الأفق، واعتادت خطواتك الركض بين تشابك طرقاتها الترابية الضيقة، وأصبحت، وعائلتك الصغيرة جزءاً يتكامل مع ترابط خليط سكانها.
تذكر ( مشقان ) الإقطاعي المالك، و الذي تربطه بأبيك علاقة متينة، وقديمة اثر معروف قدمه والدك له، و رفض البوح عن ماهيته، و قد تسرب للبعض أنه كان وراء اقناع رويدة بالزواج من مشقان، فأغرق عائلتك بالدخول في عالم المرابعة لأول مرةٍ، و ملَّكهُ أرضاً يعمل فيها، و داراً للسكن، وتَنْظَّمُ للقائمة زوجة عمك التي تزوجها وقت، وصولكم عالقين، وتذكر أن والدك كان يقضي نهاره بالتنقل من مجلسٍ لآخر، ويترك جدك بصحبة عمك, والنساء ينجزنَ أعمال الفلاحة كاملة.
و مع نهاية موسم ذاك العام الوفير يصادف مرور عابر سبيل يصطحب أخته اليافعة باحثاً عن عمل، ولقمة عيش، و بينما أنت تستعرض قمم التلال المحيطة كان والدك ينهي صفقته الزواج منها, ونقد أخوها المهر، وأمره بمتابعة المسير خارج سرب العائلة.
عبر البوابة الخشبية الكبيرة قفزت تقتحم ساحة الدار يصعقك هدوء حميم يفرغ المكان، و ينشر عليه قالب حيرة بانت في عينيك، وأنت تستمع إلى همهمة حميمة تصدر من غرفة المؤونة تدخل عالمك الصغير لأول مرة، وتستنفر قدميك الرشيقتين للهروب من هذا الإحساس المرعب.
عيناك عصفوران قلقان يبحثان عن عش يقيهما قلقاً يضرب نقرة رأسك، فتتراجع منكفئاً إلى الوراء, حيث تصطدم بجدك الواصل إلى ساحة الدار أولاً، ولعله راقب الهمس مثلك بحس أعلى، وحدس لا يخطئ.
يخرج والدك، وهي خلفه.... نعم خلفه، فيسأل جدك كالعارف من هي !!
- من هذه يا علي ؟
- إنها زوجتي !!
- منذ متى ؟
- منذ الآن !!
كل شيء أمامك واضح، و يدعوك لأن تراه، وتعيه بجميع حواسك، وقل ما تشاء الثامنة... التاسعة... العشرون !! لا يهم إنها زوجته مثل أمك، ومثل أم أختيك وردة، وفاطمة !!!
مشتتاً تنتظر وصول أمك مجاهداً في فهم المدارات من حولك، وبقي نظرك معلقاً بالباب تنتظرها، ولا تأبه للنقاش الحاد الذي دار بين جدك، و والدك لكنك تذكر عبارة أبيك الأخيرة يقول لجدك:
- ( إذا بدك تتجوز بكره الصبح بجوزك ) !!
أبوك هو أبوك، لكن هناك شيءٌ ما يحتل مساحة دماغك بغرابة مفرطة تظهر من خلال عجز عقلك عن فهم الهجرة فوق المعقول، ولازلت تنتظر أمك التي دخلت سابقة عمك، و زوجته ينتظرون عودة قطيع الأغنام لسوقه إلى الزريبة.
تنتظر التفسير من أمك لما لم يقدر عقلك على استيعابه، و فاجأك والدك يقدم الزائرة الجديدة
- ( حمرة.... هاي فضة..... تجوزتها اليوم ) !!
وقفت أمك تستعرض الزائرة الجديد بصمت، وتتأمل وجهها الذي بدا متورداً غارقاً في النضارة، والخجل من خلال عينين سوادوين، وأنف دقيق مدبب زين بوشم على رأسه، وامتد الوشم ليتابع احتلاله لباقي الذقن القصير، وانفرد امتلاء جسمها الأبيض يلقي بأنوثة مفرطة بيعت كما بيعت أمك من الجوع ندان من أنوثة رخيصة يمكن لوالدك أن يمتلكها مقابل قوت يومها.
تسحبك أمك من يدك نحو برميل الماء؛ تغسل بقايا درنك من مطاردة الفراشات، لم تتفوه بكلمة، لم تنطق بحرف لقد لاحظت انسحابها من أمام والدك، ومن أمامها، وكأن الأمر خارج حياتها لكنك كنت تلاحظ قسوة، وهي تدعك لك أطرافك ذاك لم تكن تعهده بها، أو علَّها تكز على أسنانها، وتدخل في صمت طويل.
ها هو اليوم الأول الذي يكتنفك حضن أمك دون صدر أبيك، ولعل النشيج الذي كنت تسمعه جزء من الذاكرة التي تستبيح تلافيف دماغك، وتسكن فيه، و إن لم يطل، فزوجة والدك الثانية ما لبثت أن انضمت إلى طابور العمل الصباحي ،و عاد والدك إلى ما كان عليه.
فترة جفاء بين أمك، ووالدك لكن حبهما لم ينقص، و انطوت على نفسها،و انهمكت بأعمال المرابعين مع جدك، ولعل هجرها لوالدك أشعرك بوحدتها، فكان لزاماً عليك – مع صغر سنك – ملازمتها، وتذكر كيف منعتْ والدك المبيت في غرفتها، فبدأت بقصد، أو بغيره مزهراً في أعماقك، وأنت تنام بحضنها الدافئ تضمها بحنان رجل كبير يحتضن أمه العجوز يعوضها عن غربتها الداخلية، واكتشفت أنك صغير، وصغير جداً، فلقد وافقت أمك على كسر حاجز الهجر، وعادت الحياة إلى رتابتها، أما أنت، فقد عدت تندفع نحو قرص الشمس الأزرق القريب من قمم التلال.

*****

جسد الذاكرة ينمو بشكل فوضوي يملأ فراغات الدماغ المثقل بالرحيل، فانطلق لاهثاً ليحيط بكل التفاصيل الدقيقة، ويملّكها المفردات التي تختبئ تحت ظل التل، مع أن الفترة القصيرة التي مكثت بها مع عائلتك بين وشاح التلال في عالقين، لكن مخزونات الذاكرة الفتية مازالت تحتفظ بلحظة وقوفك أمام الضريح، حيث يملأ البخور الصاعد مع شموخ التل زرقة السماء، وتذكر كيف امتدت يدك، وأنت تعتلي الصخرة التي سورت عين الماء المتدفق من أعلى التل قبالة الضريح، فشربت، وغسلت وجهك من مائها البارد، و قد طغت عليك لحظة من التردد، و الخوف فأنت لم تكن تعرف ما الموت، و ما القبر.
يخفق قلبك الصغير، و عوالم رمادية تحيط بعقلك المندهش من تدفق الماء من أعلى التل بارداً يخرج من رحم التل، و لم تستطع أن توقف سيل الأحاسيس، و العواطف المتنامية، وأنت تلاحظ أن اليوم يؤول نحو النهاية، و أنت تقف على قمة التل، و تترك التلال المحيطة بك تقدم نفسها برحابة على شكل مردة جلست فوق سطح التراب الأصفر، المغطى بالحصى الصغيرة، فتنطلق يتلقاك الطريق الترابي الضيق باحثاً عن إجابة لتساؤلات جمة تخلصك من قلق يرشح فوق رأسك، و ينصرك على ما يجول في خاطرك.
قدماك تهويان بك عبر المسافات الضيقة بين الصخور، و تنجح بالتسلل من بين الصخور بصعوبة مرة، و سهولة مرة أخرى، لا شيء يفصلك، و أنت تقف وسط الطريق جسداً غير منهك، حيث الطفولة تركض نحو الطيور، و الفراشات الملونة، و تتبع طريقك تطلب الأمان ليسكن قلبك، وأنت تقترب من الباب الخشبي، حيث رأيت أمك، فسألتها عن الضريح الذي يسكن قمة التل بامتياز، ويمتلك قمته بفضائه الرحب ليشارك كل العصافير التي تبكر صباحاً نحو نبع الماء لتشرب، وتغتسلَ، وتمضي نحو زرقة السماء تبحث عمَّا تطعم به صغارها.
كأمك التي اعتادت، وعودتك على طبق البرغل الناشف اليومي تحشو به معدتك الصغيرة، وإن حصلت على بعض التمر، والدبس بين فترة، وأخرى.
نهضت باكراً، وهمهمة كدوي النحل تملأُ باحة المنزل الواسعة، وجموع الناس تتوافد واحداً، بعد الآخر تحتضن والدك بحرارة بينما احتل الجسد المسجى لجدك العملاق وسط الباحة بجدارة، ومغطى بقماش أبيض طويل.
مأخوذاً بحزن مبحوح لا يملك إحاطة بتفاصيل المشهد أمامك، فتدنو نحو أمك التي أجهشت بالبكاء، وهي تضمك، وعيناك موزعتان بين الحيرة، والقلق، فتعيد النظر نحو المارد الذي احتل ساحة المنزل قبل طلوع الفجر، وتبدأ ذاكرتك بتسجيل أول نشيج حزين يخصك أنت، و أنت تعتصر غصة رفضت الخروج من حَنجرتك الصغيرة رغم سيل الدموع الذي غسل وجنتيك الصغيرتين.
جدك سليمان مات إذاً !!!
و مات معه ذاك الطول المرعب، فلن ترى بعدها أي قرية من الأعلى، وهو يرفعك، ولن تعدها بيتاً بيتاً، ولن ترفعك يداه العريضتين نحو الأعلى، حيث تلامس قدماك الصغيرتان صدره العريض.
صعوداً نحو سفح التل كنت تسير، و أمامك الجمع يهمهم حاملاً جسد جدك فوق سلم خشبي عتيق نحو مقامه الأخير، وبعيداً عن جدتك التي لا تعرفها ترقد تحت شجرة كينا عجوز.
تتشجع مدخلاً رأسك من بين الجمهرة تنظر نحو الحفرة الطويلة، و يدفعك فضولك للتعرف على الشكل الخرافي للباب الذي سيدخل منه جدك، وهو يخرج من الفضاء الأزرق إلى جوف التل حيث الرحم الأخير بانتظاره ليلفه ببرودة، و ظلمة لا متناهية.
يتغلغل بصرك نحو والدك الدامع العينين لآخر مشهد حين رأيت الشيخ يرفع طرف الكفن عن وجه جدك، فقدماك قد لا تحملانك، وإن كنت تريح واحدة على حساب الأخرى كلقلق صغير.
لم يكن هذا الصباح طويلاً مثل كل الصباحات، و ها هو الجسد العملاق يخرج من زرقة السماء نحو رحم الأرض، و يتركك مسكوناً برعب، و لن تفلح الذاكرة للربط بين رعبك اليوم، و رعبك حين سماعك صوت الخروف يستسلم للذئب، فهل بدأ الخوف لديك يتكشف عن أشكال، و صور ؟
أم هل بدأ الخوف يعرفك بنفسه درجة بعد درجة ؟
كانت باحة المنزل غارقةً بحزن موحش يميل إلى الهدوء، والناس جميعاً يبحثون عن فرصة لمغادرة منزلكم ليريحوا أعصابهم من رؤية باب لا بد يوماً سيدخلونه خارجين من زرقة السماء نحو رحم التل حيث ينتظر الجميع.
مساءً أغمضت عينيك ملقياً رأسك على صدر أبيك، فكك شيء أصبح خاوياً، و صورة جدك مازلت تحفر في الدماغ ذكريات مبعثرة، و دون أن تشعر يسيل الدمع فوق وجنتيك.
ها أنت بدأت تتعلم مثل جميع البشر كيف يبكي الإنسان بصمت!!!
و ها هي الأماكن تتسابق أمام عينيك تعرض نفسها دون مقابل، فهنا رفعك جدك حتى خلت أنك تلتصق بالسماء، وهناك رفعك جدك بيديه العريضتين، وأنت تعد بيوت المرابعين بيتاً بيتاً.
تفتح عينيك لعودة الناس يلتفون حول أبيك، وعمك، وأنصّت بخشوع للشيخ يتحدث عن الموت !الموت.... كلمة جديدة تدخل قاموس طفولتك لأول مرة مارد عربد، و قتل الجهات الأربع التي تعلمتها، و قتل الأزمنة السعيدة، وشوه اكتمال الأماكن التي أحببتها، وتساءلت موزعاً سؤالك على الجميع
هل الموت قديم، أم جديد ؟!
فيُلجم الجميع عن الإجابة، لكنك اليوم عرفت الجواب، وعرفت أن الموت موجودٌ منذ ابتدع الكون، كمارد يعربد يشتت الذكريات، و يبعثر الرؤيا، و لا ينام كما ينام الناس نعم لقد تعلمته يا مسكين لقد تعلمته !!!!
تنظر إلى مشقان المالك الإقطاعي يقبع جانب المختار بين جموع المعزين لكن بحفاوة، و تقدير أكبر مكدراً لا يملك أحدٌ تفسيراً لملامح وجهه يغب من لفافته كما كل المعزين.
يحاول المختار إخراجه عن صمته بسيل من الأسئلة، وطمأنته عن المحصول الوفير، و غزارة مياه الآبار دون فائدة لكن والدك، و كما تعهده به من جرأة قال موجهاً الحديث له، و مذكراً إياه عن غضبه حين علم باندفاع يوسف العظمة، مع ثلة من شرفاء الجنود للتصدي للجيوش الفرنسية في ميسلون:
- هل هناك يوسف عظمة جديد حتى تتكدر هكذا ؟!
ترى ( مشقان ) كيف نظر نحو أبيك، و انفجر غضبه على شكل سيل من العبارات التي لم تستطع أن تستوعبها، فقال:
- سابقاً كان صالح العلي في جبال اللاذقية، و إبراهيم هنانو في حلب، و أبو علي شاهين في الجبال بين حمص، وحماه، و حسن الخراط في دمشق، و أحمد مريود في الجنوب، و جبل العرب يغلي جميعهم يريدون خروج فرنسا من البلاد، و الآن عمت الاضطرابات، و المظاهرات العاصمة، و لا زال الإضراب مستمراً، فعطل أعمالنا من أجل حفنة من الخارجين على القانون
يقاطعه أبوك صارخاً:
- من قال إنهم خارجون عن القانون إنهم زعماء وطنيون أشبعتهم حكومة الشيخ تاج تخديراً، و اعتقالاً للوطنيين؟ !!
يصرخ مشقان:
- من أعطاهم صفة الوطنية ؟ !!
يصرخ والدك وسط ذهول الحضور:
- ومن أعطى فرنسا الحق لاحتلال بلادنا ؟!
- من سمح لها، و لبريطانيا باقتسام بلادنا فيما بينهم ؟!
- من سمح لها بتقسيم بلدنا إلى ولايات صغيرة ؟!
تذكر حين وقف المالك مشقان، وهو ينظر لوالدك بازدراء قائلاً:
- بعد أن تنهي مجلس عزائك اخرج، و عائلتك من قريتي، فأنت لا تستحق العيش فيها !!
حاول المختار تهدئة ( مشقان ) الغاضب لكن والدك أشعل لفافته، و مج منها بهدوء ووقف مزهواً بين المعزين الفرحين بما سمعوا، فهو ينحدر من قرية تنام على سفح جبل أنجبت أبو علي شاهين المجاهد الذي أقلق فرنسا سنين طويلة.
تنفرد بحضن والدك يجافي النوم عيونك، و تسأل والدك عن سبب انفراد مشقان بملكية القرية كاملة بأراضيها، ودورها، و فلاحيها بينما أنتم، وعمك محمد، وأبو صديقك خليل لا تملكون شيء ؟!
يضحك والدك، و يربت على كتفك لتنام، و يقول:
- ( بكره بتكبر، و بتعرف كل شي )
تتشيطن أكثر، و تسأل عن صالح العلي، و إبراهيم هنانو، و أحمد مريود، وحسن الخراط يضمك والدك مسروراً، ويقول:
- ( ما شاء الله أحفظت أسماءَهم ) ؟!!
صباحاً باكراً، و كمثل الصباحات التي بدأت تتعود على مصادقتها أفقت على التحام العروة الثانية بالنشيج الحزين الذي يخصك، حيث عمك، و زوجته يجهزان نفسيهما للعودة إلى دير الحجر قبل تسليم الأرض، والدار لمرابع جديد.
حاملاً لتساؤلات جمة، و أنت تخرج تودع عمك، و زوجته حيث لا شيء يربط الإنسان بركام الذكريات، و محطة تدفع بالتي أمامها، و بدأت خيالاتهم المنداحة على سفح التل تغيب، و يبتعد ظلهما خارجاً من رحم التل حيث إلى لا تدري.
وعلى امتداد الأفق الرحب حول التلال أخذ العقل يلملم رمال الحوادث، و يعيد ترتيبها من جديد، و أصبحت تستفيق على جسد يكبر بما لا تعرف تفسيراً لكنهه، و أبوك منهمك بتجهيز نفسه للرحيل الذي رفضته زوجة أبيك فضة بشدة، فأسرع في طلب أخيها، و طلقها، و أمرهما بمغادرة القرية فوراً.
وفي الصباح الباكر كانت خطواتك تتوحد، وأنت تلتصق بثوب أمك تمشيان خلف أبيك يستحث حماره المنهك محملاً بأثاث بيت كامل يختصر متاع الحياة الدنيا.

*****







حيفا

حثيثاً كان المسير، وعبر الأفق كنت تشارك الريح ذر بقايا الذكريات العصية على النسيان، و أنت تغادر عالقين، حيث يلتزم أبوك الصمت يَجِدُّ في المسير مشجعاً أمك تارة، ومشجعك تارة أخرى.
و تسمع والدك يسأل أمك، ويأنس برأيها عن المحطة التالية لكنها كانت تبعثر ظلها فوق الحصى متألقة فرحة، فمعه تذهب لآخر الدنيا ما دام لها وحدها، ومعه الحياة لا شقاء فيها ما دام لها وحدها، وموغلاً في الحميمية حتى ينقطع النفس.
يوماً بعد يوم، و الطريق تسلب منكم خطواتكم الواهنة، فلم تسعفك المفردات كثيراً، فبدأت ترسم لأول مرة على سطح الأفق البعيد ظلالكم فوق الطريق الترابي الطويل، وأنت تشارك الأثاث ظهر الحمار المنهك، وبين يديك قدر البرغل الناشف منحدراً نحو أفقٍ أخضر اللون يحتل المدى أمام ناظريك، فتأسرك المسافات الخضر ببهجة لم تعهدها من قبل، وتتبعثر المشاعر باحثةً عن نظرةٍ حانية تجلي غموض الحسن المفرح لكنك تؤخذ بالمشهد حتى الثمالة، فينسيك السؤال عن المكان.
كل شيء يلوح لك مفعماً بالغرابة، وأنت تلاحظ أشجار التين، والرمان، والزيتون تحجب عنك ضوء الشمس حتى النهاية، وخلت نفسك ترزخ تحت تأثير حلم، أو وهم غريب لكن العصافير، والفراشات، وظلال الأطفال اللذين سمعت قهقهاتهم نفضت عنك ركام الوهم، فأدركت أنك تسير على جنة الله على الأرض، فسألت أباك عن المكان، فيجيبك:
- الجولان !!!
ها هي الذاكرة الغضة تشع من جديد، وترسم حيث قفزت من على ظهر الحمار المنهك بحالة اندفاع لا إرادي تدفعك للبحث عن بقعة ضوء تسللت من بين تشابك الأغصان؛ وتركت أمك، ووالدك يجهزان محطة الاستراحة الرابعة، وبسرعة ابتعدتَ عنهم ميمماً شطر وجهك كل الجهات، وركضت حولهم ترسم دائرة، و تقترب من أبيك، و تسأله عن ملكية هذه الأرض، فيزفر من لفافته، و يلوح برأسه، فتعرف أن هناك مالك آخر، وآخر...
هرباً من لجة عتمة موشكة على الهبوط راحت مخيلتك تقفز، وتتحرى، و ترسم أشكال خرافية لخليط الأصوات الذي بدأ يرتفع وقت حلول الظلام ثمة هدنة بين القمر، والنجوم، و تخوم سماء الجولان.
بعد انتهاء وجبة العشاء تمدد أبوك يطلب الراحة، وأمك جانبه تقول في نفسها:
- إنه لي وحدي !!
سريعاً، و كما في المرات السابقة دسست نفسك بينهما ليحتل رأسك ذراع أمك، وأنفك يزفر نحو ثدييها، ويدك فوق عنقها، وتستند بظهرك على صدر والدك لست موزعاً، ولست خائفاً، و نسيت خليط الأصوات، وتركت أباك يداعب شعر أمك، وغفوت.
هناك في ذاك النعيم حيث غفوت، ولجة سكون عميق تخنق المكان يتسلل إليك آهة حلم قريب، فينثر عليك حبيبات عرق دافئة، وأنت تركض من على قمة تل البتات تنحدر نحو سطح ماء العين الصقيل، حيث أمك تغسلك بإصبعين كقطعة حرير، وتلحق بطيور الفري، و السُمّن، وأبو الحن، ووقع خطواتك ترسم دائرة كبيرة حول العين، وتعود لتسابق أقرانك لاحتلال قمة التل حيث يظهر ظل عملاق من الجهة الشمالية لمرجانة.
إنه هو !!
جدك !!
هيا انطلق !!
ينطلق إيقاع خطواتك الموغلة في الحنين، فتصل إلى الجهة الشمالية لمرجانة حيث ترمي بنفسك نحو هذا الطول المرعب إنها المرة الثانية التي ترى فيها مرجانة من الأعلى لكن بحلم؛ وبعد قليل ستبدأ بعد بيوت المرابعين بيتاً بيتاً
اثنان..,,,, اثنان ,,,,,.ثلاثة.....
تتوقف عن العد لكن جدك لن يهزك، ولن ينزلك لتسير خلفه ثمة ضباب طوى الحلم، فترنح الفهم عن وجودك تقف أمام الضريح راشحاً بالخوف بعض الشيء تقترب، و تلامس سطح القبر لأول مرة، و تمد يدك تمررها فوقه، و بدأت تستنشق رائحة البخور الصاعد نحو زرقة السماء، والهابط نحو جميع البيوت، المتفرق على كل التلال الجالسة كمردة فوق الأرض الصفراء ذات الحصى الصغيرة.
برودة رخية تمطر فوق جسدك الصغير تفضي إلى ألفة ذاك القبر، فينفتح أمامك نوافذ ملونة بالأزرق، والأصفر، والبنفسجي، فيسكن ظلك بعض الشيء، وتلوح لصديقك خليل، وتمد يدك ممسكاً طرف النهاية، فيقترب منك خط الأفق الأزرق مسكوناً بالصمت، والهدوء، و تبقى ذاهلاً لجدك يبتسم لك من الأفق البعيد، و ملوحاً، يقول:
- مع السلامة يا بني ‍‍‍‍!!
فترفع يدك دامع العينين تلوح، وتقول:
- مع السلامة يا جدي !!
- مع السلامة يا جدي !!
فتوقظك جوقة العصافير، حيث والدك، وأمك ينظران إليك بعينين دامعتين لقد سمعا حلمك من بدايته.
تسرق منك العصافير بقية الحلم، فتقفز تحدث أباك، و أمك عنه بينما انهمكت أمك بمزج رغيف خبز بقي من الزوادة، مع قليل من الدبس، و أبوك يحزم متاع الحياة الدنيا فوق ظهر الحمار المتخم بخليط من الغطاء العشبي الكثيف، و يتابع المسير متخطياً قرى الجولان ماراً بجانب أوديتها، و مودعاً بحيرة طبريا ليدخل فلسطين حيث النفس تواقة لرؤية حيفا.
حيفا خليط وشاح من ذكريات، وسعادة مفرحة تسكن زوايا الصمت العميق مشوباً برائحة السمك، واليود قادماً من بحرها حيث الصيّادون يهزجون عائدين من رحلة الصيد، و يصفقون للبحر.
دخلتها مع والدك متأبطاً حلل الفرح وراسماً لابتسامة مندهشة للخان الذي حللتم به، و أسلمتم أنفسكم لفراشه الوثير، و سرقتم نوماً عميقاً حيث منعكم التعب من الشعور بالحركة الكبيرة خارج الخان حيث الساحة تحتضن مئات العمال قادمين من مختلف الأرجاء.
مرة أخرى صباحاً، و ليس كمثله صباح، فقد أبكرت أمك متوردة الخدين تذهل في أفق بعيد، و والدك ينتظر الإجابة بعد أن سألها:
- ما العمل الآن يا بنت الحلال ؟!!
و سمعتها تقول له:
- اذهب، و احضر لي ( بابور كاز ) و قدراً كبيراً، وخمسين طبقاً !!
على غير عادته يمتثل والدك مطواعاً رهن إشارتها، و يغادر ببعض القروش التي ادخرها في السنوات السابقة، و يعود محملاً بما طلبت، و يجلس قبالتها بعينين مستفسرتين عن جدوى هذا الطلب، وهذه الحاجيات؟
استبدلت أمك أعمال الفلاحة، و المرابعة بعمل كان له الأثر الكبير بتغيير حالتكم، فقد واضبت لعامين كاملين على تحضير وجبات طعام رخيصة الثمن لعمال السوق الذين ازدحمت بهم الساحة العامة، و كان والدك بهمة عالية يساعدها بالتسوق من سوق الخضار، و مسالخ لحم الأبقار فجر كل يوم، و السهر معها حتى مغادرة آخر عامل الساحة العامة.
ينخرط أبوك بطاعة عمياء غير معهودة بتنفيذ طلباتها، و السهر على راحتها، فقد بدأت النقود تثقل زنارة الصوفي، و أمست عبئاً ينوء بحملها لما لصوتها من لفتٍ لأنظار قطاع الطرق، و اللصوص، فنصحته بتبديلها ( بالمجيدية ) وهي عملة ذهبية تختصر القروش الصغيرة التي بقيت تهطل عليكم لعامين كاملين.
يوماً بعد يوم بدأت محبتك لحيفا تزداد شيئاً، فشيئا، فالبحر الذي نسج عامين كاملين من الذكريات أثقل جغرافية دماغك بسيل من الحنانات، وها هو الجسد يطلب أفقاً أوسع لاحتوائه، فالعبث الطفولي، و الركض بعد التعب، والنوم لساعات طويلة مسح نزهاتك اليومية بعد أن تعرفت على طرقاتها، و شوارعها، فشاركتك لحظات اللهو بإرهاق لذيذ تطلبه حثيثاً، وأنت تكلل عامك السابع.
مسارات الحلم لم تخطئك يوماً من تل البتات، وسطح ماء العين الصقيل إلى تل الصحابي محمد بن حذيفة اليماني، حيث ليس ببعيد عنه قبر جدك سليمان، وآخراً كان حلمك يوم نهضت باكراً ميمماً وجهك نحو طرف الزريبة حيث تخبئ فخاخ الصيد، و خرجت يتلقاك الطريق الترابي الضيق نحو تلة صغيرة كنت قد رأيت عليها عصفور ( أبي الحن ) و أسعدك حضك، فوقعت – بعد أن أزحت حجر صغير – على دودة تفي حاجتك لنصب فخ واحد.
متخفياً خلف صخرة كنت تراقب العصفور يتنقل من حجر إلى آخر، و تنتظر، فأنت لا تملك إلا الانتظار، و ألوان الطيف السبعة تشهد بذلك، والريح المتسللة من بين الجبال تشهد بذلك أيضاً، و إن اعتراك هواجس غريبة، وأنت ترى العصفور يبتعد عن فخك.
تترقب، و تنتظر عودته ليقف على الحجر الذي نصبت فخك قربه، و حدسك يقودك، ويتنقل بك من على حجر لآخر كما العصفور أنت لكنك سجين، ومسروق من شيء ما يطبق عليك يدخلك في صمت، و أنت تقطع نَفَسَك، فالعصفور فوق الحجر، و ها هو يهوي نحو الدودة نحو الفخ فتفزع من نومك فتضمك أمك و تعود للنوم.

*****

مساءً، وكنت قد غفوت، وتركت القمر يشارك أبويك ليلة لحظات الفرح القادم، و بعد أن اغتسلت أمك من درن قدر الخضار المطبوخ باللحم متأنقة متأبطة لجمالها يسبقها عطرٌ خبأته لمثل هكذا ليلة بقامتها المديدة، وحمرة خديها، و بياض لون بشرتها تزهو كنحلة هبطت على بستان تطير أمام ناظري أبيك، فتهيج نفسه لضمها، و يضمان بعضيهما حتى يوقظ الفجر نوارس البحر، فيبدأ صخب العمال الجائع يحوم في الساحة منتظراً قدر الخضار المطبوخ باللحم.
كانت الشمس تزخ فوق الرؤوس، وترشح على الجميع رطوبة البحر الغثة، فتهالكت الأجساد تحت ظل الشجر، و الخيام البعيدة، و أمك وسط الساحة أمام القدر المليء بالخضار المطبوخ باللحم، والشوارع المتصلة بالساحة تخلو من المارة شيئاً، فشيئاً ترسل وحشة مرعبة تقبض على الشهيق، والزفير فقدر الطعام ما زال ممتلئاً، و الشمس العدوانية هذا اليوم فقط أجبرت الناس على مغادرة الساحة.
نظر أبوك نحو القدر الممتلئ، و الجوع الأبكم يمر من أمامه دون أن يحرك القهر فيه شيئاً، و العرق الذي يزخ عليهما كان كبيراً جزءٌ من حلم كبير يهبط فوق رأس أمك، فتحمل القدر، و تسير.
جزء من همٍ يهبط فوق الرأس، فيرهق الساقين الواهنتين، و جزء من حزنٍ يخترق بُعد المسافة عن عائلة بدأت تطفو فوق السطح، و الحلم طويل، لا يكتمل، فالشمس العدوانية هذا اليوم فقط صفعت رأس أمك، فهوت مع قدر الطعام وسط الساحة العامة في حيفا.
كان أبوك قاسي القلب لدرجة كبيرة، لكن رعباً هبط عليه، و سكن أجزاء قلبه من حيث لا يدري، فهرع يحمل أمك يتخبط في مشيته، و خطواته تفقد دربها، فلا يدري أين يمضي !!
أنت كما العصفور قلبك ينتفض بسرعة سلبت كل ما هو أليف إليك، وانتابتك أحاسيس متضاربة بين الهلع، و الترقب، و سرك يبتهل إلى الله، ودمعك عصي على الخروج بينما القلب دامٍ.
يصرخ أحدهم:
- هناك طبيب في الشارع المقابل !!
يركض أبوك مهرولاً يحملها بين يديه، وأنت بجانبه ظلان يركضان يغمرهما الهلع، وترقب مبهم يركض، مع خطواتكم، فهذا الإرث الهابط فوق كاهلك يجبرك للمرة الأولى على أن لا تتذكر العروة الثالثة في النشيج الحزين الذي يخصك، وعبر الشارع نحو عيادة الطبيب كانت قبضة جبارة تعتصر قلبك الخاوي من عبث الطفولة، و غبش الرؤيا الحالمة، فراح يصعق ذهنك، و عيناك تنظران نحو أمك الفاقدة الوعي، و تنتظر الوصول لباب العيادة.
ترتسم ابتسامة عريضة على عيني والدك، وهو ينحني لمساعدة أمك لمغادرة العيادة بعد أن أسعفها الطبيب بما يستوجب، و والدك منتصرٌ حتى النهاية، و مفعم بالفرح حتى آخر حلم ألق يرتسم حول العينين يحارب الدمع أن يهل، ولكي لا يرسم جدولاً فوق الخد الناعم سنديانة يافعة كللت أغصانها، و أوراقها مساحة البيت الصغير، وهو ينمو يكبر من خلال هلع هبط فوق رأسه لكنه سعيد، و سعيد جداً بما ستهمس لك الأيام القادمة، والشوق لآتيٍ جديد يشاركك ضوء القمر بينما الأفق يبتلع الشمس كل يوم.
نعم فأمك حامل !!
الليل يرخي وشاحاً أسوداً على الجميع، و أمك مستلقيةٌ، و التعب قد تسلل إلى أعضائها، و أعصاب رأسها، فقد نالت الشمس منها، فأسلمت أطرافها للأرض محدقة بسقف الغرفة الخشبي منهكة حتى الثمالة، وهبط عليها شعوراً بالوحدة، و العزلة، فتذكرتْ أباها العجوز الذي لم تره منذ تزوجت، و تذكرت أختها التي تزوجت قبلها في إحدى قرى السلمية.
أقاسيةٌ هذه الدنيا بهذا الشكل ؟
أم أنَّ العين لم تستطع كبح جماح الدمع، فسمحت له بالانهمار فوق الخد الشاحب ؟
وبإلحاح من أبيك شربت ملعقة الدواء، و بعض الفاكهة التي ابتاعها أبوك بطريق العودة، لكن ما حدث من منغصات لا بد مضى لحاله بعد أن استسلمتم ثلاثتكم للفراش، و تفرقت أحلامكم بينما القطط، والكلاب أجهزت على قدر الخضار المطبوخ باللحم وسط الساحة العامة في حيفا. !!!
بعد هذه الحادثة أخذ والدك يفكر في وسيلة أخرى أكثر راحة لأمك الحامل، فجلس ذات صباح – دون أن يلحظ أنك كنت تراقبه – يقلب الاحتمالات، و يضرب أخماسه بأسداسه، و يغب من لفافته اللعينة بنهم جائع حظي بطبق لحم.
تململت مشعراً إياه أنك قد صحوت، فطلب إليك تجهيز فنجان قهوة قائلاً:
- ( بتعرف تساوي قهوة يا ولد ) ؟ !!
مأخوذاً بحنانٍ طافٍ فوق الحد كان والدك ينظر لأمك مستغرقة بنوم عميق هادئ تنطلق بين الفينة، و الفينة آهةٍ كسلى تدخلك بلحظة غير عادية تمر عليك مجهشاً لحال أمك المريضة.
بوضوح قال لك:
- ( شو رأيك نرجع على حوران يا ولد ) ؟ !!
تراجعت هلعاً، فهل كبرت حتى يكون لرأيك هذا البعد ؟ !!
أم هل وصلت سنواتك السبع آخر مطاف الطفولة ؟ !!
طفت رغبتك بالتراجع هلعاً عندما تذكرت أن والدك كان ينادي عمك بالولد، وهو أكبر منك، فاستعجلك القهوة، و كرر سؤاله لك:
- ( شو رأيك نرجع على حوران يا ولد ) ؟ !!
خفق قلبك الصفير، ولم يعد الهواء يجد مستقراً في صدرك، فأنقذتك الاجابة من أمك التي استيقظت:
- نعم لازم نرجع على حوران !!
فقلت بلهفة:
- عالقين أم مرجانة ؟.
لكنّ أحداً لم يجبك، بل سمعت أباك يقول إنَّ السفر قطعة من جهنم، فمن قضى وطره منها، فليسرع بالعودة.
أسودٌ كالليل تكتنز قوائمه الأمامية، وذيله يصل لعرقوبيه، كان هذا هو البغل الذي اشتراه والدك، ومعه عربة تنوء بحمل الأثاث الذي استبدلته أمك بأثاث يفي حاجة الأسرة الصغيرة، وسراويلَ أبيضَ موشى، ومطرزاً بخيط أسود كان نصيبك من سوق حيفا الشعبي، و صناديق، و جرار ماء، وقدور طبخ، ومغارف، و غادرتم حيفا بعد أن نثرت عليكم قروشها عامين كاملين على شكل قطع ذهبية لامعة خبأها أبوك بزناره الصوفي.

*****



















الوديعة

خلسةً استطاعت الشمسُ أن تُظهر وجهها من بين الغيوم الداكنة التي حجبت الأفق، وبدأت كتل الثلج بالذوبان، وهي تهوي من فوق قمة الجبل على منحدرٍ وعرٍ لتغرق في جرف صخري سحيق شكل، وعلى مر السنين الطويلة مجرى وادي الزيدي الضيق الذي يستلقي على طول شريط حدودي واسع مخترقاً سهل حوران، وبدأت المياه بالتدفق عبر شرايين الوادي، وشعبه الجافة جارفة في طريقها الأتربة، والحصى، وبقايا الأغصان المحطمة.
وفي المساء بدأ راعي القرية يلملم قطيع الأبقار حيث الليل يستعد ليلف أم الحطب ببرده الشديد، ويوزع دخان الحطب المنبعث من بيوتها المتهالكة هياكل، وأشباح ضالة تملأ محيط القرية، فلا شيء يخترق هذا الصمت المطبق، حتى الكلاب تقوقعت على نفسها طلباً للدفء.
اقترب هلال الشحرور من كوم الحطب المتوهج، فظهر جلياً نور عينيه الخضراوين، وهو يوزع نظراته على الفلاحين الذين التئم شملهم في مجلس جبر الخليل ينتظرون وصول رئيس الدرك، وحاشيته بأفواهٍ مغلقةٍ، وعيون حائرة تترقب.
عاد هلال الشحرور إلى مكانه، وأجال النظر عليهم مرةً أخرى واحداً واحداً، وعيونهم تترقب شفتاه إن نطقت هل ستعصف بهذا الصمت الكنهوتي قبل وصول رئيس الدرك ؟
ولم يخب ظنهم، فقد نظر موجهاً الحديث لجبر الخليل:
- أتعتقدون أنه سيأتي الليلة ؟
وصمت قليلاً ثم قال:
- أم أن البرد القارس قد ثناه عن المجيء؟
مع أن خيولهم لا تأكل إلا الشعير... الشعير الخالص، ومعاطفهم مبطنة بالفرو!
فصمت جبر الخليل قليلاً، وهو ينظر إليه بهدوء مفتعل، وقال:
رئيس الدرك سيأتي الليلة رسوله أكد لي ذلك البارحة، ولا تكثر هذراً بهذا الحديث !
فرد عليه هلال الشحرور مبتسماً:
- إذاً اطلب من أحد رجالك أن يهيئ صاعاً من الشعير لكل حصان !!
أم أن الفطنة لم تخذلك هذه المرة أيضاً، فهيأت كل شيء ؟
- اصمت يا هلال، واحذر أن تهذر أكثر !!
فقاطعه هلال الشحرور بعد أن انفجر ضاحكاً:
- و ماذا ستفعل هه ؟
- سأقطع لسانك !
فانتصب هلال الشحرور، وصرخ بغضب:
- لست أهلاًَ لذلك، فأنا هلال الشحرور، وأنت تعرف من هو هلال الشحرور !
فصاح بهم علي المصطفى بعد أن وقف قائلاً:
- صلوا على النبي يا جماعة اجلس يا هلال اجلس. !!
- لا لن اجلس، بل سأذهب، وإن سئلتم عني أخبروهم بأنني في بيتي أنتظرهم.!!!
هلال الشحرور رجل في العقد الرابع من العمر إلا أنه الأقوى، ويشهد له بأنه يمتلك قبضة هي مطرقة تنام تحت الجلد، ولم يعرف عنه أنه خسر أي معركة كان فيها طرفاً، إذ يظهر للناظر إليه مهابة خفية تتقدمها عيناه الخضراوان الغائرتان في جمجمته ببريق حار في فهمهما رجالات القرية؛ وشارباه اللذان يخفيان صفاً من الأسنان السليمة التي حافظت على جمالها طيلة سنوات عمره؛ و تفرقت جدائله على كتفيه يعصب رأسه بعصابة سوداء لا يعرف جميع سكان القرية ما العمل الذي يمارسه يعيش مع زوجته مريم ببيته الذي ورث حيازته من المالك عن أبيه يختفي أياماً عن أم الحطب؛ فلا يرى، و تمر أشهراً لا يفارقها.
لكن عجائز أم الحطب لم يتركنه بحاله، فأطلقن لخيالهن العنان، فروين عنه الأساطير، والحكايات إحداهن قالت:
إن جنية تعيش في المقابر أحبته بجنون، وعرضت عليه الزواج، وحين رفض هددته بخنق زوجته، و أولاده، فقرر التخلص منها، بأن أخفى ساطوراً حاداً تحت سترته، وذهب لمقابلتها في المقابر بين الجبال البعيدة، وقام بقتلها، بل إنَّ إحداهن نسجت حكاية تقول إنَّهُ ذهب مع الساحر الذي كان يتردد على القرية منذ زمن بعيد، وقد طلب منه مرافقته إلى مكانٍ مجهولٍ، حيث الكنز ليقوم على حراسته من الضباع المنتشرة هناك بكثرة، وحين وجد الساحر الكنز غدر به، وعاجله بضربة من ساطور حاد، فأخطأ الرأس، وجرحه بذراعه لكن هلال الشحرور، والمشهود له بالقوة استطاع أن يقتل الساحر بعد أن أطبق بيده اليمنى على عنق الساحر، ولم يتركه إلا جثة هامدة، واحتفظ بالكنز في مكان لا يعرفه غيره.
هرع جبر الخليل مسرعاً نحو الباب يستقبل رئيس الدرك، وحاشيته بعد أن أعلن عن قدومها أصوات حوافر الخيل تدب على الأرض بقوة؛ وألجمت الأفواه، والعيون ترقب رئيس الدرك يمد رجليه بكسل حول كوم الحطب المتوهج، وبيده كأسٌ من الشاي لا يحلم أحدٌ من رجال القرية باحتسائه في الشهر مرة واحدة؛ و قال لجبر الخليل:
- لقد بدأ الثلج بالذوبان، والوادي ليس ببعيد، وجناب المالك كما تعلم يريد منكم إعادة فتح القناة لملئ جميع البرك، والآبار في القرية، وأدار وجهه يستعرض الرجال بنظرة بطيئة، واستطرد قائلاً:
- غداً ستباشرون العمل جميعكم.... أنتم.. نساؤكم، والأطفال !
وأدار نظره باتجاه جبر الخليل، وقال:
- من يكون هلال الشحرور ؟ أهو بينكم ؟
ألجم الجميع عن الكلام فعاد رئيس الدرك، و صرخ:
- أين هلال الشحرور ؟
ثم نظر باتجاه أحد عناصره الجالسين و نهره قائلاً:
- هه أنت اذهب برفقة أحد ما إلى بيته، و أحضره إلى هنا فوراً!!
كانت عيناه تبحثان في الطرقات عن دواعي استدعائه له، وهو يسير بخطىً وئيدة، وأدرك في قرارة نفسه التي جبلت على كره السلطة، والظلم، وبرباطة جأش تجاهل حيرته، واستعد للموقف، فليس لديه ما يخسره.
وقف هلال الشحرور أمام رئيس الدرك ينظر إليه بعينيه الغائرتين، وهو متكئ على وسادتين كبيرتين كتلةً من اللحم تقبع فوقها رأسٌ صغيرة مدورة، وعينان جاحظتان، ورقبةٌ تكاد لا تظهر.
وقال رئيس الدرك:
- هل أنت هلال الشحرور ؟
- نعم أنا هلال الشحرور !!
- فقال رئيس الدرك متذاكياً:
- أين بندقيتك يا هلال ؟ !!
فتح الحضور أعينهم، و أفواههم يحبسون أنفاسهم من هلع قادم يعصف بهدوء القرية.
فأجاب هلال الشحرور:
- عن أي بندقية تتحدث يا سيدي انظر لحالي سراويلي مهترئ، وسترتي بالية، وتقول بندقية !!
فاستشاط رئيس الدرك غضباً، وقال:
- أنت كنت مع الثوار الذين مروا شمال قريتكم الشهر الماضي أحد الأسرى قال لنا ذلك !!
- غير صحيح يا سيدي فأنا..
فقاطعه رئيس الدرك قائلاً:
- والجرح الذي بذراعك ؟
- ذراعي جرحت، وأنا في المدينة !!
- عدت للكذب مرةً أخرى أيها الثور أسالك للمرة الأخيرة أين أخفيت البندقية ؟
أيقن هلال الشحرور أنه في مأزق، فلا القوة، ولا الحيلة ستجدي نفعاً، فأعاد ما قاله سابقاً
- خرافة يا سيدي خرافة !
فأشار رئيس الدرك بيده لأحد الحراس خلف هلال الشحرور، فعاجله بضربة بكعب بندقيته على رأسه فترنح، وكاد أن يسقط، وكررها الحرس ثانية، فسقط أرضاً يخفي ألماً شديداً بينما اجتمع باقي الحراس ينهالون عليه ضرباً، وهو ملقى على الأرض، ووقف رئيس الدرك متثاقلاً، فهبطت بطنه الواسعة للأسفل، واقترب من هلال الشحرور قائلاً:
- أين البندقية أيها الكلب ؟
لكن هلال الشحرور لم يجب، فهراوات الحراس كانت من القوة بمكان لا تسمح بالتفكير بغيرها، وحين لم يجب صرخ رئيس الدرك بالحراس قائلاً:
- افتحوا ساقيه سأخصه، وركله بين فخذيه، وهو يقول:
- خرافة !!... خرافة !!...
ثم أمر الحراس، فربطوه بسرج حصان قد ألهب ظهره ضربات سوط، وهو يجري في طرقات القرية حتى وصلوا أمام بيته، فتركوه لا يقوى على شيء تنزف الدماء منه، فارتمت زوجته على صدره تبكيه و شاركها البكاء ابنهما الوحيد.
صباح رمادي ثقيل خيم على وجوه رجالات القرية، وهم ينتشرون على طول القناة، وخلفهم النساء، والأطفال الذين وجدوا فسحة للّهو، والمطاردة طاردين عنهم قسوة البرد، واستمّر العمل أربعة أيام كاملة حتى تدفقت المياه عبر القناة تخترق حارات القرية حيث البرك، والآبار، وفرح الأطفال كثيراً، وهم يلهون على جانبي القناة لكن الخيل، والحمير، والأبقار كانت أشدّ فرحاً
أمضى هلال الشحرور شهراً كاملاً في فراشه تكسو وجهه كآبةٌ، وذلٌ غير معهودتين، و تعهدت زوجته بتضميد جراحه ببقايا الرماد من كانون التدفئة دون أن يجرؤ أحد على زيارته حتى جبر الخليل صديقه الوحيد، والذي لم تصل حد المشاحنات بينهما إلى المقاطعة، والجفاء، فهما صديقان، وقد اعتاد على طبعه الذي جبل عليه منذ الصغر لكن ما حدث كان فوق المستطاع؛ فرئيس الدرك لن يرحم من يقترب منه كائناً من كان، وما إن استعاد هلال الشحرور جل قوته، وأدرك حجم الخسارة التي ألحقها به رئيس الدرك، فألجم عن الكلام.
مأخوذاً بغضب دفين جلس هلال الشحرور واجماً ينظر للجمر يتطاير شراره محملاً بعبق خشب المشمش المبخرة، و ذهب يحوم حول منزل رئيس الدرك، و لم يجد صعوبة في التخلص من الحرس شبه النائمين، واستطاع أن يصل إلى غرفته حيث يغط بنوم عميق، وشخيره يملأُ الغرفة فحيحاً.
اقترب هلال الشحرور من سريره، فظهرت جلياً كتلة اللحم المتراخية فوقه، وبسرعة كبيرة أطبق بقبضته القوية على فمه، ورماه أرضاً، فاستيقظ مذعوراً جاحظ العينين، وقد تجمد الدم في أوداجه، وحاول أن يستغيث لكن محاولاته لم تنجح إذ أطبق هلال الشحرور على عنقه، وأمسك بإحدى ساقيه قائلاً بهدوء دفين:
- ستشرب من نفس الكأس أيها المأفون !
ورمى بثقله فوق رجله الأخرى، وهو يركله بين فخذيه قائلاً:
-اشرب أيها المأفون اشرب !!
وتركه جثة شبه هامدة، وفي الصباح أفاقت القرية مذعورة على الحريق الذي أشعله الدرك ببيت هلال الشحرور، بينما عادت طلائع الدرك الباحثين عنه في حارات القرية، والقرى المجاورة خالية الوفاض.



*****

تنفس الفجر ندياً في ضواحي دمشق، ومن بين أشجار الحور الكثيفة لمعت الشمس بتراخي، و لفحت بقعة الضوء الدافئة وجه الصغير، وهو يفتح عينيه بكسل هابطاً من فوق كتف والده الذي تحول إلى وسادة له خلال الرحلة الطويلة حيث يمتد السهل الأخضر فسيحاً يفتح ذراعيه لقطيع من الماشية تركها الراعي؛ وقد استلقى على ظهره مدثراً نفسه بسترة سوداء قد رتقت ياقتها بقطعة قماش؛ واتسخت الرقعة حتى استحال معرفة لونها الحقيقي؛ واقترب ضجيج عربة تئن تحت ثقل حمولتها يجرها بغل أسود منهك، فاندفعت كلاب الراعي تنبح مجتمعة، وهي تهاجمها، فصاح الحوذي غاضباً:
- هـــه أيها الراعي أبعد كلابك عن طريقي !!
فتململ الراعي متثاقلاً، وقال:
- طيب.. طيب.
وقف الصغير ينظر إلى عجلات العربة، وهي تدور، وتقفز فوق الطريق الترابي بينما الحوذي استحث البغل المنهك بقسوة، وهو يلوح بسوطه في الهواء.
تعلق الصغير بعنق والده، والدهشة تملأ عينيه الواسعتين، وهو ينظر مشدوداً بخيط الفضول إلى هذه البيوت المتلاصقة، والشوارع المستقيمة، وتكاثر الناس على جانبي الطرق بحركة كسرت تلك الرتابة التي اعتادها في أم الحطب، فطُمس عقله الصغير، فكل ما رآه يشبه الحلم، والطفولة حلم طويل.
أما هلال الشحرور، والذي لم ينطق بكلمة بدا عليه الشرود وسط هذا الزحام، وعيناه الخضر تمر على البيوت المتلاصقة بيتاً بيتاً، وسألته مريم:
- إلى أين تمضي الآن يا هلال ؟
استبطأ الإجابة ثم قال:
- ثلاثة أيام، ونحن نمشي يا مريم، ولم تسأليني ألم يكن من الأفضل أن تتريثي قليلاً ؟!!
فالتصقت به، ويدها تربت فوق كتف الصغير، وأطرقت، وهي تمشي بجانبه، وعرفت أنها كسرت عليه صمته، وتركت لثقتها به الإجابة على ما يدور في خلدها من تساؤلات.
أنهى هلال الشحرور شروده وسط الزحام، وانفرجت أساريره، وهو ينظر إليه مبتسماً ثم قال:
- ها قد وصلنا يا بني !!
وتأوه قلب مريم، وهي تنظر إلى وجه زوجها المنهك تارةً، وإلى المكان الذي أشار إليه تارة أخرى، وبانت الأسئلة في عينيها تنتظر الإجابة.
كانت البوابة الخشبية الكبيرة تحتضن بوابة أصغر ثبتت بمسامير محدبة، وترتفع عن الطريق بدرجتين حجريتين، وعن يمينها برز حجر مربع الشكل كتب عليه خان الشيخ مسعود تأسس عام 1875، وباعد بين شفتيه بابتسامة عريضة، وهو يهز رأسه قائلاً:
- لا تخافي يا مريم ادخلي، واطردي عن وجهك هذا الشحوب، والقلق إنه لا يناسبك.
ولجوا بوابة الخان الصغيرة التي تفضي إلى باحة واسعة تتوسطها بركة ماء مستديرة الشكل زينت حوافها بالورد الجوري الدمشقي بينما استلقت شجرة الياسمين الضخمة على واجهة الخان الداخلية حتى كادت تصلُ السقفَ؛ واستقبلهم الشيخ مسعود قائلاً:
أهلاً بكم في بيتكم... واستطرد:
- يبدو عليكم التعب !!!
ثم اقترب من الصغير قائلاً:
- و أنت أيها الصغير أكثرهم تعباً !
اقتنع الشيخ مسعود بتأجيرهم حجرة خالية تقع خلف الخان بمدخل جانبي منفصل حين أدرك أن العائلة الصغيرة ستقيم لفترة ليست بقصيرةٍ؛ ومنحهم خصماً جيداً.
كانت الحجرة تحتوي على سريرين أحداهما قديم تطاولت زواياه الأربع برؤوس مدببة، وقد طليت بلون داكن، وصندوق معدني وضع فوقه قنديل بقاعدة بيضاء، وغطت النافذة ستارة من قماش أزرق موشى بلون فضي باهت، وامتد نسيج العنكبوت كقطعة من قماش بال حجبت كامل الزاوية، وعلى عجل اهتمت مريم بترتيب السكن الجديد، بينما غاب زوجها قليلاً ليعود بالطعام الساخن الذي انكب الصغير عليه بشهية كبيرة، ثم قال:
- لماذا لم تكن تشتري لنا مثل هذا الطعام في أم الحطب ؟
- طيب كل يوم ستأكل مثله يا صغيري.
ولمح الحيرة، والقلق على وجه مريم، وهي تلوك اللقمة على مهل، فرفع رأسها بظهر كفه بتودد قائلاً:
- لا تدعي حيرتك تقتل فرحتي يا مريم ثقي بزوجك، وساعديني على تحقيق حلمي، فأومأت موافقة.
أطبق المساء على الخان، وبدأت شجرة الياسمين بتوزيع عطرها على البيوت المجاورة، وشيئاً، فشيئاً خبت أصوات المارة من الطريق، وصار يسمع بوضوح خرير ساقية تفرعت من بردى، وأثار ضوء القنديل الخافتِ النعاسَ في عيني الصغير، فأراح رأسه الصغير على ركبة أمه، فانحنت عليه بقبلة، وهي تقول:
- هه صالح هل نمت يا صغيري ؟
لكن النوم قد غلبه قبل أن يرد عليها، فحملته إلى السرير، وتلاشى مرح مريم الكاذب، وهي تسترق النظر بطرف عينها، ثم قامت تتعثر بمشيتها، واستلقت على السرير، وبإصرار سيطرت على نفسها حين فكرت بهلع تلك المصيبة التي حلت بزوجها المسكين، ثم قالت:
ألا تنام يا هلال ؟
و أردفت:
- منذ ثلاثة أيام لم تأخذ كفايتك من النوم!!
فمد يده الدافئة، ووضعها فوق يدها، وهو يجلس على حافة السرير كانت يدها باردة، ولم يشأ أن ينظر إلى عينيها، فانحنى، وقبل جبينها، فلمعت عيناها بخليط من الألوان، وبحرارة رفع رأسها، وأزاح الإزار عن صدرها، فبان العنق المخفي عن الشمس سنيناً طويلة أبيضاً، وقال:
أراك اليوم أجمل مما كنت عليه يوم زفافنا !!
فاحمرت خجلاً، وهي تعرض جانباً، وبدافع الخجل كبتت غريزة الأنثى، وارتفع صدرها عالياً، وتنهدت، فأحس أن الرغبة قد بدأت تصحو من جديد، وعاد البريق المعهود في عينيه، وهو يرى أمامه ذاك الصدر الفضي الممتلئ صحةً يعلو، ويهبط بانتظام، فارتعدت مريم، وهي تنظر إليه صامتةً، وقالت في نفسها:
- إنه أنت... لم يتغير ذاك البريق الثر يشع في عينيك !!
و أطبقت بذراعيها على عنقه تقبل فمه، وتترنح ثملةً، وغرقا تحت الغطاء عاريين بعد أن تيقنا أن ركلة رئيس الدرك، لم تكن محكمةً.
وبعد نصف ساعة كانا يستلقيان على السرير يحدقان في سقف الغرفة ذي الأخشاب المصطفة النحيلة كأسوار حديقة بعيدة، ولم يقدر هلال الشحرور على كتمان السر طويلاً، والفرحة الظاهرة على وجهه، وقد احتقن وجهه تودداً، وهمس في أذنها:
هه مريم أتعرفين ماذا سأفعل غداً ؟
- وكيف لي أن أعرف، ولملمت الغطاء لتحصل على دفء أكثر.
- سأذهب إلى مدرسة قريبة من هنا، وسأرى كيف أرتب أمر صالح ليلتحق بها.
اعتدلت مريم في جلستها، فبرز الصدر الأنثوي يعلو، ويهبط مضطرباً، وقالت
- ماذا مدرسة لصالح ؟
وحدقت بعينين باسمتين، ولم تستطع أن تتبين أكان جاداً، أم هازلاً، وتابع قائلاً:
- نعم مدرسة لصالح إن الأطفال في مثل سنه قد التحقوا بمدارسهم، ولو كنا في أم الحطب لكنت أتبعته ليتعلم عند خطيب القرية أما، ونحن في العاصمة، فلا أقل من المدرسة سأحقق هذا الحلم يا مريم.
وارتمت على صدره بقوة، وهي تطبق أسنانها على عنقه بتودد، وقالت:
- آ ه ه سأحبك طوال عمري.
واستلقت على ساعده يفوح من صدرها رائحة العبق الأنثوي، وهمست:
- كم هو دافئ صدرك وأنا أرتجف برداً. !!!
حين يحلم المرء تتبعثر المسافات بين الطريق، والهدف، وحين ينتهي الحلم من رسم خيوطه الأخيرة على عيون النائمين تكون اليقظة قد بدأت تمسح تلك الخيوط، وبدأت ترسم خيوط الأمل ذاك الحلم الذي تحول إلى أمل، وغداً سيرسم أولى خطواته.

*****



كأنك تعرف هذه القرية منذ آلاف السنين، و كأنك خلقت لتموت فيها، ومن معك، وبعدك، كعبق قادم من كنه المجهول قادتكم خطواتكم للولوج فيها، حيث نجح والدك بالوصول إلى مالك هذه القرية، وفاوضه بمهارة، واشترى منه قطعة ارض، وداراً محترقةً منذ أيام.
سريعاً هب كثيرٌ من أهالي القرية ينخرطون بمساعدتكم لإعادة بناء البيت المحروق؛ وأنت تستمع مع والدك لقصة هلال الشحرور مع رئيس الدرك، وتأسف لحال الصغير الذي هرب مع أبويه، ثم تنزوي جانباً متفكراً أي سطوة أجبرت والدك على دخول هذه القرية، والتملك فيها أرضاً، وداراً يغرسك أمام بابها الخشبي كالشجرة.
و سريعاً بدأت بالتعرف على الدار الجديدة، والتي أعيد ترميمها، وتم طليها بالجص الأبيض، فاكتسبت لوناً ابيضَ خلاباً، وكانت الدار مؤلفة من ثلاث غرف جُعلت إحداها غرفةً للنوم، و الثانية غرفةَ الضيافةِ بينما تركت الثالثة لتخزين مواسم الأرض من حبوب وتبن، و توسطت ساحته الكبيرة شجرة كينا ضخمة قبع تحتها زير ماء ضخم سُيِّجَ بصخور بازلتية زرقاء اللونِ، و قبع على طرف البيت خانٌ، و حظيرةٌ للمواشي.
و تعرفت على الحارات الأربع التي شكلت بيوت أم الحطب المتراكمة كصليب من الحجارة الزرقاء المتهالكة تبدأ بالحارة التي يسكنها جبر الخليل، و جماعته، و تبحر شمالاً حتى التصاقها بحارة علي المصطفى، و جماعته بينما احتلت جماعة سليمان الخالد، و شحاده الحر الجهة الشرقية، و تركت الحارة الغربية لخليط من العائلات تشرف على الطريق العام الذي أسسته فرنسا منذ عقود خلت.
و بانتظار هطول المطر جلس والدك يتهيأ لبدء موسم زراعي جديد بينما انخرط معظم أهالي القرية بالبحث عن عمل كمرابعين مع الملاكين في القرى المجاورة.
و جلست أنت تحت الكينا الضخمة ترشح فوق رأسك الأسئلة واحداً تلو الآخر
ترى ما الذي يجمع بين هذه القرية، والقرى التي عشت، أو مررت بها ؟
لكنك مقتنع أصلاً أن الجميع متشابهون بعملهم، و بيوتهم، و بقهرهم، وربما الأكثر منهم بكرههم لملاكي الأراضي الذين دعمتهم وجود القوات الفرنسية بالبلاد؛ و حقدهم على من قسم بلدهم.
وجمعت غرفة الضيافة في داركم - وليمة كان والدك قد دعا إليها - كل من جبر الخليل مختار القرية، و على المصطفى كبير ثاني عشيرة في القرية، ولفيف من أهل القرية التي سمحت أيام معدودة بالتعرف على قسَّم منهم.
خارج ذلك الجمع كان الليل يرخي غطاءً أسوداً يخِّيم على شبح جلس فوق الكينا الضخمة يترقب، و يحبس الأنفاس مرهقاً من سفر طويل، ومتعجلاً قضاء حاجته، و يعود سريعاً رغم الإنهاك الذي احتل أطرافه، و أصدع دماغه، و فرجت على ذاك الشبح حين همَّ الضيوفُ بمغادرة دار مضيفهم، وابتلعتهم طرقات القرية، و ولجوا بيوتهم المتهالكة تحت جنح الظلام.
كان الشبح يقبع ساكناً يرهقه قلق لا يعرف الرحمة، و لا الرأفة يتأمل ذاك البيت الذي غادره متخفياً، و ها هو يعود إليه متخفياً يتجنب رؤية الناس له، لكن وسط هذا الشرود المتعب، كان الفكر منشغلاً بجمع المفردات المتناثرة أمامه، وهو يهم بالنزول من أعلى شجرة الكينا الضخمة وسط ساحة الدار، و يلهث نحو طرف حجر كبير سند زير الماء الضخم، وبدأ يحركه رويداً رويداً، وهو يعض على لسانه محاولاً إخفاء حتى حركة تنفسه التي تزايدت بشكل ملحوظ.
كان أبوك قد خرج يودع المختار جبر الخليل، فظن الشبح أن والدك من ضمن الضيوف الذين غادروا، فأمن الجانب، وهبط من على الشجرة الضخمة، فليس أمامه خوف يندفع عليه من بقعة السماء السوداء، ولا أشباح تحوم في سماء القرية، فأزاح الصخرة، وأخرج البندقية ملفوفة ببقايا بطانية بالية، و قبلها، وضمها إلى صدره.
وقف خلفه ينظر إليه بهدوء، وحذر، وقد عرف أنه هلال الشحرور الذي سكن الدار قبله، و عرف أن الشيء الملفوف هو بندقيته، فتركه حتى التقط أنفاسه، و همس قائلاً:
- هل أنت هلال الشحرور ؟ !!
على الرغم من قوة هلال الشحرور المعهودة لكن قواه خارت، وهو يلتفت نحو مصدر الصوت، و أجاب بخوف:
- نعم أنا هلال الشحرور لكن من أنت ؟ !!
أدخل والدك هلال الشحرور غرفة الضيافة، وحضر له الطعام بعد أن حكى له قصة مشاركته في القتال إلى جانب الثوار، و أخبره أن البندقية، وإن كانت له فإنَّ ملكيتها تعود لرجال الثورة في الجنوب، و يجب عليه تسليمها لهم كونه قد اضطر لمغادرة القرية.
ها أنت، و بدون قصد منك – حين خرجت لقضاء الحاجة - تسمع أباك يقول للرجل:
- دع البندقية مكانها، وأخبر الثوار عن نيتي الالتحاق بهم !!
تفرس هلال الشحرور بالقادم الجديد، وابتسم، وقال له:
- الحمد لله لم تزل النسوة تنجب الرجال !!

*****
تقع مدرسة السعادة، والذي قَبِلتْ طلب انتساب الطفل إلى صفوفها في حي القنوات، ولم يكن يستغرق الوصول إليها أكثر من عشر دقائق مشياً على الأقدام، واضطر الوالد إلى ملازمة الصغير ذهاباً، وإياباً قرابة عشرين يوماً أبدى الطفل خلالها خجلاً، وتردداً كبيرين الأمر الذي أثار استياء الوالد لكنه لم يظهره بل قرر إن استمر الحال على ما هو عليه، أن يستأذن المدير ليجلس معه في الصف، ويعود طفلاً كبيراً لكنه ما لبث أن أظهر ذكاءً، ونبوغاً أدخل الغبطة على قلب العائلة الصغيرة، وأثلج صدرها.
وخلال تلك الفترة لم يغادر هلال الشحرور حي القنوات، فساعات الانتظار الطويلة التي كان يقضيها لسماع جرس الآذن معلناً انتهاء الدوام تحولت إلى مساحات من الأمل استيقظت من سباتها أمام هذا التحول المفاجئ في حياته إذ أصبح الآن يشعر أن لحياته معنىً سام، فها هو يرى طفله يضع قدمه على بداية الطريق الصحيح، وبدأت تتلاشى عنه تلك الكآبة التي كانت تداهمه كلما تذكر أبناءه الذين قضوا صغارا.
وفي الصباح الباكر كانت جوقة عصافير الدوري تزقزق، وقد نفشت ريشها، وهي تحتل شجرة التوت بالقرب من الخان، فبدت أكثر امتلاءً، ووصل إلى داخل الحجرة صوتها حين أطل هلال الشحرور برأسه من خلف الباب، وقد لبس سراويله الجديد، وسترة تخفي تحتها حزاماً صوفياً نسجته مريم قبل أعوام، وكانت تقف خلفه تبحث عن سبب لخروجه باكراً، وقالت بصوت مخنوق:
- إلى أين يا هلال ؟
فاستدار نحوها مبتسماً، وهو يحكم تنسيق عمامته، فاندفعت لتساعده، وهي تقف على رؤوس أصابعها، فبدت، وهي ترفع رأسها مجللة بشموخٍ، واعتزازٍ، وقال هلال الشحرور:
- لديَّ الكثير لأعمله، فالرزق عند تزاحم الأقدام.
فابتسمت، وهي ترمقه بنظرة سريعة، ودفعته بلطف كأنها تدعوا له السلامة.
ملأت رائحة الحساء الساخن السوق حيث يجتمع القرويون ممن جلبوا مواشيهم للبيع، وتوزع الناس على طول الطريق جماعات، وصاح عجوز قد اختنق صوته غضباً:
- إن كنت لا تريد الشراء، فلا تبخس ثمنها يا أخي اتقِ الله نحن في أول النهار !
ومشط الزائر الجديد السوق من أوله إلى آخرة، وازداد اللغط كثيراً، وتداخلت أصوات الناس مع أصوات المواشي، وانتشرت رائحة الروث على بعد أمتار قليلة حيث أحد القرويين يمسك برباط ثور بعمر عشرة أشهر تتدلى رقبته ببلادة، والناس حوله يتفاوضون على ثمنه، وسمع أحدهم يقول لآخر:
- اتركه سيبيعه، ولن يغامر، ويعيده معه إلى القرية مسافة طويلة.!!!
واسترق هلال الشحرور النظر إلى الثور، وتفحصه كانت عضلات قوائمه الأمامية مكتنزة، وظهره كظهر حصان، وقال في نفسه:
- لقد شرب هذا الثور من حليب أمه حتى خرج من منخريه!!
ومر آخر يعرض بضاعته عليه، فابتسم له، وهو يلوح برأسه مظهراً عدم رغبته في الشراء، وانقضى نصف النهار، فوقف بأول السوق، ونظر بعينيه في الأفق البعيد كان قاسيون يقدم البيوت برحابة، وطرقاتها تظهر على شكل خطوط مستقيمة تارةً، ومتعرجةً تارة أخرى تكتنفها الأشجار، وتذكر ابنه صالح، إذ لا بد أنه الآن يقطع المسافة إلى الخان وحيداً، وأهداب طربوشه الصغير تتمايل مع مشيته، فهمََّ بمغادرة السوق، لكن صراخاً حاداً استوقفه:
- يا أخي حرام عليك كيف سأستفيد من هذه البغلة ؟ !
انظر إليها كيف تستدير باتجاه من يقترب منها تتهيأ لرفسه !!!
- لقد بعتك، وانتهى الأمر و أعرض قائلاً:
ألم تلاحظ أنني بعتك إياها بليرتين، ونصف، ومثيلاتها تباع بأربع ؟
- يا أخي هذا بيع غير جائز لقد دلست عليّ حسبي الله، ونعم الوكيل
كان القرويُّ يرتدي ملابس رثة، وقد استطالت لحيته، وتفرق الشيب منها، وتنتشر منه رائحة عرق كريهة، وعيناه تراقب البغلة كلما تحركت خوفاً، وتحسباً.
اقترب هلال الشحرور منه بهدوء، وقال:
- أيها القروي الطيب ألم تتفحص البغلة قبل الشراء ؟
فرفع عينيه نحوه للحظة، ثم عاد يراقب البغلة من جديد، و قال:
- ماذا ستقول زوجتي إن رأتني أعود بهذه البغلة إلى البيت؟
فرد البائع:
- بعها يا رجل !
فصرخ القروي بعد أن احتقن غضباً:
- مَنْ زوجتي ؟!
- لا يا رجل البغلة !
فتدخل هلال الشحرور موجهاً الحديث للبائع قائلاً:
يمكنك مساعدة هذا القروي البائس أعدها إليك بليرتين، وأربعين قرشاً !!
فانتفض القروي، وقال:
- وماذا سأقول لزوجتي عن العشرة قروش الباقية هه ؟
فابتسم البائع، وقال لهلال الشحرور:
- لماذا لا تساعده أنت، وتشتري البغلة منه ؟
- لو كان عندي زريبة قريبة من هنا أضعها فيها لما ترددت لحظة في أن اشتريها بثلاث ليرات !!
فقال البائع مخفياً طمعه:
- حسناً سأساعدك أيها القروي، ووجه الحديث إلى هلال الشحرور:
- توجد خلف السوق زريبة لصديقي يمكنك الاحتفاظ بها هناك ثلاثة أيام، سأكلمه لا تقلق.
أمسك هلال الشحرور بلجام البغلة الطويل، فاستدارت نحوه بقوائمها الخلفية، وبدأت تتراجع باتجاهه، وقد ضمت أذناها القصيرتان فوق عنقها، وأخفى ابتسامة، وهو ينظر إليها وقال:
- لا تعانديني يا حلوة أنت أول تجارتي!!
وانفجرت ضحكة عالية من البائع، وصديقٌ له كان يقف بجانبهم من البداية، وقال أحدهم:
يحدثها لقد أهلكتنا !
ومشى يجر لجامها نحو الزريبة بحذر، وأحكم عقالها، وانصرف.

*****

على عتبة الخان كان الصغير واقفاً يستعرض المارة بعينيه الواسعتين، وأهدابه الطويلة، وحين لم يلحظ، والده عاد متذمراً، وقطع غصناً صغيراً من شجرة الياسمين، وبدأ يعصرها بين إصبعيه الصغيرتين، وهو يجتاز الفناء نحو الحجرة، وأجفل على صوت أبيه يناديه:
- صالح...
واندفع نحو والده، وهو يقول:
- لقد تأخرت كثيراً، وأضاف ماذا تحمل في هذا الكيس؟
- كنت ماراً بجانب حانوتٍ يبيع الشواء، فعرفت أنك ستحبه كثيراً.
وامتدت المائدة أمام الجميع، وكان لبعض قطع الخيار المخلل طعماً لذيذاً جعل الصغير يمازح أبويه قائلا:
- طيب أنا صغير اتركوا لي الباقي.
صباح اليوم التالي كان أول الواصلين إلى السوق يحمل بيده سوطاً جمعه ليمسك بطرفه من الأمام مشكلاً دوائر غير متساوية القطر يضرب بها على فخذه بلطف، وتوجه نحو الزريبة، فوجد الباب مفتوحاً حيث البغلة تتحرك يمنةً، ويسرةً بينما البائع، وصديقه يوزعان العلف على مواشيهما، وأسرع البائع إليه قائلاً:
- هه يا رجل ألم تأت بالعلف إن بغلتك لم تأكل منذ عصر البارحة ؟
فرد عليه مظهراً الاستغراب:
- لمن العلف يا صاح ؟
فقال مستهزئاً:
- لفرسك الأصيلة !
- وهل هناك علف أفضل من هذا، وهوى على البغلة بسوطه جلدةً قاسيةً، فأجفلت، واستعدت للرفس، فأسرع، وسحب لجامها إلى خارج الزريبة، وهي تمانع، وتستجيب، وقد بدا عليها الغضب، والنفور، ووقف تحت شجرة الكينا الضخمة أمام الزريبة، ورمى برباطها الطويل على أحد أغصانها القوية، وجذب الرباط حتى استقام من عنقها إلى الأعلى، وأحكمه بقوة، وعاد، فأجبرها على التقدم نحو جذع الشجرة، فأصبحت تحتها تماماً، وقام بلف الحبل المتدلي حول كتفه، وأحكم قبضته على قسم منها، وقال في نفسه:
- لنرى يا حلوتي مدى قوتك !
وبقوة هائلة جذب الرباط إليه، وصرخ بأعلى صوته آآآه !!
فهرع البائع، وصديقه يركضان خارج الزريبة، ويقولان:
- مسكين ذاك الرجل لا بد أنها قضت عليه!!!
وألجمت المفاجأةٌ أفواههما حين شاهدا البغلة تقف على قوائمها الخلفية، وقوائمها الأمامية معلقة في الهواء.
وصاح البائع:
- ماذا تفعل يا رجل ؟
- أجهز بضاعتي للسوق !!
قال البائع بسخرية:
- السوق في الطرف الآخر هناك
وأشار بيده بقوة باتجاه السوق، وتابع موجهاً الحديث إلى صديقه:
- يا إلهي ماذا يفعل هذا المجنون ؟ !!
واقترب هلال الشحرور من البغلة، وقال:
- لن تكوني أقوى من الجنود الفرنسيين ، وقد نلت من بعضهم، فأنصحك أن لا تعاندي كثيراً !!!
وانهال عليها بالسوط من كل جانب، وسط ذهول البائع، وصديقه، وقال البائع:
- لا بد أن هذا الرجل قد اكتشف أن لا سبيل للانتفاع من البغلة، فأقبل على جلدها انتقاماً !!
فرد عليه صديقه قائلاً:
- إن هذا القروي يجهز بضاعته للسوق كما قال فعلاً !!
فسخر البائع من صديقه قائلا:
- لا بد أنك قد جننت مثله انظر إليه كيف يجلدها بقسوة
فرد صاحبه بهدوء:
- لما لم تخطر لنا هذه الفكرة، ونحن نعاني معها منذ أشهر؟!
بينما كان هلال الشحرور يجلد بغلته بقسوة كما يُجلد مارق ليل جبان وقف رافعاً يديه لثائر بطل، وبدأ العرق يتصبب منه، وأخذ التعب منه ما أخذ قام، فأسند ظهره إلى جدار الزريبة، وقد ثنى رجلاً، ومد الثانية، وقال بصوت متعب:
- ويسأل صاحبنا عن العلف، وهل أفضل من هذا العلف لمثل هكذا بغلة ؟!!
وجاء صديق البائع، وجلس بجانب هلال الشحرور، وقال بتودد:
- هه أيها القروي الطيب أعتقد انك ستبيع بضاعتك غداً، وبسعر مغر
فنظر إليه متعباً:
- ربما
- قل لي من أين أتتك هذه الفكرة ؟ فرد بتجاهل
- أي فكرة ؟
- فكرة تجهيز بضاعتك للسوق!!
و حين لم ترق له المماطلة بالحديث قال:
- اسمع أيها الرجل، فاقترب منه أكثر وهو يلقي سمعه
- هناك خصلتان إن اجتمعت في أي كائن حي أذلته !!!!
فهز الرجل رأسه أن تابع:
- الجوع، والخوف، وأنا كنت أجمع هاتين الصفتين في هذه البغلة الشموس
فضحك الرجل، وقال:
- تبدو عليك الحكمة يا رجل ما.. اسمك ؟
- هلال الشحرور
وهب واقفاً، ومشى باتجاه البغلة، فحاولت الابتعاد عنه لكن الرباط كان قوياً، وانهال عليها يجلدها بقسوة، وهو يقول:
- حان موعد الوجبة الثانية !!!
فصاح الرجل به :
- رفقاً بها ستموت البغلة، فأجابه ضاحكاً:
- البغال لا تموت.. البغال تنفق، وأضاف:
- الموت للبشر، والنفوق للبهائم !
وعاد البائع من السوق، وأمامه بقرة عجوز تمشي مسرعة خلف وليدها الذي يركض بفرح، وصاح بصديقه أن اعترض طريق العجل الصغير، وأدخلاه، وأمه الزريبة، وهمس في أذن صاحبه:
- أما زال هذا المجنون هنا ؟
وقال هلال الشحرور موجهاً الحديث للبائع:
- كيف حركة السوق اليوم ؟
فرد بسخرية:
- لا ينقصه إلا الفرس الأصيل، وأشار إلى البغلة!!
وبعد قليل ذهب هلال الشحرور إلى السوق، ووفق بشراء كبش بليرتين باعه بليرتين، ونصف، وثور بعمر عشرة أشهر بأربع ليرات باعه بخمس الأمر الذي أثار استياء أحد التجار في السوق، فاقترب منه على مهل، وهو ينظر إليه متعالياً، وقال:
- هه أيها القروي لا تقف في المكان الذي أقف فيه لتشتري، وتبيع اذهب قبل أن أحطم أنفك !
فقال هلال الشحرور متجاهلاً:
أتحدثني أيها التاجر الطيب ؟
- نعم أنت اغرب من أمامي قبل أن أصفعك !
نظر هلال الشحرور إليه، وشد على أسنانه، واحمرت عيناه لكنه ابتلع الإهانة، إذ أدرك أنه في بداية الطريق، وهو بحاجة إلى كسب الأصدقاء، لا أن يخلق لنفسه الأعداء، وأدار ظهره، وهم بالانصراف، وهو يدمدم:
- أقطع ذراعي إن صمد أمامي !
وفي تلك الأثناء ارتفع لغط الناس، وعلا صياحهم، وهم يتراكضون:
- ابتعدوا ابتعدوا !
كان وسط السوق قصاباً يهم ذبح ثور لمحل الشواء، وحين لم يحكم رباطه، وقبل أن تصل السكين إلى رقبة الثور هب واقفاً، فهاج وسط السوق يندفع بقوة، وقرنيه القويين يهددان كل من يقف في طريقه، ومع ازدياد صوت الناس، ولغطهم ازداد الثور هيجاناً، فاختبأ الناس في الحوانيت المجاورة، وسمع صوت يصيح:
- أبعدوا هذا القروي عن طريقه سيدهسه بأظلافه !!!
لكن هلال الشحرور احتال عليه بأن جعل الثور يعتقد أن الضحية أصبحت بين قرنيه، فاستدار بسرعة، وأمسك برباط الثور، وركض معه عدة أمتار، وجذبه إليه بعنف، ومع سرعة اندفاع الثور، وثبات قوة الجذب انقلب الثور، وسقط أرضاً، وأسرع بقبضته، ولكمه، واحكم رباطه وسط ذهول من كان في السوق.
كان التاجر يراقب الحدث أمامه، وعيناه لا تصدقان ما رآه، واقترب من هلال الشحرور، وقال:
اسمع أيها القروي الطيب أشكرك لأنك لم تعاركني حين أهنتك أمام الجميع، و إلا كنت الآن في حالة لا تسر.
فرد عليه بابتسامة بعد أن أحس أن الرجل جاء معتذراً، وقال:
- اسمع أيها التاجر الطيب إن الله لم يعطنا القوة لكي نضرب بعضنا البعض، وأضاف ممازحاً:
- حتى، وإن عاركتك، فلن أضربك بقسوة، فأنا طوال عمري لم أضرب بقسوة إلا الخنازير
- الخنازير... !! أي خنازير ؟؟
- لا عليك كنت أمازحك لا أكثر !!
وتابع مسيره نحو الزريبة، ووقف جانب الشجرة حيث البغلة تقف على قوائمها الخلفية منهكة القوى، وفك رباطها، ومشى تتبعه ببطء، وحذر تنظر إليه بعينين خائفتين، وربطها، ونظرت إليه تستجديه شيئاً من العلف، أو حتى الماء، فأمسك زنبيلاً، وخرج باتجاه ساقية قريبة متفرعة من نهر بردى، فملأَهُ، وعاد، ووضعه أمامها، وهي تنظر كأنها تطلب الإذن منه أن تشرب
وقال:
- يكفيك هذا اليوم، وغداً سنرى إن كنت قد ألفت البشر، وانصرف.
وانطلقت سمعة هلال الشحرور في السوق، وبدأ يكسب احترام الجميع، وبدأت تجارته بالتوسع، وأصدقاؤه بالازدياد، وكان أولهم البائع، وصديقه، ومعظم تجار السوق، وعرضت عليه الزريبة ليضع مواشيه فيها مقابل أجر شهري، ثم ما لبث أن اشتراها، واستأجر من يقوم على رعاية مواشيه، ومضت الأيام سريعة فتحت أبواب السعادة مصراعيها للعائلة الصغيرة، فيترفع صالح للصف الثاني متفوقاً على جميع أقرانه، ووفق بشراء بيت صغير بحجرتين خصصت إحداها للصغير، وأثثت بما نال رضاه، فبدأت العائلة الصغيرة حياة جديدة لم تستطع أن تنسي هلال الشحرور الفضل لسوق خربة غزالة عليه.
كان لخربة غزالة دورٌ كبيرٌ في حياة القرى المحيطة بها، وقد تعاظم هذا الدور، فأصبحت سكة القطار تحت يد الحكومة الوطنية، فجعلت منها مركزاً اقتصادياً حيوياً يرفد العاصمة بمختلف صنوف الحبوب، والمواشي، وقد أشتهر سوق الجمعة فيها حتى أمّته الناس من كل المدن السورية، وقد كان هلال الشحرور ممن يتردد عليه باستمرار، واستطاع أن يدخر مبلغاً من المال مما كان يكسبه على قلته، وأخفى الأمر عن الجميع، فالنقود لم تكن متداولة بكثرة في تلك القرى الفقيرة، والمالك المتربص بالفلاحين لم يترك مجالاً لهم لتحسين موارد أرزاقهم

*****








الجراد

كانت القوات الفرنسية قد تراجعت – تحت تأثير ضربات الثوار، و الحكومة الوطنية - عن تقسيم سورية إلى دويلات، فأعادت توحيد دمشق، وحلب، واللاذقية لكنها لم تكن تولي مطالب الشعب السياسية من استقلال، وحرية فوق أراضيها، فكانت الاضطرابات التي عصفت بجميع المدن السورية تطالب بخروج فرنسا من البلاد، و ضمان الاستقلال، والحرية حيث وافقت – مماطلة – على معاهدة للاستقلال طويلة الأجل بينما اشترطت إقامة قواعد عسكرية لها فوق الأراضي السورية.
في نفس العام بينما كان الصباح يزفر أول نفحاته على أم الحطب، كانت أمك تسلم أخاك محمد للهواء الطلق، و بدأت النسوة بالتهافت عليكم مهنئات بالمولود الجديد بينما كانت رائحة شراب القرفة المنقوع ينشر رائحته على شوارع أم الحطب الصغيرة.
تذكر كيف اعتراك بعض الضيق، حين همست إحدى النسوة المهنئات بأذنك قائلة:
- ( نزلوك عن الرف يا مسكين ) !!!
لم تكن مدلولات الألفاظ قد اكتملت عندك بعد، فهرعت نحو أبيك تطلب استفساراً، فضحك، وهو يربت على كتفك قائلاً:
- تقصد المرأة بأن أخاك سينال حباً أكثر منك، و حين سألت هل هذا صحيح زاد والدك من قهقهته، و قال:
- ( طبعاً لا لكن لا أنت أغلى منو ولا هو أغلى منك ) !!
لم تع بعد ما المقصود من ذلك لكنك كنت سعيداً، فالحلوى التي جلبها أبوك من المدينة كانت كثيرة، و رائحة شراب منقوع القرفة كان على المدى.
أم الحطب كغيرها من القرى – وإن كانت بعيدة - التي تعيش تحت ثقل هاجس الأحداث الأخيرة، و الاضطرابات التي حدت بفرنسا على اقتراح معاهدة طويلة الأجل، فكانت مجالسهم ببيت المختار مجالاً لتعريف الناس فيما يدور حولهم من أخبار، لكن المنافسة الحادة للفوز بمنصب المختار بدأت تظهر، فانقسمت أم الحطب على نفسها، وظهر دور العائلات الكبيرة في تبوء سد المنافسة، وكان جبر الخليل المهيمن الأقوى على تسلم هذا المنصب الجديد بعد صراع حاد أخضع دور العائلات الأقل عدداً لكن بقيت عائلة علي المصطفى الأشد شراسة في المواجهة، إذ أصرت رغم مباركة الدرك لخصمهم بأنهم قد غبنوا، فظهر علي المصطفى كأبرز معارض على ساحة القرية بقامته المديدة بلا إفراط كبير الرأس رسمت ملامح القسوة على جبينه خرائط متشابكة، وأخفت الهالات السوداء حول عينيه السوداوين قسماً كبيراً من جمالها، وانحدر الأنف الدقيق كمنقار عصفور فوق شارب أسود تمت تسويته بدقة متناهية على طول الفم الصغير ذي الشفاه الرقيقة، وتطاول الوجه، وازداد عرضه عند الذقن ليلائم امتلاء العنق.
كان قلبه مفعماً بقوة البأس، وروح التحدي، وقد صقلت هذه القوة مع أول يوم في المنافسة، وهو عائد من ساحة القرية بعد إعلان النتيجة بفوز جبر الخليل مختاراً على أم الحطب وسط أفراح، وأهازيج جماعته، ومن التف حولهم من العائلات الصغيرة.
كان مطرقاً متفكراً، إذ كيف يمكن لمن يسمى ثعلب أم الحطب أن يخرج من المنافسة، ويبقى جبر الخليل، وقال في نفسه:
- منذ متى يا جبر الخليل تتفوق عليّ ؟!
- وهل فزت بجدارتك؟
- أم لأنني لم أتثعلب في المنافسة؟
- وهذه حسبت ضدي لا معي !!!
وبدأ الطريق يضيق أمامه ليلج مع جماعته مجموعة بيوتهم المتلاصقة، وتضيق معها الفكرة، ويقول في نفسه:
- لا بل تثعلبت لكني أسقطت الدرك من حساباتي، وهذه أكبر من الأولى، وكأنّ حقل المواهب لم يكتمل بعد، وما زال أمامه الكثير ليصبح احترافاً.
أما جبر الخليل، والذي توسط مجلسه، فبدا كأنه زعيم تعتق على عرشه سنين طويلة، وإن كانت تنقصه الشجاعة في كثير من الأحيان بيد أنها الآن قد لا تنقصه، فأكثر من نصف القرية تقف خلفه، ومن ورائهم الدرك.
وفي المساء جمعت الخيمة الكبيرة، والتي نصبت في ساحة القرية احتفالاً بتنصيب جبر الخليل مختاراً، وباشرت النساء بإعداد وليمة العشاء، وأيُّ وليمةٍ، فالدرك قادمون وبسلطةٍ جديدة، وأطلقت أيديهم لتطال كل شخص دون تكلف، وحتى علي المصطفى القابع في مجلسه وحده بعد أن توزعت جماعته في بيوتهم يلعنون الحظ العاثر في المنافسة، وسمحت زوجته لنفسها بأن تقتحم عليه خلوته، وبيدها دلة القهوة، وقدمتها إليه، وما زال على وجومه ينفث دخان سيجارته بهدوء، ويعكس ضوء القنديل الخافت بريقاً لامعاً في عينيه السوداوين مخترقاً تلك الهالات السوداء، وقالت بعد تردد كبير:
- لا تحمل هماً يا علي لن يلبث، ويستشيرك في الكبيرة، والصغيرة، وأنت تعرف جبر الخليل ستدير القرية من خلاله.
فرمقها بنظرة غضب، فأجفلت، وعرفت أنها تدخلت في أمور الرجال، وآثرت الصمت، ثم تظاهرت بالانصراف، فقال لها:
- ابعثي بمصطفى إلي ّ حالاً !!
خرجت مسرعة، وزوجها يفكر، فيما قالته، ودخل مصطفى، ووقف أمام والده العينين السوداوين نفسهما، وإن اختفت الهالات السوداء، وعنفوان الشباب جعله أكثر امتلاءً، وضخامةُ الصدر، وإن كانت لأخواله، فهي لا تخرج بالشبه الكبير لأبيه ما عدا الأنف الذي بدا أكبر قليلا.
- مساء الخير يا أبي
وباقتضاب شديد طلب منه جمع أقربائه سريعاً.
واختنق مجلسه بالرجال، فهو كبيرهم، وإن سبقه في العمر عمه عيسى الذي تنحى جانباً منذ عُثر عليه بحالة مزرية، وقد شجَّ رأسه، إذ أصبح من أصحاب الدروشة يلتزم المسجد، والبيت مسالم لدرجة الملل لا يستثار بسهولة، وكأنَّ الدم الذي نزف من رأسه أخرجَ كل ما يمت إلى الغضب، والقسوة، وإن حدث، واستثير، فلا أسهل من رده إلى طبعه بثوانٍ، وقد أكثروا من البحث حتى عثروا له على من تقبل به زوجةً، أرملة لم تنجب لِعلةٍ كانت بزوجها المتوفى، وعلى الرغم من أنها غير متناسقة الجسد لكنها ألهبت شهوة عيسى الدرويش، وجعلته يقبل على طاعتها لكنها سرعان ما ترهلت، وسمنت بشكل كبير حتى أصبحت عجيزتها مضرباً للمثل بين أهالي أم الحطب، ولم يخف على نساء القرية وكثيراً ما ذكرنها بشيء من المداعبة الخفية أنه قال لها يوماً مداعباً:
- فعلاً يا بنت الحلال إنّ عجيزتك ضخمة !!
فردت عليه بعد أن طفحت بها الشهوة قائلةً:
- سنرى كيف ستحتال عليها يا عيسى !!!
وقد قدر لهذه المرأة أن تمسك على مجريات الأمور في بيتها بصرامة، وقوة شكيمة لا نظير لها بعد غياب دور الرجل الذي اقتصر على دور يعسوب النحل، فأنجبت منه خمسة رجال كان يحسب لهم ألف حساب.
علي المصطفى، والذي قبلوا به كبيراً ينطق باسمهم، فلا يعارضون يأمرهم فيأتمرون، ولكنّ هذه الطاعة لم تكن عمياء، فلقد أثبتت التجارب السابقة أنه رجل محنَّكٌ لا يهاب الصعاب، وانفرجت شفتاه قائلاً:
- سنذهب لنبارك للمختار منصبه الجديد !!
تقاذف الرجال نظرات الاستغراب، وعلت بعض صيحات الرفض، وأعرب البعض من عدم استيعابه لهذه الخطوة، وبدأ البعض - بما سمح هو به - بمناقشة الفكرة، وأعيدت فتح ملفات المنافسة من جديد لكنه في النهاية أصدر الأمر، وعليهم الطاعة، فوافق الجميع، وإن شاب الحذر.
انضم إلى المجلس الذي أعدّ في ساحة القرية رئيس الدرك، وأربعة من عناصره، وقد توسطوا الخيمة بلباس الدرك الأنيق، وتطاول بعض الفتية - حلماً لا أكثر - على ارتداء هذا الزى المهيب، والحصول على الحذاء الأنيق
وعمَّ الصمت حين ظهر علي المصطفى، وجماعته على ساحة القرية، وألجمت المفاجأةُ تفكير جبر الخليل، والذي وصل به الحد إلى اعتقاد قذف العرق على جبينه كالمطر حيث ظن أن الأمر لا يتعدى هجوما" لرد الاعتبار بعد هزيمته بمنصب المختار، وقد شاركه قسم كبير من جماعته الظن نفسه، فتهيّأوا للمواجهة التي ستحسم لصالحهم كما ظنوا لوجود الدرك.
وافتر ثغر علي المصطفى بابتسامة، وهو يمد يده مصافحاً جبر الخليل قائلاً في نفسه:
- ماذا تظن نفسك يا جبر الخليل... ربحت جولة ؟؟
- وها هو ذا علي المصطفى أمامك بشحمه، ولحمه، وعقله يبارك لك المنصب الجديد، وليبارك لك رئيس الدرك، وحاشيته أيضا، والجولات قادمة.
فرد عليه جبر الخليل بابتسامة حذرة بعد أن استرق النظر إلى رئيس الدرك الذي وقف، وقد أسند يمناه على خاصرته، وترك الثانية تندس في جيب بنطاله الخاكي، وقال في نفسه:
- ماذا تريد أيها الثعلب؟
- وماذا يدور في هذا الرأس؟ أكاد لا أرى في عينيك غير الهالات السوداء أحذِّركَ، فالدرك موجودون.
وقال علي المصطفى:
- مبروك عليك المنصب الجديد يا جبر الخليل !!
وبهدوء أضاف:
- لا أعتقد أن حصولك على المنصب الجديد سيقطع أواصر الصداقة بيننا، فنحن نلتقي معاً في ولائنا لأم الحطب !
فتهلل وجه جبر الخليل، وزال بعض القلق عنه، وهو يقول:
- أشكرك يا أبا مصطفى هذا هو رأيي فيك من البداية، وبتردد أضاف:
- نحن أخطأنا بعدم دعوتكم لكن... !
فقاطعه علي المصطفى ضاحكاً:
- لا عليك.. لا عليك، وتدخل رئيس الدرك، وهو يصافحه قائلاً:
- توقعت منك هذه المبادرة أنت رجل شهم !!
وأجلسوه على يمين المختار تفصله عنه وسائد بذلت بوفرة بالغة، وقال في نفسه:
- أتجلسني على يمينك يا مختار؟
- و هل هذا الرأس الذي يجثم فوق عنقي خليق أن يجلس على اليمين ؟ !!
لكنك لن تصمد طويلاً أعرفك، وأعرف بأسك حتى، وإن كانت أم الحطب خلفك لن يطول صمودك ستقلق كثيراً، وسيجافيك النوم. !!
واسترق جبر الخليل النظر إليه، وهو يقول في نفسه أيضا:
- ليتني أعرف ما يدور في رأسك يا علي، فكل ما أعرفه عنك أنك تحافظ على غموض فكرتك حتى النهاية، ودائماً كنت تنجح إلا هذه المرة سأنتبه لذلك أعدك هذه المرة سأنتبه.
وامتدت الوليمة الهائلة، وتسابقت الأيدي الجائعة، فثلاثة عجول سمينة بثريدها، ومرقها تكفي لإطعام أم الحطب بأكملها، وحين انتهى الرجال من طعامهم تهيَّأ الفتية - ومنهم من وجدها فرصة لا تعوض للاختلاء بمن يحب، ولو لدقائق - لإهداء الطعام إلى بيوت الجميع دون أن يسقطوا أحداً.
و غادر رئيس الدرك ساحة القرية، وجبر الخليل يشيعه حتى اعتلى صهوة حصانه، وعاد ليتمدد فوق فراشه الوثير بين الجموع المتخمة بوليمة العشاء التاريخية ومضى عام كامل حتى أفاق الناس على ذعر لم يتوقعوه.

*****

كان الموسم يبشر بخير وفير، وتهيأت القرية لجني ثمار كفاحها طيلة العام، وفي صبيحة يوم لن ينسى من ذاكرة أم الحطب خيَّمت غيمة من الجراد يتناثر الجوع من تحت أجنحتها الوردية؛ وتركت القرية خلفها عارية جرداء، وتطاولت قطع من أسرابها، ودخلت البيوت المتهالكة، وفتشت حظائر البهائم، ولم تبق على شيء، وتهافت الناس على الحفر التي أعدت للجراد يجمعونه...، فهو الغذاء الوحيد الذي بقي في متناول المنكوبين لأكثر من أسبوع؛ فقضى البعض فريسةً للجوع، ونفقت قطعان الماشية، ومرت سنة بطيئة عرفت بسنة الجراد.
لم تكن أخبار سنة الجراد بمنأى عن ضوضاء المدينة، فقد ظهر النقص الحاد بالمؤن، وتراجعت حركة البيع، والشراء، وهلال الشحرور الذي توسعت تجارته، وأصبح من أعيان السوق المرموقين بدأ عليه الوجوم، وهو عائد إلى بيته في حي القنوات شارداً يحدث نفسه تغمره عاطفة قوية تربطه بأم الحطب، والتي دفنها منذ خروجه منها لكن خواطره كانت تشي بما يختلج في صدره من حب لها، ورأى نفسه الهارب من ثلة من الدرك حفاظاً على ابنه الوحيد لا خوفاً منهم يدخل إلى ثكنة درك مكتظة.
ولج البيت بوجومه، وكآبته، فأسرع صالح نحوه بيد إنَّه لم يكترث، إلا قليلاً، إذ قال له باقتضاب: - اذهب عني يا بني أنا متعب !
ولحظت مريم ذلك، فأطبقت بسبابتها على فمها، وأومأت لصالح..... هس، واقتربت منه، وهي ترفع بصرها نحوه، وترنو إليه باستسلام، ونظرت إلى عينيه، فرأت الحيرة تكسو وجهه، ولاحقته بصوتها الناعم قائلةً:
- ما بك يا هلال ؟ فلم يجبها، فكررت قائلة:
- إن كنتَ تحتفظ ببعض الحب لي، فاخبرني....
- ما هذا الذي في عينيك ؟
ومدت يدها، وأمسكت بيده، وضغطت عليها قليلاً، وقبلتها، وأردفت:
- أرجوك يا هلال هل هناك خطب ما ؟
فحرك رأسه ببطء ثم قال:
- لا أدري، والله يا مريم كارثة حلت بأم الحطب !!!!
شهقت المسكينة، و وضعت يدها على فمها، وتهالكت فوق كرسي كان قربها، وقالت:
ما الذي حصل ؟
- الجراد !..... الجراد أتى على أم الحطب، والقرى التي حولها، وتهالك الآخر فوق كرسي قربها، وتمثل الهدوء بعزمه المعهود، وقال:
- لا ضير إن استشار الرجل زوجته يا مريم، فهرعت إليه، وجثت على ركبتيها جانب الكرسي، وأمسكت بيده تقبلها، وتقول:
- كم أنا في شوق لأنال هذه المكرمة يا هلال.... قل لي يا عيني ؟؟
- أفكر في زيارة أم الحطب !!
فقالت له، والخوف يعرقل خروج صوتها الناعم:
- و الدرك !؟
- أعرف طريقي، وتابع
- ثلاثة أيام على الأكثر لن أتأخر.
فشهقت:
- ثلاثة أيام يا هلال ؟!
فقاطعها، وهو يداعب أنفها بسبابته قائلاً:
- أتخافين، وعندك صالح ؟
- كنت فيما مضى توصيني على صالح أما الآن، فأصبحت ترى العكس، و تابعت حديثها، وعيناها ترنوان نحو صالح:
- الآن صالح رجل البيت، وهي فرصة له كي يثبت أنه من نسل شحارير أم الحطب
وبعفوية أضحكت الجميع قال:
- حسناً يا أبي غداً سأذهب مكانك إلى السوق، وسترى ماذا سأفعل !!
واندفع الأمل في وجه هلال الشحرور، وقال في نفسه:
-آه يا بني أنا بحاجة إلى نصف عمر حتى أراك كما أتمنى، وكأن مريم قد سمعت نجواه، فرنت بنظرها نحوه تهمس:
- إن شاء الله..... إن شاء الله.....
حين وصل كان الوقت أصيلاً، والشمس تستعد للإختباء خلف التلال، فمد بصره، وألقى نظرة كئيبة على سهول القرية الجرداء، وتخيل منظرها المعهود تغطيه بحور السنابل، وسرقته اللذة في التخيل ليرى الفلاحين ينتشرون على المدى بمناجلهم يهزجون، ويتغنون للحصاد، ويتسابقون في فرح، وسرور لما سيجنونه في نهاية الموسم، لكن الجراد حالف الفرنسيين و المُلاك بل زاد على ما كان يأخذه المالك، وحرم الجميع، وخانته العزيمة أن يدخل القرية قبل حلول الظلام، فانتظر حتى بدأت قناديل القرية تشع واحداً بعد الآخر بضوئها الخافت الحزين، وبدأ الليل يردد صدى نقيق الضفادع على أطراف البرك، والحسرة قد أكلت من قلبه ما أكلت ودخل القرية، وطرق باب جبر الخليل باتزان.
ظهر هلال الشحرور أمامه كعملاق بملابس أنيقة، واستجمع جبر الخليل نفسه قائلاً:
- من هلال الشحرور أم أني أحلُم ؟
فرد عليه هلال الشحرور مبتسماً:
- نعم هلال الشحرور... أم أني أفزعتك ؟
وبحسرة رد عليه:
- لا شيء يستحق الفزع في هذه الدنيا يا هلال لكن هل هذا الرجل الوقور الواقف أمامي هو هلال الشحرور؟ أكاد لا أصدق أين كنت يا رجل يا عديم ؟ وتعانقا !!
ولجا المجلس بهدوء، وليبددَ دهشته قال جبر الخليل:
- ما يقرب الخمس سنوات، وأنت غائبٌ عنا أين كنت يا رجل؟
وربت على كتفه قائلاً:
- ما شاء الله ما هذه الثياب أحمد الله أنك تبدو بصحة جيدة، إذ اعتقد الجميع بأنك وقعت بين أيديهم، أو أيدي أعوانهم !!!
- أنت تعرف يا ( أبا الفخر ) الاسم الذي اعتاد الجميع مدح جبر الخليل به أن لحوم الطيور المرةِ لا تصلح للأكل، وأنا أنتمي إلى هذه النوع من الطيور،
بدا الحديث جديراً بالاهتمام، فجبر الخليل، وقبل رحيل هلال الشحرور قلما خلا مجلسه من أهل القرية إذ كان يرجع إليه في أمورٍ كثيرة، والآن، وقد أصبح المختار، وتغيب تماماً دور المالك، وإن كان بعض النفوذ للدرك فرض عليه المنصب الجديد أن يتحدث بجدية، ومسؤولية أكبر عن أم الحطب، وغرق في التفاصيل، وهو يتجاذب أطراف الحديث مع ضيفه القادم بعد غياب طويل.
لحظت أم الفخر زوجة جبر الخليل تأخره بعد أن خرج من غرفتها يستطلع الطارق، وبفضول المرأة خرجت تتبين الشخص الذي سرق زوجها من خلوتها به، ونادت، وهي تقف في الفناء:
- هل عندك أحد ؟
فجاء الصوت من الداخل:
- ادخلي يا امرأة لقد جئت في وقتك لقد أخذنا الحديث، ونسينا واجب الضيافة !
وبتردد نظرت بعد أن أدخلت رأسها من خلف الباب، وظهر الاستغراب على وجهها، فقد كانت متناهية في استحضار صورة الرجل الوقور الجالس مع زوجها، فانتفض قلبها، وهي تراه ، ثم انفرجت شفتاها عن ابتسامة عريضة، وقالت:
- من..... هلال الشحرور ؟
وشهقت أين مريم، وصالح ؟
- بخير، وقد حمّلوني لكم السلام !
وسارعت لتحضير العشاء، وعاد الاثنان إلى متابعة الحديث بشجون، والذي استرسل جبر الخليل به كثيراً، ولعلَّهُ نسي أن الباعث على ذلك كانت رغبةً خفيةً في الدفاع عن نفسه لتزعم القرية، وظهرت عليه أثناء الحديث رغبةٌ جنونيةٌ في الدخول بأدقِ التفاصيل، ولم يستطع - دون علمه – كبح جماح حديثه، فبدت بوضوح يقظةُ عينيه المحمرتين ينساق للحديث عن التحالفات التي أوصلته إلى المنصب الجديد لكنه ما لبث أن تطرق بأسى إلى الفاجعة التي وقعت على القرية، ولاحت ضيقة صدر هلال الشحرور من خلال عينيه، وكأنه لا يريد سماع المزيد، وساعده على كف الحديث دخول أم الفخر، وقد أعدت طعام العشاء، فتناولاه صامتين.
عرض هلال الشحرور فكرة الذهاب لبيت علي المصطفى لتكملةِ بقية السهرة، فوافق جبر الخليل بعد تمنع بسيط على أن يعود للمبيت عنده الليلة، ولعلَّ جبر الخليل أدرج هذه الخطوة في صالحه، فلقد حلَّ الزائر ضيفاً عليه دون غيره، وهذا يعطي انطباعاً لخصمه بأنه زعيم القرية.
كعادته بدا الطريق يضيق رويداً رويدا نحو أجمةٍ من الأسوار الطينية الملتصقة التي تشكل بيوت جماعة علي المصطفى، ولم يصادفهم في الطريق ما يخرق المألوف في هذه الأزقة الضيقة مما كان يراه قبل سنين لكن كان هناك ثمة شعور خفي عبث بخيال هلال الشحرور ليعود إلى الوراء، وذكر من جديد مباهج أيامه الخوالي في هذه الحواري، فشعر بغبطة كبيرة لورود الحلم المتمرد متمثلاً بابنه صالح، وزوجته مريم تشاركه تحقيقه لكنَّ وصولهم لبوابة البيت كانت حقيقة بددت بواعث الذكريات، وقطعت تتابع شريط الأمل.
كان علي المصطفى منكباً على تناول قهوته وحيداً حين اندفع مصطفى يستطلع الزائر في هذا الليل متمنياً على الله أن لا يكون أحد رفاقه المتخلفين عن السفر مع أقرانهم، فيمنعه من لقاء فخرية لكنه حين رأى جبر الخليل انفرجت أساريره بترحاب مبالغ فيه، فالقادم هو أبو فخرية، وتوهج بريق عينيه بفرحة غامرة، وعنفوان ثائر، وشعر أن الطريق إلى فخرية أقصر مما كان يعتقد، وأخذته رغبة مغلولة في معانقته، واستنشاق رائحة الحبيبة فيه، وراح يسترجع على عجل كلَّ الدقائق الحميمة بصحبة فخرية، ووجهه يزداد تألُّقاً لكنه استدرك، ورحّب بالضيفين ودعاهم إلى دخول المجلس، وعلى مرارة العتاب، وقسوة القلوب الحزينة كان اللقاء لوجود هلال الشحرور بمثابة صفحة جديدة، فأم الحطب تستحق أن يتنازل كل حسب محبته لها، وكان الاتفاق بمباركة الضيف العزيز، واستمر الحديث حتى ساعةٍ متأخِّرةٍ شمل جميع جوانب الحياة في أم الحطب، وظهر جلياً نبرة الحزن، والحسرة تارة، والأمل تارة أخرى، وختم الحديث برحلة هلال الشحرور، وأفرحتهم ما آلت إليه حاله في المدينة.
واعتذر هلال الشحرور عن البقاء يوماً آخر في القرية، فأعماله بحاجة للمتابعة، وعائلته الصغيرة تقطن في المدينة بعيداً عن ناظريه، ويجب أن يكون بجانبها، وكان هذا ما قاله هلال الشحرور لصديقيه بيد أنه عاد بعد ذلك عودة سريعة محملاً بمعونة مجزية لأكثر المتضررين في أم الحطب.
عاشت فخرية ابنة المختار جنون حب مبكر لمصطفى، والذي بسريِّة تامة كان يتسلل إليها تحت جنح الظلام بعد أن تخضع أم الحطب لسلطان النوم، وقد نجح الاثنان في إخفاء هذه العلاقة عن الناس.
فخرية ذات القوام الرشيق يتقدمه صدرها الناهض بكبرياء، وعينان رماديتان لا تنقصها الجرأة، و صفحه وجه أبيض مشرب بحمرة يزينها الأنف الصغير، و الشفاه الممتلئة، والشعر الأسود الناعم تفرق جدائل.
مصطفى كعادته بمشاعره الطافحة - فهناك من ينتظر خلف النافذة الصغيرة – سلك طرقاَ متعددة طاف بها أرجاء القرية خوفاَ من نظرة عاذل، أو كلمة حسود، وكأنه يؤدي واجباَ فرضه على نفسه زيادة في الحيطة، والحذر، ولم يكن يعدم الوسيلة في التخلص من سمار الليل الذين يجتمعون عنده، فهو ابن كبير القوم، وقد اكتسب من والده صفات عديدة، وإن لم ترق إلى لكمال، وقد مازحه يوماَ احدهم قائلاَ:
أصبحت يا مصطفى تختلق الأعذار لمغادرة السهرة باكراً أخشى أن يكون الحب قد طرق باب قلبك !!
فارتعدت شفتاه، وهما تخفيان ابتسامة صغيرة، وقال:
- وهل يستأذن الحب إذا أراد دخول القلب ؟
ثم قال:
- من يحب يا صديقي يظهر ذلك في عينيه أما أنا، فانظر إلى عيني إنها لا ترى سواك أمامي.
كانت فخرية تستلقي، وعيناها الرماديتان في شبه إغفاءة، وقلبها يرقص برقة، وبعد انتصاف الليل كانت شوارع القرية تستهلك آخر خطواته، وتوقف تفصله عشر خطوات عن النافذة الصغيرة، ولأنها تنتظر كانت مرهفة السمع ترصد كل حركة في الفناء بدقة، فعرفت أنَّه هو يحط بقدميه بحذر فوق الأديم، فأسرعت تنتزع نفسها من إغفاءتها الكاذبة، والقلبُ رقصَ بقوةٍ، وأطلَّت من النافذة، وجاهد مصطفى الخوف، وتقدم حتى أصبح على بعد خطوتين من شخير والدها يتردد في الفناء يوزع الطمأنينة على العاشقين، وأصبح الليل أكثر ظلمة في الفناء، والتقى ظلاهما، فكانت فخرية، وعلى جرأة عينيها صامتة تحدق فيه لكن سرعان ما تبعثر كل ما كان تتكلفه من ضبط لمشاعرها تحت قوة تأثير كلماته، فأقبلت على عنقه تقبله، وهي تفك أزرار قميصه، وتمسح وجهها بشعر صدره.... لكنها أحجمت، فكل شيء بحدود، ولقاء العشاق يجب ضبطه بمقاييس لا تصل حد الإسفاف، والفجور.
وقالت فخرية:
- إلى متى يا مصطفى سننتظر ؟
فأجابها، وهو يقبل يدها قائلاً:
- حتى تنتهي أم الحطب اللعينة من حل جميع مشاكلها عندها سأكلم والدي.
عادت، ودفنت وجهها في صدره، وودعته قائلةً:
- كم أحبك يا مصطفى ! ................ وافترقا !!!!
كان النوم يهجرها بعد اللقاء. تعود لتبني الأحلام لها قصوراً بشرفات عالية تصل لحد الغيوم، وحدائق تفوق حدائق الأميرات في حكايات الجن، ولم يكن مصطفى بأحسن حال منها، فكثيراً ما كان الفجر ينشر ضياءه الباهت، وما زالت عيناه تحدقان بآخر نجوم السماء، وهي تتوارى متخفيةً مع قدوم الفجر.

*****

للتأثير، و الضغط على الوطنيين أقدمت فرنسا، و تنازلت عن لواء اسكندرون لصالح تركيا الأمر الذي استنكرته كل طبقات الشعب، و عصفت البلاد مظاهراتٌ قام بها مثقفي الطبقة السياسية الذين استشعروا خطر فصل جزء من الوطن، و لم يكن الشعب ببعيد عما يحصل، إذ ازدادت هجمات الثوار على مختلف القطعات، والثكنات العسكرية الفرنسية
كانت جميع الغارات، والهجمات التي شنَّها الثوار مكلفة، فقد كانت البلاد تقدم الشهداء الواحد بعد الأخر، وذلك بسبب قلة السلاح، و الذخيرة من جانب، وضيق الحال من جانب آخر، لكنها بقيت صفحة مضيئة بتاريخ نضال سورية، و على الرغم من اعتراف الحلفاء باستقلال سورية لكن القوات الفرنسية لم تغادر سورية فاستمَّرت غارات الثوار على الثكنات، و القطع العسكرية الفرنسية.
تذكر اندفاع أبيك، و أنت ابن ثلاثة عشر عاماً يحمل بندقيته يخرج ممتطياً ظهر حصان اشتراه منذ فترة، ويمم وجهه شمال القرية حيث علا ضجيج خيل الثوار الذين اجتمعوا من قرى الكرك، وأم ولد، والطيبة، و المسيفرة، و كحيل، والتحق بركبهم الذي قصد تجمعاً للجنود الفرنسيين.
مرهقة كانت الساعات تمر بكم، و أمك تحتضنك، و أخاك ابن الثلاث سنين تارة، و تتسلق سطح بيتكم تارة أخرى تنظر نحو الشمال تنتظر عودة أبيك، و أنت تؤخذ بالمشهد حتى آخر مدى ممكن لكنك كنت تظهر التماسك أمام أمك التي رشح القلق فوق رأسها، فأصبحتَ تسبح في فراغ، و لأنك لم تكن تعرف كيف تتوقع الأسوأ، فالحرب مكلفة على الجميع جلست تنتظر، و تزاحمك الأسئلة عما يدفع بهؤلاء الثوار، و والدك من بينهم للقتال ضد الجنود الفرنسيين ؟ لكنك كنت تدرك أن شجرة الكينا وسط الدار أصبحت وهج في الفؤاد فؤادك أنت، فما بالك بوطن تملؤه أشجار الكينا، و السرو، و الخروب، و الزيتون، و الرمان جنة كنت تسمع الشيخ بركات يتحدث عنها، وهو يلقنك الأبجدية، و بعض سور القرآن.
مساءً، و قد نَسِيتْ أمك تحضير قدر البرغل الناشف، فالخطب جلل، و القلق كان سيد الموقف بلا منازع كلاكما فوق سطح المنزل تراقبان خط الأفق شمالاً حيث خطوط الأرض المفلحة أسراب طيف باهت تطمس البصر الذاهل، فالقرية خالية تماماً بعد أن دخل الراعي يهش قطيعه الذي توزَّع على البيوت المتهالكة، فلم يبق غير الصمت، و صوت حوافر حصان أبيك وحيداً يركض نحو الدار
- أين أبوك يا أحمد ؟ !! صرخت أمك !!
قفزت من على السطح فاقداً الأمان حتى النهاية، و تبعتك أمك هابطة تركض نحو الحصان الذي دخل ساحة الدار حيث وقف أمام برميل الماء الممتلئ، و غبَّ منه حتى ارتوى بينما جمدت، و أمك، و سرت قشعريرة سقطت فوقكم، حيث رمت أمك بأخيك نحوك، و أمسكتْ لجام الحصان، و صرخت:
- أين تركته ؟ !! الأصيل لا يترك صاحبه !!
وتهافت الناس على صوت بكائها، و النساء شاركنها البكاء بينما اجتهد الرجال بإخفاء الأمر عن الجميع كي لا يصل الخبر إلى الدرك الذين لا يزالون يرزحون تحت أوامر الجيش الفرنسي، و مرت عليكم ليلة بطيئة، و النشيج يدِّون صفحةً جديدة في ذاكرتك الذاهلة.
هكذا، ودون أن تعرف السبب ثمة سعادة خفية كانت تستولي على كيانك، فتجد أن لا ضرورة لما تبديه أمك من هلع، و كأنَّ سيلاً من الأفكار السعيدة طفح فوق رأسك، و قلت لها:
- ( أبوي بعدو طيب ) !!!
- ( شو عرفك ) ؟ !!
باسماً قلت:
- ( ما بعرف لكنو بعدو طيب )
لم تقل لك أمك شيئاً لكنها نهضت، و حالة انكسار بادية على وجهها، ولم تكن مثلك متماسكة، فلقد بدا لك أنك تتجاوز مرحلة الطفولة، و بدأت تفكر كما الرجال، و كنت على صواب، فلقد دخل والدك قبل ولوج الفجر الدار مزهواً لأنه كان يوصل أحد الثوار الجرحى إلى بيته، و هو من أطلق الحصان أمامه، ففرحتَ لأن أباك ما زال حيا، ويملك حصاناً أصيلاً، ويمكن أن تتعلم ركوب الخيل.
ولم يفلح الدرك الذين كُلِّفوا بالبحث عن الثوار بالتعرف على أحد منهم، فجميع سكان القرى كانوا يتحينون الفرص لاحتواء الثوار، و يغدقون عليهم مؤونةً تكفيهم أياماً حتى إن بقوا بدون طعام.
و توالت السنوات القادمة، فحصد الثوار نتيجة نضالهم، وشهدت خروج الفرنسيين من بلدك، و أنت ابن ستة عشر عاماً، و هتفت مع من هتف أن بوركت السواعد التي لا تستكين، ولا تقبل الذلَّ.

*****
يعتصرك الألم، و الحزن العميق، و أنت تقف لتودع أمك، و أباك، فلقد ضاقت الأرض ذرعاً بمطر السماء القليل، وما تنتجه الأرض لا يكفي، و اضطر أبوك لبيع الحصان الذي كنت تتسابق مع أقرانك من وادي الزيدي إلى ساحة القرية، فقررت السفر إلى حيفا، وكأنَّ وهج الذاكرة يشتعل لذكر اسمها أمامك، ولأن الذاكرة تحتفظ بالكثير من التفاصيل الدقيقة لأزقتها التي استوعبت عبثك الطفولي عامين كاملين، واحتضنت مقامات نمو جسدك الشاب مشبعاً برائحة البحر، و عطر اليود كان اللقاء حميماً، وأسرعت فجراً نحو مكان الأكواخ المتناثرة على شاطئها، لكن ثمة شيء يدعو للتساؤل
هل حذفت تلك الأكواخ التي تعج بالصيادين من خارطة الذاكرة المشتاقة ؟ !!
و مخدوعاً كنت، فلقد تلاشت كل الأكواخ السعيدة من المكان، و ظهر بدلاً منها بيوت متلاصقة تعج بالمصابيح الموحشة.
أهذا هو المكان الذي ضمك عامين طويلين ؟ !!
ما الذي تغير حتى زالت الأكواخ المشبعة برائحة اليود ؟ !!
وان استولت عليك غرفة مربعة الشكل أنيرت بمصباح كبير لم يجد قلبك ألفة للسكن فيها، و لا محبة لجدرانها الجديدة، فخرجت نحو الساحة القديمة حيث كانت أمك، و أمامها قدر الخضار المطبوخ باللحم ينتظر الجائعين.
ثمة فرق هناك... لم تفهمه !!!
لكنك بحاجة لعمل، و كنت تواقاً لرمي كل التفاصيل وراء ظهرك، و تبحث عن عمل، فوالدك على أبواب الستين، وأنت الرجل ذو الطول الموروث عن جدك، و أبيك، و حمرة خديك تزينها الجدائل التي نزلت حتى تدلت من فوق كتفيك.
وعن طريق صديق حصلت على عمل بإحدى ورش نقل الأخشاب إلى الميناء لكنك كنت تتساءل، و أنت منغمس بعملك ما الذي يحصل لحيفا ؟ !!
مؤلم هو السؤال، و مؤلم عدم معرفة الجواب !!
لكنك عرفت، و عرفت الكثير الكثير، و أنت تغادر مطروداً من حيفا مع كثير من أهلها، و قد ذكرت ذلك بتفاصيل دقيقة لأمك التي استقبلتك أمام مدخل القرية، فقلت لها مسترسلاً:
- كنت أسكن في الخان المقابل للسوق حيث كنتِ، و والدي تعملون بتحضير الوجبات اليومية لعمال السوق، لكن بعد عودتي ثانية إلى حيفا بدأت أعداد اليهود تزداد كانوا يمرون كمارقي الليل نظراتهم خبيثة، حركاتهم مريبة، تصرفاتهم مدعاة للقلق، والتساؤل، وبدأت الحرب، ولم أكن أتوقع نتائجها؛ كانت قوية، والرصاص يوزع الرعب في الطرقات، وصمد أهل المدينة حين اشتد القتال، وأقول الصدق يا أمي لقد حدثتني نفسي بالعودة إلى أم الحطب، وتساءلت
لماذا أنا بينهم ؟
لماذا أنا وحدي من قرية أم الحطب عليّ أن أكون بينهم ؟
وكدت أستجيب لنفسي التي حملتني كثرة تساؤلاتها إلى الانسحاب مسرعاً، ومشيت مئات الأمتار باتجاه الطريق المؤدي إلى خارج المدينة، ودويُّ القنابل يسرع خطواتي لكني وقفت، ونظرت للخلف كانت الجثث متناثرة هنا، وهناك، ومن على سفح التل المقابل للسوق رأيت مجموعة من الجنود بسراويلهم القصيرة يدحرجون برميلاً ضخماً باتجاه الخان، وهبط البرميل، وارتفع معه صوت انفجار عظيم أتى على الخان، ومن فيه، فعدت مسرعاً نحو الخان تدفعني رغبةً لا أعرف كنهها، وأنا أصرخ:
- يا أولاد الحرام!!
- يا كلاب!!
- يا سفلة!!
ووجدت نفسي التقط بندقية أحد القتلى، ودخلت المعركة، في البداية لم أقتل أحداً، فأنا لم أحمل بندقيةً منذ ولدت، ولكن قبل نهاية اليوم الحزين كنت أرى بعض الجنود يسقطون، وأنا أطلق الرصاص نحوهم، فأدركت أني أصبحت أجيد استخدام البندقية لكن المدينة سقطت.
وفي الطريق كانت الهمهمة، وبعض عويل النساء يمزق الصمت الكئيب، ونحن نغادر على غير هدى تنقلنا خطواتنا نحو المجهول، وعلى مفترق طرق ترابية اقترب إلي صوت أنين عميق، فاعتليت ربوة صغيرة أبصرت منها شبحاً أسوداً يفترش الأرض تاركاً وراءَهُ سفح واد صغير، وجاف مغطىً بالشوك، فاقتربت منه، وإذ بامرأةٍ سحت دموعها على وجهها، وحين وقفت أمامها لتراني تحول بكاؤها عويلاً، وهي تقول:
- راحوا ! راحوا !
أشفقت عليها، وحملتها على ظهري، وهبطت الوادي مختصراً الطريق، وكتل التراب تنزلق تحت أقدامي بقوة، والعرق الدافئ ينعش روحي، وصعدت السفح مرة أخرى، وأنا أمسح عرقي بِكمِّ سترتي، والريح تحمل إلي من بعيد عبق زهر المشمش، فاستسلمت لهذا العبق البكر، وفتحت أنفي أستنشق هذا العبق ممزوجاً بعبق التراب، والثقل يزداد فوق كاهلي، ومعه يزداد تصبب العرق، وشعرت برأسها يدب فوق رأسي بقوة، فقلت لها:
- يمكنك النوم فوق ظهري إنْ كنت متعبةً.
- طيب سأنام.
وقطعت ثلاثة أميال أخرى، وبدأ اللهث، والتعب يظهران عليّ أكثر تحت تأثير الثقل المتزايد، وحملقت بعينين خائفتين بعد أن وقفت، فلم أعد أقوى على المسير كانت جدائلها تترقص أمام وجهي، ويدها تحط فوق كتفي، فقلت لها بعد أن قهرني التعب، وأصبحت خطواتي غير متزنة
- ما رأيك أن نرتاح قليلاً بظل تلك الشجرة ؟
وحين لم تجب اعتقدت جازماً أنها موافقة، فأنزلتها من على ظهري، فهبطت دون حراك كان وجهها ابيضَ كالثلج، وشفتاها مبتسمتان لكنَّ عيونها جامدةٌ لا حركة فيها تنظر إلى الطريق الذي قطعناه، فأدركتُ أنني حملتها مسافة طويلة، بينما هي ميتة !!!.
وتحت وابل من الرصاص، والقذائف التي كانت تطارد الجميع قادني طريقي لفخٍ مازال ماثلاً أمامي بكل رفة رمش، ونفس، وتعاظمت نفسي على الفرار، وأنا أرى مجموعة من المحاربين تقاتل ببسالة، فاشتركت معهم في القتال، وصددنا الهجوم الأول، ثم تكاثر المارقون من حولنا، فتراجعنا تحت تأثير غزارة نيرانهم، وأعدنا الكرة عليهم مرةً أخرى، ففروا أمامنا كالأرانب، لكني حين عدت وجدت نفسي صغيراً أمام شريف الحر يا أمي لقد سبقني إليها.
تفخر عائلة الحر بأنها قدمت أول شهيد في القرية، فالجميع يذكر يوم التحاق شريف الحر بالجيش الذاهب لحرب فلسطين، ويذكر الجميع أمه، وهي تمشي خلفه باكية ً تجمع التراب من تحت قدميه، وتضعه في حجرها، وانتظرت عودته طويلاً لكنه لم يعد مع من عادوا، وبقيت تنتظره وأوصت إن ماتت قبل رجوعه - لأنها لم تكن تصدِّق بأنه ميت - أن يدفنوا التراب الذي جمعته من تحت قدميه، فكان لها ذلك.

*****

استيقظ شحاده الحر يتلمس طريقه هابطاً نحو الشونة بخطىً وئيدة رافعاً رأسه تارةً، ويحنيه تارةً أخرى كأنه يرى الطريق بأذنيه تقوده عكازه نحو الباب الخشبي القذر، وفك عقدته، وتركه يرتطم بالجدار، ودخل في ظلمة ثانية، وتابع خطاه متحسساً حاصل القمح بيديه المرتجفتين بعد أن أسند عكازه عليه، وصعد على حجر متطاول كان قد أحضره معه من الوادي حين كان بصيراً، ووضعه قرب الحاصل، ولطوله الفارع استطاع بعد أن وقف عليه أن يتدلى، ويلمس مستوى القمح فيه، فراعه أن القمح لا يكفي مؤونة لنهاية العام، وعاد أدراجه نحو كانون الحطب الذي خبت ناره، فأوقدها، ووضع القدر عليه بعد أن ملأهُ بالماء، و حفنةً من العدس المجروش، وتركه يغلي، واتجه نحو الحظيرة، وملأ قفة من التبن الرديء، ووضعها أمام الحمار، فبدا له أن الحمار يعاف هذه الوجبة الصباحية الرديئة، فانتبه لذلك بتحسر، وقال:
-لن تتردد في أكلها حين يغلبك الجوع يا حماري المسكين!!!
وأطلق العنان لعكازه تقوده إلى جبر الخليل المختار الجديد، وهو في متناول اليد، وأواصر الصداقة تجمعهم من زمن بعيد، وقبل أن يصل إلى باب الدار بادر منادياً بصوت جهوري أجش:
- يا جبر الخليل يا جبر الخليل.!!
فأجاب من صحن الدار قائلاً:
- خير إن شاء الله، ما وراءك هذا الصباح يا شحاده ؟
ولج العجوز الدار، وكاد أن يسقط بعد أن تعثر بشيء ما لولا أن تداركه جبر الخليل، وهو يقول:
- على مهلك يا رجل لمَ العجلة ؟
- الجوع !!! الجوع !!! يا جبر الخليل !!!
- ومن يشبع الطعام في أم الحطب ؟
- حماري البارحة أكل قفتين من التبن !!!
- وأخيراً عدت لترهاتك يا شحاده !!ّ!
وصفعته الذكرى.. !
كان شحاده الحر كثير التندر، والضحك لكنه، ومنذ أن غادر ابنه شريف مع جيش الإنقاذ لحرب فلسطين، ولم يعد؛ امتنع عن الضحك حتى الابتسامة كان يبخل بها حتى مع نفسه.
وقال في نفسه:
- ماذا دهاك يا شحاده.. هل عدت للتندر، والضحك..، وشريف.. ألست والداً لأول شهيد في أم الحطب، وهاتان العينان قد اكتسبتا بياضاً سرق منها البريق، وأنت تبكيه، سحقاً لك، ولحمارك، سحقاً للجوع، سحقاً لِأمِّ الحطب، أين أنت الآن يا شريف ؟
وماذا تفعل في الملكوت الأعلى..؟ ترى كم رصاصة دخلت صدرك الشاب..؟
هل صرخت وأنت تستقبلها ؟
هل تألمت ؟
هل ناديت أحداً ؟
بل إن الله هو من ناداك، وهنيئاً لك تلبية النداء..
شريف ما أسعدني بك يا شريف لقد انحدرت من صلبي شريفاً، وهكذا تخيلتك، وأطلقت عليك اسم شريف، فلتهنأ، فلقد مت ميتة الشرفاء يا لحكمة الله يموت الشرفاء، وأبقى أنا عجوز أعمى، و حمار.
أطرق جبر الخليل، فلقد لاحظ الكآبة التي غسلت وجه شحاده الحر بسبب كلمة عابرة، وعنَّف نفسه على ذلك، وقال متردداً:
- ماذا هناك يا شحاده ؟
فامتنع العجوز.. ثم كرر:
- حباً بشريف أخبرني ماذا هناك ؟
- وهل هناك حباً أعظم من حب شريف، واستدرك بعد الله، ورسوله.
وهل تعتقد أنك تذكرني بحبه ؟
فقد ابيضت عيني، وأنا أبكيه ما زلت أراه بطوله الفارع، وشعره الأسود اللامع بعينيه البنيتين بضحكته التي أسمعها ليل نهار، وأضاف بعد أن تنهد:
- لا يذكر أسماء الشرفاء على حطام الدنيا الفانية، فالشونة شبه فارغة، و لن تكفي للموسم القادم !
- لا تحمل هماً يا شحاده سأقرضك كيساً من القمح.
- لا بأس سأخلطه مع كيس من الشعير، وربك يستر.
شهدت نهاية الخمسينات تطورات هامة في سورية، وكان أبرزها استقلال البلاد عن الفرنسيين وخسارة حرب فلسطين، وقد مهَّدت هذه التطورات الطريق لظهور، وإعلان بعض الأحزاب والحركات الوطنية التي دأبت على تنظيم خلاياها، وكان من أبرز مكاسب هذه الأحزاب، والحركات مطاردة فلول الإقطاع المتراجع، وتأميم قسم كبير من الأراضي الزراعية، وتوزيعها على الفلاحين تطبيقاً لمقولة الأرض لمن يعمل بها، وعلى الرغم من أن مزاجية الدرك بالتواطؤ مع بعض مخاتير القرى لعبت دوراً سلبياً، إلا أنها تبقى خطوة استطاعت الأحزاب أنَّ تطبقها على أرض الواقع.
الجفاف صفعةٌ مؤلمة تدمي القلوب، و تحرم الأطفال الجياع رغيف الخبز، و تبحث عمَّا تروي شوقك من التساؤلات، وأنت تبحث عن طريق نحو الفرار، فليست الذاكرة تتسع لأكثر من النشيج الأخير، فقد قصم ظهر الأمة، و شوه خريطة الضاد يوم خرج الناس من حيفا.
يشاركك والدك الرأي قائلاً:
- ما رأيك أن نذهب إلى مرج مطر ؟ !!
- مرج مطر !!
نهضت أمك كالفراشة ترقص على رؤوس أصابعها، تهمس في أرجاء الدار الواسعة، وتسرق ضوء القمر، و توزِّعه على كل الجهات، والفؤاد يخفق واعياً لهذه الكلمة يظهر على شكل فرح غامر، و مشتاق لِلَثم تلك الأرض، والتنعم برؤيتها.
تدور تعتصر السنوات السابقة بقبضة جبارة تعيدها إلى مرج مطر، حيث جدك، و خالتك، و أخوالك، فتقف خلفك، و تضمك مقبلةً كتفك الأيمن، فأنت صاحب القرار يا صاحب الجدائل الشقر
- نعم إلى مرج مطر يا عيني !!
متأبطةً فرحها تضم كل المساحات المنداحة منذ عشرين عاماً، ومسافات الطريق، و أنتم تركبون الحافلة تهيج بنفسها رغبة في الطيران أمامها، و الوصول قبلكم لأن كل شيء حتى الحنين ذهل، فلم يعد يحتمل دفق الأمنيات فأنتم في مرج مطر. !!
لاحقاً أدركت أنَّ أباك تعمَّد مشورتك للسفر إلى هناك رداً لبعض الجميل، فهو يريد أن يُرِي أمك أهلها، و يجعلها تتنعم بزيارتهم، و كما انه يريدك أن تتعرف على أقربائك، فأنت، و أخيك وحيدان بعده.
أول مرة ترى فيها جدك الضارب في الشيخوخة حتى النهاية يضمك إلى صدره كأنه سيفتقدك بعد قليل، و تراه يقبض على يد أمك غير مصدق أنه رآها قبل أن يحجز سريراً تحت الثرى، وكم كانت فرحتك كبيرة، فقد كان جدك يمارس مهنة قَلَّ من يجيدها، و علَّمك بعضاً من أسرارها، و أنت تنعم برفقته بدكانه المتواضع، و أصبحت تعينه بصناعتها حتى مازحك بقوله:
- إن تركتك شهراً آخر في هذا المحل ستصنع محاريث أمتن مما يصنع جدك يا أحمد !!
لقد أجدت صناعة المحاريث لكنك لم تعمل بها، و لم تأخذ بلبك كجدك، فتعاهدت حفر الآبار هناك بهمة عالية، و فرحت أمك بلقاء أختها دلة، و أخيها محمود الذي أغضب والدك أي غضب !!
كان والدك بعينه التي لا تخطئ يطمح بتزويجك من رمزية ابنة خالك ياسين التي ماثلت أمك طولاً، وجمالاً و رقة صوت رخيم لكنَّ خالك رفض ذلك حين تقدم لخطبتها لك دون علمك، و لم يخبرك حين سألته عن سبب تكدره، وهو يعود من بيت خالك، و قرَّر العودة إلى أم الحطب وحيداً الأمر الذي حدا بأمك إلى مرافقته العودة، فهو زوجها، و لن تجد أدفأ من صدره، فودعت جدك، و خالك، و عادوا إلى أم الحطب بينما بقيت تتابع العمل هناك.
ولم يدم عملك طويلاً هناك فلقد أرسل إليكم بالعودة سريعاً إلى أم الحطب حيث الصفحة تلو الصفحة تضاف إلى ذاكرتك الواهنة من وقع الخبر.
نعم مات أبوك !!
مثل جميع البشر يجب أن يموت أبوك !!
كانت القرية تعيد تأكيد جدارة جبر الخليل بمنصب المختار بعد انضمام عائلة سليمان الخالد، و عائلة الحر إليه، و بما أن لا قيمة عددية لعائلتك، فلقد جلس والدك ينتظر الفائز بمنصب المختار ليشارك الأكثرية رأيهم؛ ويسير مع الركب لكن الفرحة لم تكتمل، إذ مات والدك بشكل مفاجئ أذهل أمك، و أخاك لكنك كنت قد كبرت، و تعاملت مع الموقف برجولة.
كذباً كان ذلك، فقد كنت تجلس وحيداً أعلى الشجرة تنشج، و تنهر الذاكرة العصية على استرجاع كل اللحظات التي قضيتها معه لأنه تركك وحيداً، وكنت تحلم برؤية صالح بن هلال الشحرور الذي كان يجلس مكانك سابقاً لكنك لم تره بعد، و مرت عليك سنة حزينة أحزنها أكثر قحط عام جديد خلق طفرة لم تكن معهودة في قريتكم، إذ عقد العزم ثُلّةٌ من شباب القرية، وهم كُثُر على السفر إلى بيروت، فكانت القرية تودع كل يوم ثلة من شبابها راحت تطرق باب المجهول لتبتلعها المدينة بكل ما تحويها من زينة، وبهرجة، و ضياع، وكنت أنت واحداً منهم.
أما مصطفى، والذي وقف والده أمام رغبته في السفر معهم، فقد وجد في بقائه سبباً ليقضي وطره بالبقاء قرب فخرية، وكانت ضريبة ذلك تحمُّل مشقة العمل مع والده بينما سُُمِحَ لإخوته الثلاث بالانضمام إلى جموع المسافرين.

****







الصفيح

في الصباح الباكر كنت حزيناً، و أمك مطرقة مستسلمة لكابوس مرعب أقلقها، و أنت ترنو نحو صورة واحدة لوالدك ترافقك بِحلك، و ترحالك لكنك، فوجئت بسيل من الصور تنداح أمامك، و صوت شحاده الحر الأجش يناديك مصطحباً أحفاده الأربعة يتوسط ساحة القرية يحمل كيس خيش ملئ بملابس الصغار، و ينتظر مع من ينتظر معك قدوم باص الشربجي الوحيد يمر على القرى المتناثرة يجمع ركابه لايصالهم إلى العاصمة، وعلى الرغم من محاولات جبر الخليل المتتالية منعه من المخاطرة، والسفر إلى بيروت بصحبة أحفاده الصغار إلا أنَّه منح نفسه فرصة المحاولة، وترك الأمور ليد القدر تعبث بمن حرمتهم أم الحطب، وجرادها رغيف الخبز.
وما إن سمع شحاده الحر صفير الباص يملأ الساحة حتى أيقن أن الأمر ليس بهذه البساطة لأعمى يصطحب أربعة صغار قرر طرق باب المجهول بحثاً عن الرزق لأحفاده الذين تركتهم أمهم بعد استشهاد والدهم لتنعم بزواجٍ قد لا تناله عذراء صغيرة السن.
وليست العذارى بأجمل منها، فهي رغم ولادتها لأربعة أطفال لا زالت تحتفظ بجمال حسدها عليه عذارى القرية الأمر الذي أوقع سعيد الخلف بحبها؛ وتكلل هذا الحب بزفافها إليه على ظهر حصانه الأبيض، ولم تمح من ذاكرة القرية، و ذاكرتك يوم زفافها بعد أن بدأت تعتلي صهوة الحصان كيف ركض ابنها الأصغر صابر ليتعلق بثوبها؛ باكياً، وانتهت الحادثة بأن قامت بركله لتبعده من أمامها وإلى الأبد.
لا يُعرف بالضبط لمَ قامت جميلة ( زوجة شريف الحر ) بإبعاد ابنها صابر بركلة قوية أوقعته على الأرض متألماً، فقد عرف عنها حبها الشديد له، وإن قالت فيما بعد مبررةً فعلتها بأنَّ صابر قد تعلَّق بسروالها بدل ثوبها، وكاد أن يُخلِعَها إياه، وخافت أن يفضح عورتها أمام الناس لكنها أردفت إنَّ زواجها من سعيد كان بهدفين نبيلين أولها سترتها من ألسنة الناس، فهي ما تزال صغيرة، وجميلة بشكل كبير، وثانيها أنَّ سعيد الخلف كان ميسور الحال، ولن يمانع إذا ما نال أبناؤها ساقية من نهرٍ جارٍ.
وهذا ما حصل فعلاً، فقد تنعم الأطفال بهذه الساقية سنتين كاملتين حتى، ولدت ابنها الأول حامد من زوجها سعيد، حيث أجبرت جميلة على تجفيف هذه الساقية شيئاً، فشيئاً، وإن شاب هذا الجفاف بعض الرطوبة التي لاتسمن، ولا تغني من جوع.
كانت تلك التفاصيل غيضٌ من فيضٍ أخبرك إياها شحاده الحر، وهو يحتضن أحفاده حيث احتلوا المقعد الأخير في الباص ليقطعوا الخطوة الأولى برحلتهم الطويلة بوصولهم إلى العاصمة حيث حظي الصغار بمساعدتك لاحتلال مقعد أخر لسيارة أجرة نقلتهم إلى بيروت ليسجِّل شحاده الحر نفسه كمغامر عنيد، ويرعى أحفاده الصغار، ويعينهم على مصارعة الحياة، وظروفها والذي لم يتجاوز أكبرهم محمد الثانية عشرة من عمره.
ومحمد هذا، والذي شابه أمه بلمحة الجمال على وجهه، إلَّا أنَّه كان يملك سمات حادة علت جبينه العريض بصمته المعتاد رغم حداثة سنِّه الأمر الذي أثلج صدر جده، وكثيراً ما كان يردد أمامك قائلاً:
- هذا محمد هو عامود بيت الحر !!
وحين وصولكم إلى بيروت تهافت الجميع ممن سبقكم إليها للسلام عليكم، والاستماع لأخبار الأهل، والأحباب، وأمضيتم ليلة متخمة بألذ الطعام، فواجب الضيافة قد قام به شباب أم الحطب للشيخ الكبير، و صحبه لكنه حافظ على يقظة مطبقة حتى سماع صوت المؤذن يدعوا الناس لصلاة الفجر بينما نام الأولاد بعمق.

*****
وأخيراً بيروت.
وبغرفة من الصفيح الساخن أمضى شحاده الحر أسبوعه الأول صامتاً لا يتحدث، إلا قليلاً يراقب المارة بأذنيه الكبيرتين يتحسس خطواتهم بحذر، وحكمة يقلِّبُ، ويُرتِّب أفكاره على مهل محافظاً على صمته، وحك أذنه بشكل أدماها عدة مرات دون أن يلحظ ذلك.
اقترب حفيده محمد يمسح بقايا الدم من على أذنه، وهمس فيها، وهي المعتادة على السمع المرهف، وقال له:
- جدي لما صمتك المخيف هذا ؟؟
رفع الجدُّ يدَ الصغير عن أذنه، وضغط عليها برفق، والصقها بخده الأيمن، ومررها على وجهه، وأسكنها فوق شفتيه، وقبلها بعد أن تنشقق رائحتها بعمق، وقال:
- هل تفكر بما أفكر فيه يا بني ؟؟
- نعم يا جدي !!
- فما الحل برأيك ؟؟
- بسيطة يا جدي من الغد الباكر سأعمل أنا، وأخي سليم
- وماذا يحسن سليم ذو التسعة أعوام ؟
سحب محمد يده من بين أصابع جده الضعيفة بعد أن قبلها، وقال:
- يمكنه بيع الكعك للمتنزهين على شاطئ البحر، فالوزن خفيف، ولا حاجة لرأسمال كبير، وأنا سأحمل سلة في السوق، وأنتظر من يبحث عن حمال لنقل مشترياته.
كان العجوز يصغي إلى حفيده ويهزُّ رأسه، فليس لديه غير هذا الحل، وإن شقَّ عليه صعوبة مثل تلك الأعمال على صغار لم ينالوا تعليماً، ولا رعاية أبوين.
في صباح اليوم التالي تكفَّل الحفيد الأكبر مسؤولية الذهاب إلى فرن الكعك، والاتفاق مع صاحبه الخواجة طوني على أن يعمل سليم ببيع الكعك مقابل ربح بسيط على كل قطعة، وبشكل فوري، وأهداه قبعة قش كبيرة تقي رأسه الصغير من أشعة الشمس الأمر الذي أدخل سعادة غير مسبوقة على قلب الصغير.
وأما محمد، فقد اعتاد حمل السّلة في السوق لساعات طويلة يرجع آخر النهار، وقد ملأها من الخضار، وبعض الفواكه تكفي لإطعام العائلة، وتسديد أجور غرفة الصفيح الساخن لكنّه، وبدون علم جده كان يخفي قسماً من إيراده اليومي لأمر ما كان قد عزم عليه، ولم يخبر أحداً به.
وأمضت العائلة شهرها الأول اكتسب الحفيدان ياسين، وصابر صحة، وتورد خداهما فقد دأب أخوهم الأكبر على اتخامهم بشتى أنواع الطعام بما فيها اللحم، وشعر الجد بسعادة غامرة.
رغم هذه السعادة الغامرة كان الجد يمضي نهاره مترقباً خائفاً يدمي أذنه، وهو يحكها بانتظار عودة الصغار، فالمدينة كبيرة، وقد تبتلع الصغيرين اللذين لا خبرة لهما بطرقها، وشوارعها المكتظة، ولا بخليط سكانها الأمر الذي أورث ندبة دائمة النزف بأذنه فشل الصغار جميعاً على منعه من حكها، فتركوه لقلقه يتصارع معها كل يوم، وغالباً كانت تنتصر عليه.
حتى جاء يوم دخل فيه محمد الحر مرحلة قد تكون كبيرة على من هو في مثل سنه حيث وجد الدم النازف من أذن جده تثير القلق، والاشمئزاز ممن يراها، وإن قلّوا، فقام، وأجبر جده للذهاب معه إلى الطبيب، وهي المرة الأولى التي يدخل فيها العجوز المُسِنُّ عيادة طبيب حيث خضع لعلاج تكلل بوقف النزف، وإن بقيت الندبة واضحة الملامح كان العجوز يتلمسها برفق يشوبه بعض الأحيان رغبة جامحة لحكها دون أن يعرف أن قلقه على أحفاده يقف خلفه.
إن هذه الخطوة لم تكن وليدة ساعتها لأن الطبيب الذي عالج الجد داوم على استئجار محمد، وسلَّتهِ لحمل حاجياته اليومية من السوق، وتجرأ الصغير بعد أن عرف مهنته على عرض قصة جده عليه، فنصحه بإحضاره إلى عيادته، ووعده بعلاجه مجاناً، وتوطَّدت علاقته بالطبيب حتى وصلت إلى حد تكليفه بالتسوق عوضاً عنه إذ كان يمر صباحاً على منزل الطبيب، ويعرف ما يحتاجه، فيحضره له، وهذا الأمر منح العائلة قسطاً وافراً من أنواع الطعام والثياب المستعملة التي كانت تهدى إليهم من زوجة الطبيب خصوصاً بعد أن عرفت قصتهم من زوجها.
وشهدت تلك السنة وفوداً كبيرة من أهالي أم الحطب سكنت ضواحي بيروت حيث غرف الصفيح الساخنة بطرقها الضيقة، والقذرة تجمع شتات من أسف على فقر، وبؤس من بقي في تلك القرية النائية يصارعون خمس سنوات من الجفاف، والقحط تم تجاوزها بما قدر عليه قاطني غرف الصفيح من العمل في ميناء بيروت، والذي كان له فضل كبير بتأمين العمل لأكثر من ثلاثمئة عامل رفدوا أم الحطب بكثير من المواد الغذائية، والحاجيات.لكن المدينة أدهشت نظر محمد الحر الحفيد الأكبر، وجعلت منه شاباً دربته الحياة كيف يكون رجلاً حقيقياً يرعى أسرة كادت أن تتشرد، وتضيع مثل كثير ممن ضاعوا، لكنَّ الجسد كبر حتى استحال تحمله، فعدت مسرعاً تريد الزواج خبرٌ أسعد أمك، فهمست بإذنك عن فتاة لمحتها، فالذكريات وشم يختزل الكلام، و يندفع يلحق به حتى النهاية، فكانت ليلة عرسك دفء حنان، و عنفوان شباب طلب الراحة ثلاثة شهور كاملة قبل عودتك إلى بيروت، حيث البحر، و حسين العلي بانتظارك لتبدأ مرابعة جديدة.

*****

مصطفى، ولأنه أُجبَر على البقاء في القرية يصارع بمحراثه العتيق الأرضَ القاحلةَ كان أشدَّ سعادةً ممن بُهِرَ ببيروت، وبهرجتها، فقد كانت فخرية بالنسبة إليه الدنيا، وما فيها، وقد اكتسب جرأةً في مواعدتها كلَّ يومٍ خصوصاً بعد الوفرة المادية التي كان لإخوته الثلاث الفضل في جمعها من العمل في سوق الخضار الرئيس كبائعين، وإرسالها لوالدهم الذي تحسنت علاقته مع جبر الخليل بشكل كبير.
وعيسى، الذي هجر أرضه بعد سفر أولاده الأربعة إلى بيروت كان يمضي النهار يجلس قُبالة زوجته التي ترهلت بشكل كبير، وأصبحت غير قادرة على حمل عجيزتها التي تضخمت، فأصبحت مثار تعليقاته الدائمة بين الرافض، والمغرم حتى بدا لها أن تطرح فكرة طلب ابنها الأكبر عليان للمجيء إلى أم الحطب لتزويجه بعد أن فشلت ركبتاها في حمل هذا الجسم الكبير، فكان لها ذلك، وزوجته من سليمة ابنة جارتها، ولم تسمح له بالعودة إلى بيروت، إلا بعد أن أثبتت قابلة القرية أن زوجته حامل في شهرها الثالث.
هلال الشحرور، والذي امتدت تجارته، وتوسعت بشكل كبير كان يراقب وصول صالح إلى المرحلة الثانوية بفرحة، وترقب، فقد أثبت له الطبيب بعد معاينته له إثر نحول صحته بشكل كبير أنَّه مصاب بداء السكري، ولا علاج إلا الحمية القاسية الأمر الذي أدخل الخوف في نفسه من الرحيل قبل أن يرى صالح كما كان يريد له أن يكون.
لسنوات لاشيء في أم الحطب يثير الاهتمام سوى الخلاف الذي نشب بين عائلة الطحان، وسليمان الخالد على حدٍ بين حقولهم القاحلة، وتطور الخلاف لمشاجرة كبيرة كلَّفت الفريقين عدداً من الجرحى، وخسائر مادية هدرت ما جمعه أبناء العائلتين في بيروت رشىً للدرك، والقائم بأعمال السرايا في المدينة مع أنَّ الخلاف شارف على الحل، إلا أنَّ سليمان الخالد الذي تملك عائلته عدداً قليلاً من الرجال أقدم على شيء ما سبقه إليه أحد حين أقدم على التواطؤ مع الدرك لجمع الفريقين في مكان محايد بخيمة في ساحة القرية، والسماح له ببدء نقاش ساخن حتى يتسنى له صفعَ كبيرِ عائلةِ الطحان الأمر الذي يعد انتصاراً كبيراً مهما كانت توابعه، وكان له ذلك، فنشبَ النزاعُ بشكلٍ حادٍ، وكاد أن يصل إلى حيث يقيم أقرباء الفريقين في بيروت لولا تدخُّل جبر الخليل، وعلي المصطفى، ومصالحة الفريقين بعد جهد كبير، وتخلف هلال الشحرور عنهم كان يرد لتدهور حالته الصحية وقتها، ونصحه الطبيب بالراحة، والاسترخاء.

*****

شاطئ البحر يستهلك ساعات نهار سليم الذي أصبح صوته الرقيق ينادي، وهو يحمل دف الخشب فوق رأسه ( تازه الكعك تازه ) يلبس سترة واسعة الجيوب تثقلها القروش التي أصبحت تتهافت عليه من زوار الشاطئ كل يوم، والتي غطّت مصاريف العائلة، وأجور غرفة الصفيح، فكان الحفيد الأكبر يجد متسعاً عريضاً لإخفاء ما يجمعه من سلة العمل بتكتم شديد لم يلحظه أحد من أهالي أم الحطب ما عدا جده الذي أخفى معرفته لذلك، ومراقبة ما يفكِّر به عامود بيت الحر.
ولم يتأخر الحفيد الأكبر على مفاتحة جده، فيما قرره إذ جلس بجانبه بعد أن خلد الصغار إلى النوم، وقال لجده الذي تحفز للاستماع، وبكل بساطة أذهلت الفكرة الجد، وجعلته يقف مستنفراً يردد مندهشاً
- ( شو بدك تفتح مطعم ) ؟؟!!
وقف محمد ممسكاً يد جده، وقال:
- نعم يا جدي أريد أن أفتح مطعماً وفوراً !!
واستفسر الجد عن كل شيء كان محمد يتكلم كرجل بالغ دربته الحياة بشوارعها، وأزقتها الضيقة، فشرح الفكرة لجده الذي هبط على الأرض جالساً مندهشاً تملأ صدره الغبطة، والفرح، فقد صنع الرجل الأول، ولنكن منصفين، فقد صنع الرجل الأول نفسه بتميُّز.
يشهد أهالي أم الحطب، والمقيمين منها في بيروت خصوصاً على أنَّ المشروعَ الذي عزم الحفيد الأكبر على تحقيقه لم يخطر ببال أحد لأنه لم يفتتح مطعماً كباقي المطاعم المعتادة، فقد كان يخطط محمد بصمت وهو يراقب ازدياد عدد سكان قريته في بيروت في الفترة الأخيرة، و لمعت الفكرة برأس
والفكرة جداً بسيطة، فعدد من قدم من أم الحطب، وعمل في ميناء بيروت قد تجاوز الثلاثمئة، وجميعهم ينهون أعمالهم مساءً، ولن يمانعوا إذا ما كان أحدهم ينتظره بطعام جاهز يوزع على غرف الصفيح ساخناً يريحه من عناء تجهيزه، وتنظيف أدواته، فباشر العمل، و قبل الجميع بمن تطوع لخدمتهم و تأمين وجبة دسمة مقابل قروش قليلة.
كان يبكر كل يوم إلى السوق الذي أصبح يعرف خباياه ويتسوق أنواع اللحوم، والسمك، والخضار، ويدأب على تجهيز وجبة ضخمة تكفي الجمع الهائل مستخدماً أخويه ياسين، وصابر لإيصال وجبات الطعام إلى غرف أبناء قريته الذين أصبحوا زبائن دائمين كلَّفه ذلك إجبار سليم على ترك دف الكعك، والمشاركة في عمل المطعم المميز.
كان محمد قد أخفى على جده أنَّهُ كان يجلس ساعات طويلة يراقب زوجة الطبيب بعد أن كان ينهي تسوقه لهما، وهي تحضر طعام الغداء لأسرتها، وكثيراً ما كان يندفع ليساعدها مخفياً حبه لتعلم طرق تحضيرها للطعام لكنه عاد، وأخبر جده حين سأله متى تعلم إعداد مثل هذه الوجبات التي أذهلت زبائنه.
كان مطعم محمد الحر حديث مجالس أم الحطب خصوصاً بعد أن قرر مديره المتميز الزواج ذاك الخبر الذي أجهش الجد باكياً حين طلب إليه محمد أن يختار زوجة العمر، ولم يُدِمْ الجد التفكير إذ نصحه بفاطمة بنت سليمان الخالد، والتي تصغره بخمسة سنين، ولم يتوان محمد في إرسال جده بسيارة خاصة إلى أم الحطب، وخطبتها بشكل رسمي، والعودة بها عروساً إلى بيروت لتبدأ مرحلة جديدة من حياة العائلة.
لم يكن محمد راغباً بالزواج، فقد كان يطمح لعضو آخر ينظم إلى طابور المطعم المتميز، ولأنها لا تجيد فن طبخ المطاعم اكتفت، وهي لا تزال عروساً دخلت غرف الصفيح بقوامها الطويل بيضاء البشرة، وشعر أسود فاحم بتذوق الطعام الذي يحضره زوجها بمهارة عالية ملأت صدرها غبطة كبيرة على حظها المميز بمثل هكذا زوج.
لكنَّ الأمر لم يدم طويلاً، فبعد أيام معدودة من شهر عسل حميم، وجدت نفسها تغرق ببحر من الأواني، والأطباق، والقدور الكبيرة تستهلك نهارها مع نصف ليلها ترقد بعدها مرهقة لا تقوى على شيء، وكثيراً ما خلدت للنوم دون استحمام الأمر الذي بدا يكسب رائحة عرقها بروائح الطعام المقلي، ودهون اللحم المطبوخة، ولم ينتبه محمد إلى هذا الأمر لأنه غالباً ما كان يسبقها للنوم ليصحو فجراً، ويبدأ رحلة التسوق المضنية.
تذكر صباح كل يوم كيف كان يتجمع سكان أم الحطب مع غيرهم من العمال أمام بوابة الميناء الكبيرة ينتظرون وصول أرباب العمل لتبدأ رحلة البحث عن رب عمل ينتظر باخرة، أو حمولة تصل للميناء، وغالباً ما يحصل الجميع على ذلك إذ كثرت البضاعة الواصلة للميناء، وأصبح الكل يلتزم مع رب عمل لا يفارقه، وتوطَّدتْ العلاقات بينهم حتى أصبح أحدهم يعرف باسم رب عمله، ومنهم من حصل على وظيفة مراقب عمال يختار العمال، ويضع الشروط على عملهم، وبرز من هذا الجانب كما صار ينادى المعلم حسين العلي، وحسين العلي هذا شاب معافى حصل على فرصة من تعليم متدني، فأحسن الكتابة، والقراءة، وبعض الحساب الأمر الذي منحه فرصة ذهبية جمع من خلالها ثروة لا يستهان بها من خلال عمله كمراقب عمال، ومحاسب ليومياتهم عند الخواجة شربل صاحب المستودعات الكبيرة، والتي كان يخزن بها كماً هائلاً من الحبوب، والبقول المستوردة.
كانت أجرة العامل وقتئذٍ لا تتجاوز الليرة اللبنانية الواحدة، وكان الخواجة شربل يبحث عن رجل يكفيه مشقة البحث عن عمال، وتوزيع أجورهم اليومية، فحظي حسين العلي بهذا المنصب، ولأنه صاحب القرار في اختيار العمال، فقد أعلن للجميع عن مقدرته تأمين العمل للجميع طيلة الشهر بأجرة يومية هي ثلاث أرباع الليرة، فتهافت العمال عليه من كل حدب، وصوب الأمر الذي جنى من وراءه ثروة طائلة على حساب عرق العمال، وتعبهم مع أنَّ العمال علموا بالأمر لاحقاً إلاَّ أنهم لم يقدموا على أي تصرف، بل اكتفوا بالسخرية منه، فيما بينهم بتقليدهم له، وهو يدفع لهم الأجرة مردداً بلكنته المعهودة كونه ألدغ قائلاً:
- ( إلا يبع ).
فخري الولد المدلل عند أبيه، ولأنَّهُ ابن المختار مكث لا يعمل شيئاً ما عدا الاهتمام بمظهره، والتنعم بما كان يكسبه أخوه كريم الذي التحق بطابور عمال الميناء بصفة مراقب عمَّال أيضا، ولكونه ابن المختار، فقد افتتح غرفة ضيافة كبيرة من الصفيح الساخن يقدم لأهالي قريته القهوة المرة مساءً بعد وجبة العشاء الدسمة التي توزع عليهم من مطبخ محمد الحر، ولم يكن يشابه حسين العلي باقتطاع نسبة من أجورهم بل إنَّ ربَّ عملهِ وجد فيه خُلقاً كريماً، وصاحب عمل مجد، فأغدق عليه أجراً متميزاً، وكثيراً ما انسحب من طابور حسين العلي عمال، والتحقوا بطابور كريم الذي حصل مؤخراً على مكافئة مجزية من رب عمله الخواجة ميشيل مما دفعه إلى افتتاح مخبز متواضع عمل فيه أبناء عمه الخمسة تحت إشراف الأكبر بينهم كمال المعروف بجدائله التي أطلقها لتصل إلى دون كتفيه.

*****

وقف مصطفى بعد تشجيع والدته أمام والده تكسو وجهه مسحة خجل دافئة بعد أن صارح والده بنيته الزواج من فخرية بعد أن أصبحت حكايته معها مثار بلبلة بين نساء القرية، وفتياتها، فسارع علي المصطفى، وخطبها من والدها الذي طلب مهلة لاستشارة أخيه أبو كمال الذي مانع هذا الزواج بحجة أنَّ فخرية هي من حق ابنه الكبير كمال.
كان علي المصطفى يعرف أن أبا كمال لن يوافق على زواج مصطفى من فخرية ابنة أخيه، فكمال شاب أحق بها من غيره تماشياً مع العادات السائدة في الريف السوري لكنه تقدم لخطبتها لأبنه كونه قد تزوج بعد علاقة حب حميمة، وأدرك أنَّ الحب إن ملك قلب إنسان قبل العبودية لمن يحب.
خيم الحزن على قلب العاشق، ونحل جسده، وهو يراقب نجوم السماء، ولم تعد لديه رغبة في شيء، فانطوى في غرفته مستسلماً لفراش المرض بعد أن سمع أنَّ أبا كمال قد أرسل بطلب ابنه من بيروت لتزويجه من فخرية، وفشلت جهود والديه تعرض طابوراً من فتيات القرية، وفيهن من تساوي فخرية بالحسن، والجمال، فألجموا، والحزن يعصر قلوبهم، واكتفوا بالدعاء إلى الله.
وحين وصل كمال من بيروت برفقة كريم، وبعض أقربائه يرسل جدائله السود بحلة أنيقة وثياب مدنية أدركت فخرية أنَّ الحلم قد انتهى، وجاء وقت الحقيقة، وفشلت في إقناع أخيها كريم بعدم رغبتها في الزواج من كمال لكن عصا الطاعة ذللت كل الصعاب، فاستسلمت الحمامة الوديعة، وأقيمت حفلة الزفاف.
اقتنع علي المصطفى برغبة ابنه السفر إلى بيروت للالتحاق بأخويه ممدوح، ويحيى، ووجدها فرصة يروِّحُ بها عن نفسه بعد أن فقد حبيبته فخرية، فبيروت مكان لمن أراد أن ينسى الحزن، وشواطئها متخصصة بمداواة جروح العاشقين.

*****














الكنز

السنابل تنحني دوماً في فصل الصيف هكذا قلت لنفسك، و أنت تنظر إلى هلال الشحرور حين دُعي مع عائلته الصغيرة إلى حفلة الزفاف، فوجئت أم الحطب بنحول جسده، وتدهور صحته يتكئ على عكازه يظهر التماسك من خلال ابتسامته يوزعها على أهالي قريته واحداً بعد الآخر حتى وصل إلى كرسي وسط الخيمة الكبيرة، فتهالك عليه جالساً، وبقربه ابنه صالح، وضحك بصوت عالٍ، وهو يقول لجبر الخليل مداعباً، ومواسياً نفسه:
- المهم أن نحصل على قبر تحت ضوء شمس أم الحطب !!!
ألجمت العبارة جبر الخليل، فقد عهد هلال الشحرور رجلاً قوياً معافى، فأطرق ملياً لكنه واسى صديقه الحميم بأن ربَّت على كتف صالح قائلاً:
- إذا كان لهلال الشحرور ولد مثلك، فلا يجب أن نخاف عليه !!!
تقدمت نحو صالح تود التعرف عليه، فقد سمعت عنه الكثير، ولا بد أنه سمع عنك أيضاً، فلقد سكنتم تحت شجرة واحدة، و تسلقتم جدران بيت واحد، و تجمعكم أم الحطب الواحدة تحت ضوء قمر واحد فالتفت نحو هلال الشحرور، و قلت مجاملاً:
- اهنيك على هكذا ولد يا أبا صالح
تمالك هلال الشحرور نفسه، وابتسم للإطراء الذي حصل عليه ابنه، واستدار ليسلِّم على علي المصطفى الذي حافظ على صمته الحزين لحال ابنه لكنَّهُ همس في أذن الضيف رغبته باستضافته، فهناك الكثير من الكلام.
وأتخمت الوليمة الكبيرة أهالي القرية السعداء، فطفرة النقود التي ملأت جيوب الكثيرين منهم إثر سفرهم المتكرر إلى بيروت سمحت ببذخ الموائد الدسمة فرحاً بزواج كمال من ابنة عمه فخرية، وكمال ذو الجدائل السود ليس بأقل من مصطفى، فهو شاب معافى بهي الطلعة يملك عينان سوداوان، و وجه أبيض محمر حلمت كثير من فتيات القرية بالزواج منه خصوصاً هند ابنة كبير عائلة الطحان التي شغفت به حباً، وكثيراً ما أرسلت إليه أختها الصغرى محملّةً إياها منديلاً مطرزاً جهدت في تطريز الورود الحمراء عليه بتأنٍ، ورويةٍ يساوي حجم حبها له، وحلمها بالفوز به، وإن حصل لها ما حصل لفخرية، فهي ما زالت تحبه، وتتحين الفرص لرؤيته الأمر الذي جلب لها المتاعب مع زوجها بعد تفشي دعاية بأن كمال يواعدها من وراء زوجها، ووصلت لحد الطلاق مما اضطر صاحب الدعاية إلى القسم كذباً ليصلح حال الزوجين.
مع أنَّ أهل أم الحطب يعرفون أنَّ كمال كان يواعد هند سراً إلا أن الحكاية طويت بيمين ٍ كاذب امتنع كمال بعدها عن مواعدة هند التي لم تنجب حتى زواج كمال من فخرية مع أن حماتها داومت على الذهاب معها إلى قابلة القرية بحثاً عن علاج ينهي بؤس ابنها الذي يطمح بإنجاب طفل يحمل اسمه بين الناس.
وقد تردد بين فترة، وأخرى عن نية زوجها الزواج من ثانية إذا لم تنجب هند هذا العام الأمر الذي أقلقها، وعكَّر صفو بيتها، وحرمها من قضاء وطرها من زوجها كما كانت مثيلاتها تدعي أمامها.
وعلى ضوء قنديل أبيض جمعت أرجاء الغرفة كمال، وفخرية، وسلمته جسدها، وروحها تنظر نحو بيت مصطفى الذي وصل إلى بيروت دون أن تعلم بذلك بينما كان كمال يوقع صك امتلاك فخرية؛ والى الأبد.
البحرُ صباحاً يقدِّمُ برحابة وجبة الإفطار لطيور النورس، وسطح الماء يلتصق بآخر السماء يحمل قوارب الصيادين تتناثر كبقع رمادية فوق موجه الوديع، وتركت الصخور نفسها حيث احتل مصطفى إحداها تنعم بمداعبة تلك الأمواج حزيناً، شارداً، بسطحه الواسع، وعينيه ترقب سفينة أبحرت مبتعدة حتى كادت تلتصق بالسماء، ودخانها خلفها يشكلُ غيمةً سوداء صغيرة يرسم هيكلاً مجهولاً.
فوجئ مصطفى بأخيه ممدوح يقطع عليه شروده يحمل بيده كعكتان قدّم إحداها له، فقبلها بصمت، وقال ممدوح:
- هكذا الدنيا يا رجل لا تقف عند من يتوقف، أنت الآن في بيروت عيش يا أخي !!
حافظ مصطفى على صمته، وهو يلوك لقمة من الكعكة، ويهز رأسه باستسلام
ثم قال ممدوح:
- أم الحطب ليس فيها غير الحطب سأدعوك مساءً إلى ما ينسيك نفسك !!
وأمسك به من يده، وسحبه إليه، وعانقه، وطلب إلية العودة إلى غرفة الصفيح حيث ينتظر الجميع وجبة شهية من مطعم محمد الحر، فوافق بعد ممانعة، واستطاع ممدوح في طريق العودة أن يجعله يضحك حتى سالت دموعه على خديه خليطاً من فرح، وحزن دفين.
اصطحب ممدوح أخاه مصطفى إلى ما أدهشهُ دهشةً لم تنتابه قط فقد أمضى عمره محاصراً بشوارع أم الحطب بينما بيروت تنعم بمساحة من الفرح توزعت بشوارعها، وأماكن التنزه، والتسلية.
أولها السينما. عالم أدهش مصطفى، ففي أم الحطب لا كهرباء، ولا ماء، ولا شوارع منظمة، أما في بيروت صعق بما رآه في السينما.
جلس لأول مرة مندهشاً من رحابة الصالة، وانتظام مقاعدها، وفوجئ بالظلام الدامس يدفنها ليصعق بالجدار يتحول إلى حياة تملؤها الأحداث، والمفارقات بين حبٍّ، وكرهٍ، و ومواقفَ مضحكة تسرد على شكل حياة جديدة ملئت عليه شهور الفراغ التي جلس فيها ببيروت محاولاً أن ينسى فخرية، ولأنَّ أخويه كان يهمهم أن يخرج مصطفى من حالته، فقد أغدقوا عليه المال، وبدأ يرتاد السينما يومياً حتى زلت قدمه بعد أن تعرف على كميل الشاب البيروتي الأنيق، ودخل برفقته حانة للشراب، فحافظ على ارتيادها بعد خروجه من السينما حيث مثلت له ساعات النشوة فيها لحظات لم يشعر بمثلها على الإطلاق.
بدأ القلق ينتاب أخويه على حاله، وجهدوا بنصحه لكنه لم يكن يقبل النصح، وحاولوا إخفاء خبره عن أبناء قريتهم، وهددوه بإخبار أبيه، فخرج من حياتهم لمكان مجهول، و ترك الأخوان عملهم شهراً كاملاً يبحثون فيه عن مصطفى، وتسرب الخبر إلى أبناء القرية، فشاركهم الجميع البحث عنه دون فائدة، ولم يتأن عائد إلى القرية من سرد خبر مصطفى الأمر الذي أصاب والديه بفزع شديد، وقلق منعهم النوم، وعكر عليهم صفَو أيامهم.
ومع البحث المستمر وصل يحيى الأخ الأصغر إلى الحانة التي كان يرتادها، وعرف من بعض الحضور هناك أن الشاب السوري كان كثير التواجد بصحبة شاب لبناني يدعى كميل، وهذا الأخير يعمل على متن سفينة تجارية ضخمة، وقد سافر معه إلى أميركا ‍‍‍‍‍‍تاركاً خبراً عند النادل عن نيته الاغتراب إلى غير رجعة.
عاد يحيى إلى أم الحطب، والدموع تغسل عينيه، وهو يخبر والديه بما عرفوا عن أخيهم مصطفى، فحزنوا خزناً شديداً، وأمضت أمه أشهراً تبكيه بحسرة أورثها نحولاًَ، وشحوباً ظاهرين بينما كانت فخرية، والتي غادرها زوجها كمال إلى بيروت حاملاً بجنينها الأول، لم تستطع أنْ تخفي تألمها على حال مصطفى لكنَّها أخفت ذلك عن كل الناس، واكتفت بالبكاء حيناً من الزمن خفية عن الجميع حتى بدأ الجنين يكبر معلناً قرب موعده للظهور على الدنيا، فامتنعت عن البكاء، وجهَّزت نفسها لاستقبال ابنها البكر.
كمال، والذي عاد إلى بيروت على رأس عمله بعد أن سبقه أخوته، وأبناء عمومته، ورهط كبير من الملتحقين الجدد إلى طابور العمال بعد أن شحت محاصيلهم، وتركوا الأرض للمواشي تنعم بما نفل من حشائشها تكفي الراعي عناء البحث عن مرعى لقطيعه.
ممدوح، ويحيى أخوا مصطفى، لم يكونا يخفيان كراهيتهما لكمال، فهما يريان أنه سبب شقاء مصطفى، وتَشردهِ إلى بلاد بعيدة الأمر الذي أورث عداءً وقف أبناء على المصطفى، وأبناء عمهم عيسى من طرف، وكمال وأخوته مع كريم ابن المختار من طرف أخرى.
شحاده الحر، وأحفاده كانوا بعيدين عن كل شيء، إلا همهم في توسيع مطعمهم الذي طارت شهرته أرجاء الميناء، فكثر زبائنهم من القرى المحيطة بأم الحطب، ولم يكن لديهم الوقت للاستماع إلى أحد خصوصاً بعد أن أقدم محمد على افتتاح بقالية كبيرة ألحقت بالمطعم.
وقد أقدم محمد الحر على افتتاحها حين لحظ أن أهالي أم الحطب اعتادوا التسوق قبل العودة إليها كل شهرين، أو ثلاثة بمختلف المواد الغذائية مثل السكر، والشاي، والصابون، وعلب السردين، والسمنة، فملأ دكانه الواسع بعدد كبير من أصنافها الأمر الذي أدخل مورداً هائلاً عليه جعله يخفي ذلك عن الجميع.
لكن الفرحة لا تستقيم على حال، إذ ظهر عليهم بشكل مفاجئ رجلاً شريراً طلب من محمد الحر وجبة من الطعام الدسمة أنهاها بوقوفه أمام محمد الحر حاملاً سكيناً حاداً، وقال له بعنجهية كبيرة:
- أين المعلوم ؟؟
لم يكن محمد الحر يعرف ما يعني القادم الجديد، فاستفسر بتودد تاجرٍ صبور قائلاً:
- ماذا تقصد بالمعلوم ؟
فأشهر القادم الجديد سكينه أمام وجه محمد الحر، وهمس بأذنه قائلاً:
- ( خاوة ) ألا تعرف ما معنى ( خاوة )
ارتعد محمد الحر رغم حفاظه على هدوئه، وأيقن أن القادم الجديد قد استدل على مكانه، وسيستمر في ابتزازه لكن ليس لديه حيله، فنقده بعض المال على مضض، ووقف تصفع رأسه هالة من التساؤلات عن القادم الجديد، وما يمكن أن يسبب له من متاعب.
متودداً اقترب منك محمد الحر، و أخبرك بقصته مع القادم الجديد، و طلب النصح منك، و هل الرضوخ إلى طلباته أولى أم معاندته، و التصدي له، و بما أنك تعرف أن جباة الأتاوى لن يجعلوه يهنأ بعمله أشرت عليه بدفع الضرر عن محله، و عائلته دون أن يعلم أحد.
كثرت، وخصوصاً في مناطق الصفيح حركة جباة الأتاوى بالقوة، فكل محل، أو مطعم، أو دكان كان يقع تحت نفوذ جابي للأتاوى بالقوة، وتهديد السلاح، ومطعم محمد الحر كان من ضمن المحلات التي تسلط عليها جباة الأتاوى الذين يدعون ملكية الشارع بمحلاته، فكان لزاماً عليه دفعها دون أن ينبس ببنة شفة، أو سيستيقظ صباحاً على محله محطماً، أو محروقاً. !!
وعلى الرغم من أنَّ الشرطة كانت تطاردهم لكنهم كانوا يترصدون خلو المنطقة منهم، ويفرضون الأتاوى مهددين بتحطيم المكان، والبضاعة مما يضطر المالك إلى دفعها حفاظاً على ملكه.
كان شحاده الحر يشعر أن هناك شيئاً ما يحدث في الخفاء لحفيده محمد رغم أنَّ الأخير، قد أخفاه عنه لكنه قال له يوماً:
- أعرف يا بني أنك لا تملك بدّاً من دفع الأتاوى إلى هذا اللص فأذني تسمع أكثر مما ينبغي !!
وقدر لهذا القادم جمع ريع أسبوعي من المطعم الأمر الذي أورث قهراً، وذلاً لمحمد الحر لكنه لا يملك غير أن يدفع، و إلا ضاع ما يبني بيوم، وليلة. !!
قادم جديد من أم الحطب يدعى أبا حسني شاب نال قسطاً ضئيلاً من التعليم نزل ضيفاً على مطعم محمد الحر، فلقي الترحيب، والضيافة كونه من أصدقاء طفولة محمد الحر، وقد عمل في دمشق بسوق الخضار فترة طويلة ككاتب في أحد متاجرها يضع قلمه فوق أذنه كعادته التي اعتادها في السوق، وكان لهذا القادم صفقة مع محمد الحر تقضي بنزوله ضيفاً على المطعم يأكل، ويشرب بالمجان بشرط تعليم محمد الحر أصول القراءة، والحساب.
كان محمد الحر يفكّرُ كثيراً بأميَّته المفرطة، وكان يتحين الفرص ليحض بمن يعلمه القراءة، والكتابة، فكان القادم الجديد، وبحكم الصداقة مستعداً لهذه الخدمة بعد أن ينهي عمله في الميناء ككاتب عند أحد مكاتب الشحن.
ولرغبةٍ مُلحةٍ، فقد تقدم محمد الحر في تعلمه، وأصبح يُجيد القراءة، وان كانت في بداياتها، وأصول الجمع، والطرح، والضرب مما ساعده على الإمساك بحسابات مطعمه، وبقاليته شيئاً، فشيئاً، ولم تمض سنة واحدة حتى تمكن من أصول القراءة، والحساب الأمر الذي أدخلة بفرحة عارمة، فكان يسترق الدقائق القليلة ليقرأ بعض الصحف، والمجلات، وانتهى به الحال إلى شراء القصص، والروايات، وإن كان يجد صعوبة في قراءتها.
أما الزوجة المسكينة، والتي غرقت بين القدور، والأطباق تغسلها صباح مساء، والتي حرمتها من جنينها مرتين متتاليتين لم تكن تلي نفسها أي اهتمام، فقد اتسخت ملابسها، وأصبحت رائحة عرقها المشبعة بالدهون، والزيوت مثار تعليق زوجها، وقد أقدم على شيء - أبقاه سراً حتى شاخ برفقتها - لم يقدم أحدٌ عليه من قبل حين اكتشف أن رأسها يعج بالقمل، فقام بقص شعرها، وحلاقته بالموسى، وأخفت رأسها تحت عصبة سميكة عن الجميع سنين طويلة حتى طال، واكتمل.
لكنّ محمد الحر كان قد كافأها على فعلته بحلق بشعرها، بأن أرسل جده بشكل عاجل إلى أم الحطب ليعود بأختها زوجة لسليم الذي لم يمانع في قبولها ممتناً لأخيه على حسن اختياره لزوجة ذات قوام ممتلئ صحةً، ونشاطاً تظهر من خلال أردافها العريضة، والقوية الأمر الذي خفف ضغط العمل عن الزوجة المرهقة، وحصلت على حمل سليم بعد إجهاض متكرر.

*****

نقل العجوز شحاده الحر إلى المشفى إثر وعكة صحية عنيفة كاد أن يقضي منها، فنصحه الأطباء بالخلود إلى الراحة التامة، فكبر سنه منعه حتى من البقاء جالساً على كرسي خشبي مغطىً بوسادة من القطن الملبّد، وتلك العادة التي لم يتركها منذ افتتاح حفيده لمطعمه حتى نقل مريضاً للمشفى ليعود مجبراً على النوم على فرشة كان يضجر من قسوة ملمسها، وثقل وزنها، فكان يترك وحيداً مستلقياً يجاهد في التقلب عليها مرات عديدة يتلمس قسوتها يصغي بسمعه المرهف رغم كبر سنه لصوتٍ لا يشابه صوت دعك القطن الملبد المعهود، فتلمس رأس الخيط الذي يحكمها، وأدخل إصبعه من بين تباعد خياطتها على عجل، وفوجئ برزم من الأوراق تختفي تحت غطاء الفراش لفت بقطع من المشمع القاسي.
أوجس العجوز خيفة، وأجبر يده للولوج أكثر داخل الفراش، وذهل أن رزم النقود قد شكلت حشواً لفراشٍ كاملٍ، فغرق بعرقه، وقلبه يخفق بقوة، فعرف أنًّهُ ينام على فراش من النقود لا يقوى على حمله شابان يافعان، فألجمَّ عن الكلام، ودخل في خوف شديد، وترقب مستمر لا يغادر الفراش إلا لقضاء حاجته، ولم يخبر حفيده بمعرفة الأمر.
وأصبح شحاده الحر يلتصق يومه كاملاً بالفراش، وكأنُّه يحرسه ليل نهار رافضاً الخروج من غرفة الصفيح رغم محاولات أحفاده أن يخرجوا به لنزهة في حديقة، أو للجلوس على شاطئ البحر، ولو مرةً في الشهر. الأمر الذي لفت اهتمام محمد الحر، فعرف أنَّ جده يعلم بالكنز الذي ينام عليه، وعرف أنَّهُ يدأب في حراسته، فابتسم في أحد الأيام، وهو يقول لجده بعد أن دخل يحمل فراشاً آخر قد ملأه برزم النقود :
- ما رأيك يا جدي أن أضع لك فراشاً آخر فوق فراشك السميك ؟
فلم يمانع العجوز من ذلك، بل ابتسم، وهو يتلمسه بحساسية مفرطة، وقال:
- أجل يا صغيري ضعه تحتي إن دفأه يسري في عظامي الهشة، فيكسبها قوةً، ومنعةً لم أشهد مثيلاً لها في حياتي !!
أما الحفيد الثالث ياسين، فلم يكن على درجة أخويه محمد، وسليم من الاتزان، والرصانة، ولم ينفع توجيه النصح له، فقد ظهر جلياً عدم اتزان شخصيته من خلال تصرفات حمقاء كلفتهم بعض الخسائر المادية؛ والتي لا تذكر في سيل ما يدخره محمد الحر، ويرقد عليه العجوز الأعمى حتى جاء يوم لمح فيه محمد ينقد الأتاوى لصاحبها، ويودِّعه خارج المطعم، فهرع مستفسراً:
- ماذا أعطيت هذا الشرير ؟
فأجابه مخفياً:
- لاشيء له حساب قديم في ذمتي !!
- لكني أعرفه، فهو يجبي الأتاوى من المحلات المجاورة لقد رأيته أكثر من مرة !!!
- لا عليك يا ياسين اعتبرها دفع بلاء !!
فرد مستهجناً:
- دفع بلاء اتركني أتصرف معه، وسأمنعه من دخول المطعم ثانية !!
سحب محمد الحر أخاه جانباً، وقال له:
- دعك منه لا تهدم بناءً بنيناه بسنين طويلة، وستجد أن بمقدورنا التخلص منه في حينها !!
لم ترق الفكرة لياسين لكنه أجبر على السكوت بعد أن شرح له أخوه محمد أنَّ الأمر واقعٌ لا بد منه حتى نحافظ على عملنا الذي نكسب منه كفاف يومنا.
لم يكن محمد الحر يسكت على ذلك، لكنَّ المال الوفير الذي يرقد عليه العجوز الأعمى يستحق هذه التضحية، فأصبح يُغدِقُ على جابي الأتاوى حفاظاً على ماله الوفير، والذي لم يعرف له مثيل منذ تكونت أم الحطب، ومثيلاتها من القرى المتناثرة حولها.
ولرغبةٍ منه في لفت نظر أخيه ياسين عرض عليه أن يزوجه إن كان راغباً، فوافق الأخير على ذلك، وتم تزويجه من إحدى فتيات القرية، والتي كانت بصحبة والديها في بيروت قدموا مع من قدم من أم الحطب، وأقيمت حفلة عرس له بين غرف الصفيح الساخن حضرها كل من كان يعمل في بيروت من سكان أم الحطب.
وصابر، ولصغر سنه، وعدم مقدرته على العمل، فقد أدخل مدرسة داخلية، وتعلم العزف على العود، فكان مثار حسد الكثيرين لكنه كان الأصغر، وجده يجهد في تدليله خصوصاً كلما تذكر تلك الرفسة المؤلمة التي سددتها له أمه يوم زفافها، وقلما نسيها، إذ بقيت ماثلة أمام ناظريه رغم أنَّهُ أصبح شاباً يافعاً لم يقابل أمه منذ زُفَّتْ إلى سعيد الخلف رغم ساقيةِ النعيم التي بقيت سنتين ترشح في فمه، وفم إخوته الصغار.
و رغم صغر سنه كان يظهر نقمته على أمه، وزوجها كلما سنحت له الفرصة لذلك، ويذكر العمال الذين اجتمعوا يوم العيد بين غرف الصفيح يتبادلون التهنئة أنَّه قال بعد أن سُئِلَ من شخص يعرف كرهه لأمه، وزوجها سعيد الخلف:
- أعرف أنَّها باعتنا من أجل شهوة....
وذكر كلمة مبتذلة أجبرت أخاه محمد على صفعه أمام الناس.
وحسين الصغير الشاب الذي سأل صابر عن أمه يوم العيد يخفي كرهاً شديداً لسعيد الخلف كون الأخير، قد ضربه ضرباً مبرحاً حين وجده يسرق من محصول القمح في أم الحطب ليشتري بثمنها بعض الحلوى، فأراد أن يُسمع شتمه للناس على لسان غيره.
يتذكر أهالي أم الحطب أنَّ حسين الصغير كان فقيراً، ولم يكن يقدر على شراء الحلوى، فأقدم على سرقة بعض القمح لينالَ ما يناله الصغار في موسم الحصاد مما يسمى ( التبريكة ) و( التبريكة ) عادة كان الفلاحون من خلالها يهدون صغارهم، وصغار جيرانهم شيئاً يسيراً من محصولهم يقدر بكيلو، أو أكثر قليلاً يكون ثمناً للحلوى يتمتع بها الصغار بنهاية الموسم، وحسين الصغير كان فقيراً لأن والده أضاع أرضه مهراً لأمه التي تزوجها ( خطيفة ) دون علم أهلها، وتلك الفعلة مكلفة إذ يجب على من يفعلها أن يدفع مهرها، فإن لم يجد يجبر على التخلي عن أرضه لصالح والد الزوجة الهاربة معه، فكان أن استغنى والده عن الأرض، وقبل العمل كمزارع عند من يرغب باستئجار عمال يساعدونه بالعمل في حقولهم مقابل نسبة من المحصول تكاد لا تكفيه قوت يومه؛ وعلى الرغم من أن الحادثة قديمة، إلا أن حسين الصغير لم ينس قسوة سعيد الخلف في ضربه مقابل كيلو من القمح لصغير يطمح ببعض الحلوى مثل غيره من الصغار.
لكن بعد مجيئه إلى بيروت، والتحاقه بالعمل بمينائها أصبح يملك وفرة مالية تغنيه عن أم الحطب، والتي لم تكن تعني له الشيء الكثير بعد مغادرته لها مقسماً على ألاَّ يعود إليها، وإلى شوارعها الضيقة.
والسبب الحقيقي لم يكن كرهاً لقريته التي تسكن قلوب الجميع لكنه، وكما يعرف الجميع هرب من ذكرى أليمة لا تقل عن ذكرى صابر بل تزيد عليها، إذ أقدمت أمه على الهروب مع شخص آخر من إحدى القرى المجاورة، وتركت أبوه يلعن حظه العاثر بزواجه منها، ويتكفَّلُ تربية ولده الوحيد حسين بمساعدة زوجة أبيه التي جعلته بظلمها له، والتنكيل به أن يفر إلى بيروت تاركاً أبوه ينعم بحضنها الدافئ مع إخوته من أبيه، وغادر أمَّ الحطب ليلتحق بقطار غير وجه قرية كان دخان الحطب، وما زال يسكن سماءها كأشباح ضالة تملأ ظلامها رعباً تجبر البرودة فيها كلابها على التقوقعِ طلباً للدفء لقريةٍ غادرها معظم شبابها تبتلعهم مدينة بيروت بزينتها، وبهرجتها التي ذهلوا بها، وأحبوها.


*****







الجهل

يجلس هلال الشحرور قلقاً ينتظر مع مريم عودة الشاب صالح محملاً بالخبر الذي طال انتظاره ليبدأ الحلم الذي أمضى سنين طويلة ينتظره، ونصف العمر الذي كان بحاجة إليه لرؤية صالح لم يكتمل بعد، فهو طالب ثانوي، وقد خرج مسرعاً حين سماعه بصدور النتائج.
علامات القلق توزعت بين هلال الشحرور، وزوجته مريم، وهم يجلسان تسمع ضربات عكازه على بلاط باحة الدار صامتين يتبادلان النظرات بصمت، وبدد هلال الشحرور قلقه بقوله:
لماذا القلق يا مريم ؟؟
ثم قال:
- أنا أعرف صالح مُجِدٌ، ونشيط لا بد أنه سينجح !!
هزت مريم رأسها موافقةً، ويداها ترفع عالياً بالدعاء.
وكسر الصمت الذي عاد يخيم على المكان صوت مفتاح الباب يُدخِلُ الفرحة إلى قلوبهم، فهبا لملاقاته بعيون حائرة متسائلة، وابتسم صالح، وهو يقفز في الهواء بخفة قائلاً:
إلى الجامعة يا أبا صالح !!
وتعانق ثلاثتهم بفرحة عارمة، فصالح هو أول شاب يحصل على البكالوريا في أم الحطب، والفرحة جعلت هلال الشحرور صاحب المطرقة التي تنام تحت الجلد يتهاوى جالساً على كرسي مرهقاً تعباً.
تدهورت صحة هلال الشحرور مؤخَّراً بشكل واضح الأمر الذي جعله يستعين بشاب وافر الصحة ذكي، وصاحب فطنة لا يستهان بها لمساعدته في إدارة أعماله، وعلى الرغم من وجود عدد من العمال، والموظفين لكن الشاب فايز، والقادم من ريف حمص، والذي درس المحاسبة في دمشق، وجد فيه هلال الشحرور قوةً، وذكاءً لإدارة أعماله.
كان فايز قد تربى في كنف أسرة نالت قسطاً وافراً من التعليم، فوالده مدرس قد جاب معظم الريف في حمص، واستقر بمدينة حمص كموجّهٍ عام في مديرية التربية، وقد دأب على تعليم أبنائه إناثاً، وذكوراً، فأبنته الكبرى معلمة صف تدرجت حتى تسلمت إدارة ابتدائية في حمص، و فايز أنهى دراسته بكلية التجارة، وابنته الصغرى لا زالت في المرحلة الإعدادية، ويبقى ابنه الثاني أمجد ضابطاً في الجيش يعشق الوطنية، ويناضل من أجلها الأمر الذي خولّه الانضمامَ إلى صفوف البعث العربي الاشتراكي.
يكاد يكون أمجد، والذي ترفَّع مؤخراً إلى رتبة ملازم أول أحب أفراد العائلة لهلال الشحرور، وعائلته الصغيرة، وعلى الرغم من أنه يكبر صالح بست سنوات، فقد كان صديقاً حميماً لصالح بدأت صداقته حين أصَّر فايز على دعوة رب عمله، وعائلته لقضاء إجازة في حمص، وزيارة أماكنها الأثرية، ومعالمها القديمة، فكانت نقطة بدء العلاقة التي توطَّدت بين صالح، وأمجد ذاك الشاب المشبع بالفكر القومي، والمناضل ضمن صفوف البعث العربي.
ظهر أمجد كمثقفٍ واعٍ أمام صالح الذي أعجب بأفكاره، وطريقة تحليله للواقع الذي كان سائداً، ويعود الفضل له في إدخال فكرة الانضمام إلى صفوف البعث، وقد حصل دون علم والده، وقد كان يشارك في المظاهرات التي كان ينظمها البعث بسرَّيةٍ تامة.
صالح، والذي كان طامحاً لدراسة القانون في جامعة دمشق كان يرى أن الباب مفتوح على مصراعيه للدخول في صداقات مع جيل مثقف يسير بوطنه نحو الأمام.
واليوم، و بعد نجاحه بالبكالوريا صرخ، وبأعلى صوته، وهو يحتضن والده المتهالك على كرسي قرب شجرة الياسمين التي تغطي فضاء المنزل:
- إلى كلية الحقوق يا أبا صالح !!
أجهش هلال الشحرور بالبكاء، وهو يستمع إلى ابنه، وشعر بأنَّهُ رغم الوفرة المادية التي جناها من خلال عمله كتاجر للمواشي، والحبوب، وغيرها أنه قد حقق شيئاً واحداً يفوق كل أمانيه، فقد زرع غرسة صغيرة حملها على كتفه من أم الحطب ثلاثة أيام، وها هو الآن يراها يافعة شابة لكنها بحاجة إلى خمس سنين حتى تأتي أُكَلها، فأغمض عينيه، وقال في نفسه:
- يا رب خمس سنين فقط لأرى غرستي تثمر ‍‍‍‍!!
وانظم صالح لأبيه، وأمه برحلة قد انتظرها طويلاً عائداً إلى أم الحطب يحتضن ابنه تحت إبطه ليقيم في أم الحطب وليمة تتناسب مع حجم فرحته، بانضمام ابنه صالح إلى كلية الحقوق.
وفي منزله بأم الحطب، والذي قام ببنائه منذ عام بناءً على رغبة مريم احتضنت ساحته أهالي أم الحطب - أومن بقي منهم فيها – على الوليمة التي جهدت في إتقانها ثلاثٌ من أمهر الطباخات في أم الحطب، وعلى رأسهم مريم.
على الرغم من أنَّ علي المصطفى كان على رأس المدعوين لها بعد المختار جبر الخليل، والذي أعيد انتخابه كمختار لأم الحطب بعد تنحي علي المصطفى عنها لانشغاله بسفر مصطفى إلى المجهول إلا أنَّهُ فضل الانسحاب باكراً الأمر الذي أقلق هلال الشحرور، فتبعه لمنزله مستفسراً، فهما صديقان حميمان.
استرسل علي المصطفى بشرح تفاصيل مأساة ابنه مصطفى الشاب المؤدب- كما يصفه دائماً – وعدم مقدرته الاقتران بفخرية، والتي أنجبت منذ فترةٍ وجيزةٍ ابنها البكر عادل.
وأخذ الشرح منحىً محزناً بعد أن أخبر علي المصطفى صديقه الحميم أنَّ مصطفى سافر إلى بلاد مجهولة، وبعيدة لم يكن يعرف، ويعلم بوجودها، ولا المسافة إليها، فألجم هلال الشحرور، وربت على كتف صديقه قائلاً:
- العشاق قلما يتزوجون ممن يعشقون !!
وأضاف مشجعاً:
-وما بك حزين يا أبا مصطفى ؟؟.. ما دمت تصفه بالمؤدب دعه يشق الطريق الذي يراه مناسباً يحدثني ابني صالح أن قسماً كبيراً من الناس قد هاجروا إلى بلاد مختلفة، وقد كان من بينهم رجال عملوا بالتجارة، والمال، ومنهم من تعلم هناك، وشقَّ لنفسه طريقاً جديداً في الحياة، فلم لا تستبشر خيراً ؟؟
أطرق علي المصطفى ملياً، ثم قال :
- أحقاً ما تقول يا هلال ؟.... لقد أفرحتني !!
ثم رفع رأسه نحو ضيفه قائلاً:
- إن مصطفى لا يجيد إلا أعمال الزراعة، وما قدمه له الشيخ بركات رحمه الله لا يتجاوز محواً لأميته، فكيف سيتكيف هناك، ويعيش ؟
ابتسم هلال الشحرور، ثم قال:
- أنا لا أقدر أن أشرح لك أكثر من هذا لكن إن كنت ترغب في المزيد، فاجلس مع ابني صالح إنَّهُ يحدثني عن بلاد لم أسمع بها، وعن أشخاصٍ غيّروا حياة الناس بقدرة، وحكمة عالية.
لم يتوان أبو مصطفى بإرسال أحد الأطفال لإحضار صالح لينظم إليهم، وقد فعل.
ذهل أبو مصطفى، وهو يصغي إلى صالح يحدثه عن أمريكا بتفاصيل أذهلت من التحق بهم من أهالي أم الحطب، واسترسل صالح، فحدثهم عن شعراء، وكتَّاب، ومفكرين يعيشون فيها، وهم منحدرون من أصولٍ عربيةٍ، ورآها صالح فرصةً ذهبيةً، فحدثهم عن فكر البعث، وتعاليمه جعلتهم يتبادلون النظرات بأفواه مفتوحة مستغربة هذا النمط من الحديث عن القومية، والوطنية حديثاً طلبوا منه الاستمرار كلما توقف عنه.
كان هلال الشحرور يشارك أبناء قريته الفرحة حين تحدّث صالح عن القومية، والوطنية، فهذا الحديث لم يذكره صالح أمامه، فأنصت بجدية، وحذر، فابنه سيلتحق بالجامعة، وكثيراً ما سمع عن مظاهرات قام بها طلاب الجامعة يطرحون شعارات قومية، و وطنية، لكن صالح صغير على هكذا أقوال، فصمت، وأوجس خيفة.
كانت أنظمةُ الحكم التي تحكم البلاد، ثلةٌ من الضباط اللذين عاصروا الاحتلال الفرنسي، واللذين لم يخرجوا عن الإطار الذي حكمت به فرنسا البلادَ، فحكموا البلاد بالحديد، والنار، وكثرت مطاردة البعثيين، والوطنيين، وقد حافظوا على مطاردتهم، وتصفيتهم، ومحاربة أفكارهم.
جامعة دمشق تفتح ذراعيها لصالح الذي بدا يافعاً ممتلئ الصحة اكتسب طولاً فارعاً، وعينين ملونتين لأبيه بينما ظهرت صفات أمه من خلال لون شعره، وبياض بشرته، ومشيته بخفة، وعنفوان، وزاد على كل ذلك ثقة عالية تغمره، وهو يدخل الجامعة لليوم الأول.
عالم آخر يخطو فيه الخطوة الأولى. أبهرته الجامعة كما لم يبهره شيء آخر. كما أبهره حجم الكتب، والمراجع التي توجب عليه قراءتها، وأجهد نفسه بسهر دائم، ومثابرة على متابعة محاضراته الطويلة، ونضاله بصفوف البعث الذي أودى به إلى الاعتقال.
كانت حادثة الاعتقال التي تعرَّض لها ابنه صالح قاسية على أبيه، فقد دوهم بيته ليلاً، وسيق صالح مكبلاً، فكانت خيبة أمل كبيرة سحقت قلبه المريض، فهو أمله الذي بقي لعجوز أتعبه مرض السكر، يطمح بأن يرى صالح كما يحب قبل أن تشرق الشمس على قبره كل يوم.
ولم يدم طويلاً اعتقال صالح طويلاً، إذ عاد ليكمل دراسته، بينما أخفى جميع نشاطاته في صفوف البعث عن والده المريض حفاظاً على صحته التي تدهورت بشكل كبير، فنحل بشكل مريع، ولزم البيت، وأوكل فايز لإدارة أعماله بشكل كامل.
على الرغم من انشغال صالح بدراسته الجامعية، ونشاطات البعث إلا أنَّهُ لم يكن يغفل متابعته لأعمال والده بزيارة فايز على رأس عمله، والاطمئنان على تجارة والده بشكل دوري.


*****

أنعم الله بفصلِ شتاءٍ وفيرٍ، وعم الخير فيه أم الحطب، فقد استمر هطول المطر عشرين يوماً روى الأرض القاحلة الجرداء، وتدفق الماء بوادي الزيدي قبل أوانه، وفرح الأهالي بموسم وفير، وربيع لم يشهدوا له مثيل، و جهدت أمك، و زوجتك، و أخوك بجني محصول أرضكم بينما كنت تتابع العمل في بيروت.
لكنَّ أحدهم قد عاد إلى بيروت يزف خبراً لكمال بولادة زوجته فخرية لابنيهما الأول عادل كما أوصى كمال بتسميته قبل سفره، فأولم وليمة كبيرة جهد مطعم محمد الحر بجعلها تناسب فرحة كمال الكبيرة
لم يُدعَ للوليمة أبناء على المصطفى، وأبناء عمومتهم بسبب الحساسية التي تولدت بينهم بعد زواج فخرية من كمال، وهجرة مصطفى إلى أمريكا، إذ كان ينظر يحيى الأخ الأصغر لمصطفى إليهم كسبب لخسارة أخيه، وكثيراً ما كانت تصل المشاحنات بينهم لحد الاشتباك بالأيدي لولا تدخل ممدوح لكبح غضب أخيه صاحب المزاج الحاد، ورغبته في الانتقام من كمال.
حتى جاء يوم عصف بهدوء غرف الصفيح، واشتبك يحيى مع كمال بمشاجرة حادة استدعت اشتراك أبناء علي المصطفى، وأبناء عمهم مقابل كمال، وإخوانه، وانظم فخري لاحقاً، وتطلب الأمر ساعات طويلة حتى استطاع المتواجدون فك الاشتباك الذي أسس لعداوة عصفت بأم الحطب.
كان محمد الحر قد أغلق باب مطعمه، وحبس إخوته داخله حتى فض الخلاف، فليس لديه ميل لكسب عداوة أيًّ منهم، فهو كما كان يمازح الجميع قائلاً:
- ( أنا بياع طعام )
ولأمر جلل حدث في المخبز الذي يعمل به كمال، إذ وقعت مجموعة من أكياس الطحين فوقه كادت أن تودي بحياته، وتم اتهام يحيى بتدبير الحادثة على الرغم من إنكاره لها قائلاً:
- ( إذا بدي اذبح كمال بذبحو أمام الناس مو من وراهم ) !!!!
واتهام يحيى لم يكن عن عبث، إذ صادف مروره قرب الفرن وقت وقوع الحادثة كما رآه منير أحد أخوة كمال، فتجدد الاشتباك لكن لم يدم طويلاً، فقد كانوا بشغل عن هذا بكمال الذي كان يرقد بين الحياة، والموت.
وطار الخبر إلى أم الحطب بسرعة عالية، فدخلت العائلتان بمشاجرة سمحت لقوى الدرك أن تعيث فساداً بممتلكات الأهالي، وألزمتهم دفع مصاريف تواجدهم في القرية.
وعلى الفور توافد الجميع عائدين إلى أم الحطب بعد سماعهم عن المشاجرة التي وقعت بين العائلتين، وجهَّز كل نفسه لواقعة أكبر من ذلك يترأسها كمال الخارج من المشفى.
أُهمل الموسم تماماً من قبل العائلتين، إلا العائلات البعيدة القرابة عن الطرفين، وساءت العلاقة بين جبر الخليل مختار القرية القوي، وعلي المصطفى العنيد الذي وجد الأمر يستحق الانتقام لابنه مصطفى الذي غادرهم بسبب فخرية.
ووقعت الواقعة المنتظرة على أثر مشادة كلاميّة بين فتية صغار، حيث اشتبكت العائلتان بمشاجرةٍ لم تشهد أم الحطب جهلاً كجهلها منذ بني أول حجر فيها قبل مئات السنين.
كانت القرية مزيجاً من جهل، وتخلف، وقسوة حيث تكبّد الطرفان جراحات كبيرة لم تخطئ أحداً من العائلتين، وأزفت الشمس على المغيب حيث تدخّل الدرك لفضِ النزاع، ونقل المئات إلى المشفى - على فقر إمكانياته - لمداواة المصابين، إلا منير الأخ الأصغر لكمال، فقد ختم مجهول حياته بحجر في مؤخرة رأسه أعادته من المشفى إلى أم الحطب جثة هامدة برأس مسحوق.
وجن جنون أبي كمال بعودة منير قتيلاً، وأقسم، وهم يشيعونه مساءً بردِّ بالثأر مهما كانت النتائج !!
على الرغم من أنَّ علي المصطفى، وأقربائهِ أكدوا للناسِ، والدرك أن منير قُتل خطأً بيد أحد أقربائه إلا أن الدرك لم يقتنعوا، وسيق الطرفين إلى السجن، إلا كمال الذي نجح في الهرب، وغاب عن أعين الدرك.
سجلت الوفاة بسبب مشاجرة جماعية، وجهل قاتل منير، فأخلي سبيل الطرفين بعد محاولات عديدة، وتعهدات بدفن الخلاف، وإلى الأبد.
لكن رصاصة كان بانتظار الجميع، وفاجأتهم تخترق صمت القرية برصاصة أخطأت علي المصطفى لتستقر في صدر عمه العجوز عيسى، والذي لم يشترك في المشاجرة، ولم يكن يحسب ليوم يفارق فيه عجيزة زوجته الضخمة، وإلى الأبد.
وما إن علم هلال الشحرور بالأمر حتى أسرع إلى أم الحطب برفقة صالح الشاب الذي بدأت ممارسته للعمل الحزبي تعطيه وفرة في الحديث، والتأثير على الناس.
واستغرق هلال الشحرور خمسة أيام من المداولات بين الطرفين يقودها ابنه صالح بكفاءة عالية أزعجت رئيس الدرك الذي تدخل لمنعه من إتمام الصلح لكن جهوده باءت بالفشل، إذ وجد نفسه أمام شاب مثقف ذهل بحديثة، واستغرب أن تنجب أم الحطب أمثاله.
أقنع صالح الطرفين بأنَّ الثأر لن يحل لهم مشاكلهم، وبما أنّ كل طرف خسر رجلاً، فمن الأولى طي هذه الصفحة من ذاكرة أم الحطب، وقبل الطرفين ذلك، واشترط على المصطفى أن يطوى النزاع مقابل القطيعة بين الطرفين، فقبل صالح ذلك، وأضمر شيئاً ما في داخله.
وقيدت قضية مقتل العجوز عيسى ضد مجهول، فقد ثبت وجود كمال في بيروت يوم مقتل العجوز عيسى، وإن لم يقتنع علي المصطفى بذلك حتى وفاته.
أدرك علي المصطفى أن لا فائدة من استمرار النزاع رغم قناعته، بأنَّ كمال كان يستهدفه لكنه أخطأه، وأصاب عمه، وقد أكد ذلك لهلال الشحرور الذي بدا مريضاً، وشاحباً، فامتنع عن اتهام كمال حفاظاً على أبنائه من تجّددِ النزاع
محمد الحر وحيداً في بيروت لخلِّوها من أهالي أم الحطب، فانخفض إيراد مطعمه بشكل كبير وجدت فيه زوجته فسحة من الوقت لتجهيز نفسها لاستقبال المولود الجديد، وهي تستمع ضاحكة إلى عازف العود الصغير يعزف، ويغني دون ملل بينما ينعم شحاده الحر بفراش وثير دافئ فوق كم هائل من النقود.
دخل جابي الأتاوى المطعم، فوجد محمد الحر يعاني كساداً كبيراً في المبيعات، فلم يكترث لذلك بل طلب ( المعلوم ) بحدة وافقت دخول ياسين الأخ الثالث، فاشتبك معه في عراك فشل محمد الحر في فضه ثم ما لبث أن انضم إلى أخيه يصارع رجلاً كاد أن يتغلب عليهما سوياً.
ولقربه من المطعم سمع شحاده الحر صخباً غير معتاد، فهرول مسرعاً يستطلع الأمر لحقه بعدها عبد الحميد، وصابر حيث فاجأهم جابي الأتاوى الذي أُدمي رأسه بشكل مريع يخرج مسدساً، ويصوب نحوهم، ويفتح النار عشوائياً، فيصاب العجوز برصاصة استقرت في صدره فأردته قتيلاً.
بداية النهاية لكفاح طويل خططه، ونفذه محمد الحر، ولسنوات عديدة، فقد جمع ثروة طائلة، والتي لا يعلم بها أحد بعد مقتل جده، وشعر بقلق، وخوف شديدين، فغرف الصفيح شبه خالية من سكانها الغارقين بتبعات مقتل منير، فأغلق المطعم، وجهز نفسه لنقل جثمان جده العجوز إلى أم الحطب حيث تنتظره جبانة القرية لتحتضنه بين أضلعها، ويعود إلى ما خلق منه أول مرة إلى الأبد.
وفوجئت القرية بدخول رتل من السيارات التي تشيع الجنازة التي حملت على ظهر إحداها، بينما تكفلت بقيه السيارات بحمل الأمتعة التي لم ُيبقِ منها محمد الحر شيئاً في غرف الصفيح، فقد قرر العودة، وبشكل نهائي إلى أم الحطب، ولم يمانع البقية قراره، فهو الكبير الآمر الناهي مطاع، وله حق التصرف.
لم ينتبه أحد من أفراد العائلة، ولا من أهالي القرية على ما كانت الجثة ترقد فوقه دون حراك، فقد حرص محمد الحر، وبصمت على وضع الجثة فوق فراشين سميكين يحتويان على كفاح سنين طويلة، ودخل القرية بحزن كبير.
وما إن انتهى مجلس العزاء الذي عجّ بأعداد كبيرة من سكان القرى المجاورة، حتى فوجئ بجبر الخليل يدخل برفقة شرطي يخبره بضرورة التحاقه لخدمة العلم، ولأنَّ القوانين النافذة في تلك الفترة تجيز دفع البدل النقدي، فقد سارع محمد الحر إلى دفعه، وتحرير وثيقة بذلك.
وعلى عجل عاد محمد الحر إلى بيروت، وباع المطعم، و البقالة، وأنهى كل ارتباطاته هناك، وأقفل عائداً إلى أم الحطب يجهز نفسه إلى لمرحلة جديدة.
بعيداً عن كل هذا، و في زاوية مهجورة بميناء بيروت كان قاسم ( القاروط)، والذي قدم إلى بيروت فاراً من ظلم زوجة أبيه يغط بنوم عميق فوق بطانية بالية أيقظهُ صوت بوق الباخرة التي ينتظرها مع كثير من العمال، فتململ نحو الرصيف، وتهالك على صندوق خشبي، ومد ساقيه نحو الماء، فسرت فيهما برودة منعشة ما لبثت أن تحولت إلى وخز بسبب جرح بأسفل قدمه لسعته ملوحة ماء البحر، فأخرجها، وانظم إلى الطابور المتلهف لبدء العمل باكراً.
قاسم القاروط ماتت أمه بحمّى النفاس، فعاش مقهوراً بكنف زوجة الأب التي وجدت مُناصرة من زوجها عليه، فعانى ضنك العمل في الفلاحة، وهولا يزال طفلاً، وتحفظ ذاكرة أم الحطب الشعبية أنه شوهد يركض خلف حصان والده الهارب طمعاً بمكافئة إذا ما نجح بإعادته حيث أجبره على الدخول بطريق مسدود، وظنَّ أن المكافأة أمست بين يديه حيث فاجأه الحصان الجامح، واندفع يطلب الفرار، فدهسه بحوافره، ونقل جريحاً إلى والده الذي وبخه، وطرده من البيت، ولولا جدته لأمه، وخالاته اللواتي تعاهدنَهُ فترة من الزمن لكان قضى تحت تأثير جرحه البليغ، ونجى بأعجوبة من موجة الرمد التي اجتاحت أم الحطب، فأفقدت الكثير بصرهم، فحافظ على جمال عينيه التي ورثها عن أمه.
لم تخل حياة قاسم القاروط – كما يطلق عليه – من الطرافة، فقد روى لأحد أصدقائه أنَّهُ خرج يوماً مطروداً من بيت والده، فتسربت رائحة ذكية إلى أنفه الصغير تنبعث من منزل عمه الصغير، فتسلل تحت تأثير سياط معدته الجائعة يطمع بما يسدُّ جوعه، فوجد عمه يجلس، وأمامه طبق من البيض المقلي بالسمنة، لكنَّ الحجارة كانت بانتظاره، ومن جدته لأبيه، والتي كانت تعيش مع ابنها الأصغر، فخرج يلعن حظه العاثر، ويصرخ بأعلى صوته قائلاً:
- متى سأجلس، وأمامي طبق يحتوي على أربع بيضات أتلذذ بها وحيداً مثل عمي الصغير ؟ !!
لكن بيروت فتحت له ذراعيها، فعاش من أجرته اليومية، كحمال في بواخر الميناء بحبوحة – أو هكذا ظنها – فلم يكن يبالي في ادخار مبلغ من المال، بل جهد في إنفاقه على نفسه بشراء أفخر الملابس، وارتياد المطاعم الراقية يعتمر قبعته الشهيرة يرفعها ممازحاً من يعرفه بين غرف الصفيح، وابتلعته المدينة ثلاث سنوات كبر، واكتسب صحة، وجمالاً، وانفرد بغرفة – من غرف الصفيح – وحيداً أثثها بسرير، وخزانة لملابسه الأنيقة.
وحين سأله أهالي قريته عن سبب مصاريفه المرتفعة بشكل كبير ضحك، ورد عليهم قائلاً :
- الحياة نعيشها مرة واحدة، ويجب أن نعيشها بسعادة هذه المدينة علمتني كيف أحب الحياة !!!
ورغم الرسائل الشفهية التي بعثها والده إليه للعودة إلى أم الحطب، إجازةً كبقية العاملين لكنَّ بيروت أخذت بلبه، واستهلكت بهرجتها سنوات غربته التي كان يقول عنها إنها ليست بغربة، بل إنَّها الدليل لمن يريد أن يحب الحياة.
ويعود سبب رفضه العودة إلى أم الحطب تلك الوفرة التي كان يعيشها- مقارنة بحاله التي لا تسر فيها - والتي ترددت أخبارها إلى أبيه، فانزعج أشد الانزعاج، و أبلغهُ بضرورة المشاركة بمصاريف البيت الذي كبرت أسرته، ولم تعد الأرض تكفي لسدِّ حاجياتهم الأمر الذي رفضه قاسم القاروط في تلك الفترة على الأقل باستثناء بعض النقود التي كان يبعثها لجدته لأمه فقط، والتي كان، وما زال يعتبرها أماً ربته، ورعته سنين طفولته.
وقاده تردده على المطاعم الراقية، وأماكن التسلية المرتفعة الأجور إلى بناء علاقات صداقة مع أناس أثرياء معظمهم أبناء رجال أعمال، وطلاب جامعات، وتعلم كيف يعيش كمتمدنٍ يرتدي بذلة أنيقة، وربطة عنق فاخرة على الرغم من عمله كحمَّال في الميناء، فقد داوم على ارتداء لباس خاص بالعمل أنيق المظهر، ومرتفع الثمن يغطي كفيه بقفازين يحميان يديه من ظروف الجو، وملامسة البضاعة الأمر الذي لفت انتباه أحد مديري مكاتب الشحن، فطلب إليه الانضمام إلى مكتبه للعمل خصوصاً معرفته للقراءة، والكتابة، فعاش بشكل حضاري أذهل سكان غرف الصفيح التي ما لبث أن غادرها إلى شقة إسمنتية صغيرة ببيروت الشرقية.
هناك، تعرَّف على أنيس ذاك الشاب الهادئ البدين ذو الثماني عشرة عاماً، والذي أوقف سيارته الفخمة ليقله بطريقه إلى الميناء في صباح يوم فتح أمام قاسم القاروط أفقاً جديداً لينهل من حبه للحياة، فقد بادر أنيس متحدثاً إلى قاسم بهدوء قائلاً:
- أنيس... اسمي أنيس... وأنت ؟
بلباقة أجاب:
- قاسم.... قاسم القاروط !!
وابتسم أنيس بهدوئه، ثم قال:
- تشرفنا
ثم أضاف:
- ( اسمك حلو و بتمنى ما تكون قاروط ) !!!
وبمرح عهد به أجاب :
- لا.. لا.. أنا قاروط بالمعنى الحقيقي، فأمي توفيت منذ صغري !!
أظهر أنيس تأسفه على يتمه بلباقة، واعتذر على تذكيره به، لكنَّ قاسم أظهرَ له أنَّ النظر إلى الوراء لا يتماشى مع نظريته في الحياة، وتعارفا أكثر، وهما بطريقهما نحو الميناء، وأنزله بعد أن اتفقا على اللقاء ليلاً في أحد النوادي الليلة.
وسبق قاسم أنيس لاحتلال طاولة في زاوية النادي، حيث الأضواء الخافتة تعكس الشكل الأنيق الذي اتخذته باقة الورد التي احتلت وسطها، وكانت الموسيقى توزع نغماتها الهادئة على المكان تغري في قضاء ليلة سعيدة.
ولم يتأخر أنيس عن موعده، إذ دخل صالة النادي يرتدي بذلة أنيقة، وقد جهد في تلميع حذائه، فاندفع مدير الصالة للترحيب به بحفاوة بالغة كان يرد عليها بابتسامة هادئة، والتحق بقاسم، الذي لم يكن يقل عنه أناقةً، وهدوءاً، حيث باشر النادل بإشراف مدير الصالة على إعداد مأدبة فخمة توسطتها زجاجة الويسكي المعتقة، وقد طوقتها أطباق المقبلات، وأصناف اللحم، والسمك، والدجاج، فلم يتوان أنيس عن مداعبة قاسم قائلاًَ:
- الصبر على الطعام أصعب من الصبر على الأعداء !!
وأصر قاسم على دفع فاتورة الحساب لكنه فوجئ بأنيس يخبره بأن النادي ملكاً له، ثم قال:
- أنت كنت ضيفي لهذه الليلة !!
عاد قاسم إلى شقته برفقة بائعة هوىً، وقد أمال الشراب رأسه، فأسرع، ودفن نفسه في حضنها، ونقدها أجرتها، وغادرت، وتركته وحيداً يصرخ بداخله:
- أريد أن أعيش، وأموت كالبشر !!
وألقى بنفسه فوق سريره، وغط في نوم عميق.
هلال الشحرور رغم مرضه فضل قضاء أسبوعاً في أم الحطب تسبقه عكازه، وهو يتجول وحيداً في طرقاتها يسترجع ذكريات ماض سجلت تلك الحارات الضيقة أحداثها، وصورها مذ كان طفلاً يلعب مع أقرانه الذين غابوا واحداً تلو الآخر، وكان شحاده الحر آخرهم، ولم يبق غير علي المصطفى، وجبر الخليل، فكان لزاماً عليه أن يوزع لقاءه بهما منفردين، فأسف لذلك أشد الأسف.
عاد صالح إلى القرية على عجل، فقد غادرها بعد تشييع الجنازة، واعتقد والده أنه عاد ليصطحبه إلى العاصمة لكنه فوجئ به، وهو يعرض عليه ما يوفق بين العائلتين بشكل كبير، ورغم عدم توقع هلال الشحرور نجاحاً لخطته التي عرضها عليه وافق على أمل لم شمل رفيقي طفولته من جديد.
كان صالح يبني خطته على كلمة سمعها مصادفة من فيصل أحد أبناء سليمان الخالد عن تأسفه الشديد على حال أنور أحد أخوة كمال متسائلاً، عما سيفعله أنور بحبه للطيفة ابنة علي المصطفى بعد القطيعة التي حصلت بين العائلتين.
كان صالح قد تحدث طويلاً مع أنور، ووعده بمحاولة لم شمل العائلتين من خلالهما، وحين شرح الموقف لأبيه وجد أن الفكرة مشجعة، ونجحت محاولتهما، فقد أقنعهم صالح بأن المصاهرة ستطوي صفحة النزاع بينهم، وقد حصلت الموافقة.
وشهدت أم الحطب حفلة زفاف أنور على لطيفة التي أخفت حبها لأنور الشاب ذي القوام الرفيع أدخلت السرور على قلوب العائلتين.
لكن ما أبهج، وأسعد القرية أكثر من ذلك شروع الحكومة ببناء مدرسة ابتدائية فيها شارك الجميع ببنائها لتستقبل أطفالها، وهم يودعون كُتاب إمام المسجد الذي ورثها عن، والده الشيخ بركات

*****

كان الصباح الندي يوزع أهالي أم الحطب على الحقول، حيث كان صابر الأخ الأصغر لمحمد الحر يجلس، وقد اتكأ على جدار بيته العتيق يمسك بعوده الصغير، ويعزف بتأني بينما تحلق الفتيه حوله ممن هرب من مساعدة والديه من أعمال الحقول المضنية، وفوجئ بامرأة تقترب منهم مبتسمةً، وهي تنظر إليه، و قد اغرورقت عيناها بالدموع، فتوقف عن العزف، وهب واقفاً بعد عرفها، وغادر المكان بينما تركها تنادي:
- صابر... !! صابر.... !!
كانت المرأة جميلة أمه التي كثيراً ما سمعت عنه يتعلم العرف على العود، وصادف مرورها سماعها للعزف، فقادتها خطواتها نحوه لتفاجأ به يمتنع عن مقابلتها، فأجهشت بالبكاء، وهي تغادر مكسورة القلب.
منذ سفره مع جده إلى بيروت لم تكتحل عينا جميلة برؤية أبنائها حتى، وحين جاء العجوز ليصطحب زوجتي أحفاده إلى بيروت طلب منها بعد أن رجته أن تشارك فرحة أبنائها فرحتهم لكن العجوز رفض بشدة رغم إيمانه بحقها مشاركة أبنائها فرحتهم في الزواج، بل اكتفى بقوله لها:
- اسمعي يا ابنتي إنَّ محمد هو عامود بيت الحر، فاتركينا نشق طريقنا بعيداً عنك، وعن سعيد الخلف، وتفرغي لزوجك وأبنائك منه !!
كان العجوز يعذر جميلة بزواجها من سعيد الخلف، فهي كانت صغيرة السن، ويحق لها أن تعيش بسعادة كمثيلاتها الشابات، وكثيراً ما كان يردد على مسمع أحفاده:
- ( مسكين من لا زوجة له ومسكينةٌ من لا زوج لها ).
عادت جميلة لبيتها مكسورةَ القلب حزينة تملأ عيونها الدموع، ولحظ زوجها سعيد الخلف ذلك، فعرف أنها رأت أحد أبنائها من شريف الحر لكنه، لم يكترث.

*****

















البداية

المدينة منتصف النهار، والشمس تصفع رؤوس المارة بشارعها الرئيس وقف محمد الحر، وظله يختبئ بين ساقيه يرصد بنظره الحاد حركة الناس، ويبحث بين خطواتها على ما لا يمكن فقده بعد أبيه وأمه وجده، وتمادى حر الشمس، وهو يكيل الصفعات لرأسه، ولم يزل متسمر بمكانه يسمع دبيب خطوات الناس من حوله كنمل يمر جانب عملاق هرم.
العرق يُغدق رطوبةً على جسده الفتي يكسبه برودة لا تكترث لصفعات الشمس الحارقة، وشعر أنه في هوة عميقة، وأحس بيأس ضلل هالة سوداء فوق دماغه تمنعه من المسير، أو الحركة، وأيقن أنه غير قادر على كبح تضخم هذا الشعور الغريب، فصرخ في أعماقه مستنجداً بمن لا يعرف قائلاً:
- دلني على طريق لأخرج منه من هذه الهوة السحيقة!!
مشط محمد الحر الشارع الطويل في منتصف المدينة بخطوات تدب على الأرض بقوة يستعرض محلاتها التجارية واحداً بعد الآخر؛ من محل إسماعيل العياش شرقاً حتى كراج المنطقة الغربية مروراً بمحلات الحاج محسن العياش، و الزعبي، و متجاوزاً محل خطاب، ومحل هريسة المنجد، ويعيد تمشيط الشارع مرةً، بعد مرة؛ حتى شعر بحرية تثلج رأسه، وبدأت تتلاشى آثار الهالة السوداء من حوله، فأسلم نفسه لمقعد خشبي في زاوية مقهى شعبي وسط الشارع المقابل.
وضع النادل فنجان القهوة أمامه، فتناوله على عجل، وهو يمج دخان لفافته بعمق، ويفكر في ما لا يمكن فقده، فيما لا يوقف مدَّ بحره الهائج محمَّلاً برطوبة قادم من بيروت كان قد خرج من أم الحطب برفقة عجوز أعمى يعيده جثة هامدة فوق رزم النقود يتجرأ لنيل وسط الشارع الرئيس للمدينة بجدارة.
وبمساعدة سمسار يتأبط حقيبة جلدية بُنيّة اللون عرض على صاحب محل يقع في منتصف الشارع كان قد علق لوحة على باب محلة كتب عليها برسم البيع صفقة انتهت بتوقيع عقد شراءه، وأنهى حصوله على سند الملكية بأيام قليلة، ولم يتوان في طلبه من السمسار مقابل مبلغ مجزي بإقناع أصحاب المحلات المجاورة ببيع محلاتهم، فتملك ثلاثة محال تجارية وسط الشارع العام.
كان محمد الحر يفكر أثناء إجراء معاملات البيع بنوعية التجارة التي ينوي الاتجار بها، ولم يدم التفكير طويلاً، إذ أقدم على افتتاح محل لبيع الأثاث المنزلي، وآخر لبيع الأقمشة بينما خصص الثالث لبيع الذهب، والمجوهرات.
ولم يمتنع الأخوة من الانضمام إليه بعمله الجديد الذي بدا غير مشجع لكنه استدرك، واستعان بمن لديه خبرة في مثل هذه الأعمال، فسارع إلى رفد محل الذهب، والمجوهرات بالشاب وسيم ذاك الشاب الذي عمل عند أحد تجار الذهب في العاصمة، وأغدق عليه أجرة لا يطمح أحد لنيلها من أقرانه.
لم يكن محمد الحر ليدفع هذا الأجر لشخص ما، لكن التعامل مع هكذا تجارة بحاجة إلى خبرة لا يجيد منها شيئاً، فقرر أن يتعلمها منه دون أن ينتبه، فكان يترك أخوته يساعدهم موظفون كان قد ألحقهم بعمله لبيع الأقمشة، والأثاث بينما التزم الصمت يراقب وسيم كيف يمارس بحرفة فائقة إدارته لمحل بيع الذهب، وليبدأ مرحلة جديدة من حياته التي ستمتد طويلاً.
كان وسيم شاباً طويلاً أبيض البشرة تزين أصابعه خواتم الذهب، وتحيط بعنقه سلاسل ذهبية مختلفة الأطوال، والأحجام يحافظ على حلق لحيته، وشاربه كل يوم يبذخ على نفسه بالعطور الثمينة، والملابس الأنيقة الأمر الذي أثار استياء محمد الحر، ثم ما لبث أن بدأ يقلده شيئاً، فشيئا حتى وصل ليوم دخل به على زوجته الغارقة بالعناية بابنها البكر شريف، وقد حلق شاربه يرتدي ملابس أنيقة، وتزين أصابعه الخواتم، والحلي فبهتت، وصرخت باستغراب:
- محمد أين شاربك ؟!!
لم يكترث لسؤالها، إذ رمى نحوها كيساً ورقياً يحتوي على علبة أنيقة فتحتها لتجد مجموعة أساور وحلي، فنظرت نحوه مستفسرة، فابتسم لها قائلاً:
- مبروك عليك الهدية لأنك أم شريف !!
لم يقدم محمد الحر على هذه الخطوة إلا بعد أن سمع من وسيم أن الذهب هو من أهم اهتمامات المرأة، ولكونه حلق شاربه، فقد خجل من الدخول عليها بدون شارب، فقرر لفت نظرها نحو الهدية ليكسر الحاجز، وهو يدخل عليها بدون شارب.
وقد كلفته هذه الخطوة غالياً، إذ أُجبر بعد أن لاحظ أخويه حجم الهدية التي حصلت عليها أم شريف أن يمنح زوجتي أخويه الهدية نفسها، بينما لم يكترث صابر لشيء بعد أن قُبِل طالباً في المرحلة الإعدادية في المدينة يذهب برفقة إخوانه صباحاً، ويعود معهم في المساء.
ولم يكن لديه متسع من الوقت للالتحاق بمجلس المختار الذي قلما يفض قبل طرح موضوعه بقوة متسائلين عن النقلة النوعية بحياة عائلة الحر، ومتسائلين عن أربعة أيتام سافروا إلى بيروت برفقة عجوز أعمى استطاعوا أن يصلوا إلى هذا الثراء بسنوات لا يقدر الرجال على تحقيقه.
وأمضى محمد الحر سنة كاملة يلتزم الجلوس يراقب وسيم لإدارة تجارته، ويراقب تلاعبه بعقول النساء اللواتي اعتدن المجيء لمحله بشكل دائم، وطريقة إقناعه لهنَّ بشراء، أو تبديل قطعة ما، أو الاستغناء عنها، إذا ما كان يكسب ربحاً من شرائها، ففتح عينيه على نمط جديد من التعامل مع الناس سيطر على حياته، وأسهره ليال طويلة يجافي عيناهُ النومَ.
ولم يكن إيراد الأقمشة، والأثاث المنزلي ببعيد عنه، فقد التزم أخواهُ بتوريد الإيراد إليه كل يوم، ومنح سلطة جمعهم متحدين، وترك له إدارة الاتحاد بصورة مطلقة وصلت لتحديد وجبة الغداء للجميع حتى في القرية.

*****

في صباحٍ باكر من أيام الصيف الندية سمع الناس خادم المسجد العتيق ينعى، وبشكل مفاجئ مختار قرية أم الحطب جبر الخليل، وكان معظم الناس في حقولهم يتسارعون، ويتسابقون لجني محصول القمح الوفير، فاجتمع الناس سريعاً في مجلسه الذي غص بالحضور، وتوافد الناس من القرى المجاورة، إذ التزم المتوفى في المرحلة الأخيرة بتطوير علاقاته الاجتماعية مع الناس، ومشاركته لهم في أفراحهم، وأتراحهم.
علي المصطفى، والذي كان برفقته بعد أن استدعي ليلاً- بناءً على طلب جبر الخليل الذي كان يحتضر- تمثل الحزن له على فراقه، فبكى بصمت بعد أن عجل بإرسال أحدهم إلى بيروت فور رؤيته لجبر الخليل يحتضر، وطلب منه إحضار الجميع، وعلى وجه السرعة.
وتوافد الجميع تنقلهم سيارات الأجرة التي اعتادوا القدوم فيها كل فترة، وكان كريم، وأبناء عمه أول الواصلين، وتبعهم هلال الشحرور، وعائلته الصغيرة، فغص مجلسه بحشد لم يسبق له مثيل.
ومرت ساعات الظهيرة سريعاً، والقرية تُوَّدع جبر الخليل إلى جبانة القرية التي، فتحت أبوابها لاستقبالهم بلا مبالاة، وما إن أنهى المشيعون دفن جبر الخليل، حتى تقدم هلال الشحرور نحو الجمع، وصاح بهم قائلاً:
- اسمعوني يا أهالي أم الحطب !!
وتابع ينشج بصوت دفين:
- هنا يرقد جبر الخليل رحمه الله، فاسمحوا أن يكون هنا – ورسم بعكازه مستطيلاً – قبري بجانبه !!
نشج الجمع بصمت بينما سالت دموع صالح على خديه بغزارة، فأبوه أصبح أكبر سكان أم الحطب عمراً، والمرض الذي يعانيه جعل منه شبه عاجزٍ لا يقوى، إلا على الكلام، أما علي المصطفى، والذي حافظ على صمته مطرقاً يتقدم نحو هلال الشحرور، ويعانقه بصمت، ثم قال:
- وليكن هنا قبري، وأشار إلى جانب المستطيل الذي رسمه هلال الشحرور، وغاب بين الناس خارجاً لكنه عاد، ونظر إلى الناس قائلاً:
- أرجو أن أسمع شيئاً عن مصطفى قبل أن أستريح بقربك يا جبر الخليل.
ونامت القرية على حزن كبير بينما أصر هلال الشحرور، وغادر القرية ليلاً، وترك علي المصطفى يجترع لفافته بعد أن أسرج قنديله الأبيض يشرب قهوته وحيداً.
عين كريم مختاراً يخلف والده، و رغم أنه الابن الثاني لكن فخري، والذي لا يملك سجايا، ومزايا كريم كان قد فسح الطريق لأخيه لتسلَّم المنصب الجديد، واستغرق ذلك وقتاً حتى استطاع كريم أن ينهي أعماله في بيروت، ويسلم عمله كاملاً إلى ابن عمه كمال الذي عجل بالعودة إلى هناك بعد أن فض مجلس العزاء، ولم يكن علي المصطفى راغباً بالمنصب، فرغم أنه المرشح الـأقوى وخبرته في أمور القرية كبيرة إلا أنه فضل قضاء بقية عمره منتظراً عودة مصطفى، أو سماع بعض أخباره، ولم يدم انتظاره طويلاً حتى دخل القرية شاب تجاوز الثلاثين عاماً يستقل سيارة أجرة، ويسأل عن منزل علي المصطفى الذي احتفى به أيما احتفاء حين علم بأنه من طرف ابنه مصطفى.
فأخبرهم أنَّ مصطفى، وبعد أن ركب الباخرة التجارية أمضى أشهراً حتى وصل إلى أميركا حيث حظي برفقة كميل بمعين له ببلاد لا يعرف من لغتها، ولا طرق عيشها شيئاً، وحصل بمساعدة كميل على أعمال شتى، وإن استقر مؤخراً - وبعد أن تعلم شيئاً ليس باليسير من لغتهم – بدكان متواضع لبيع الأقمشة تلك المهنة التي تعذب حتى أتقنها حيث بدأها كبائع متجول يحمل أكياس الأقمشة فوق ظهره، والتي كسب منها ما يؤهله لافتتاح متجر صغير.
وعلى الرغم من مغادرة كميل البلاد يعمل على متن سفينة تجارية أخرى، إلا أن مصطفى بقي هناك، وقد بهرته أمريكا فرفض الرحيل.
كان علي المصطفى، وجمهرة من أهالي أم الحطب تنصت بصمت للضيف الجديد، وهو يطمئنهم على ابنهم الغائب الذي حمله رسالة كتبها بخط لم يتغير منذ تخرج من كتاب القرية طمأن بها أمه، وأبيه، وبعث للجميع بأشواقه الحارة.
أيقظت مريم صالح فجراً على تردي حالة والده، فأسرع بنقله إلى المشفى حيث يغط بسبات عميق، وبدا هلال الشحرور عملاق أم الحطب طفلاً يغط بنوم عميق، ولعلَّه كان يستعرض سيرة حياته الماضية من أزقّة أم الحطب لشوارع حيفا، ومقارعة خنازير الليل، وحلمه الذي يحلم رغم سباته ليرى غرسته تثمر قبل أن يسلِّم الروح، ويرتاح.
كان وجه مريم الذي بدأت تظهر تجاعيده بشكل واضح يبحث بعينين دامعتين، وهي تستقبل الطبيب المعالج عما يخفف من جزعها الشديد - الغير مألوف هذه المرة – على زوجها الذي حافظ على سباته الوديع بينما صالح يمسك بيده يستعرض معه خان الشيخ مسعود، وطعم الخيار المخلل حتى أبواب الجامعة.
لم ينبس الطبيب ببنة شفة، بل اكتفى بالابتسام، وهو يودعهم لمريض آخر، وترك هلال الشحرور يغط بسباته، ويتابع استعراض تاريخه الطويل لعملاق سقط أخيراً كما سيسقط كل الناس.
لم يستفيق هلال الشحرور بعدها، إلا دقائق معدودة بعثت الأمل في قلب العائلة الصغيرة حيث ارتجفت شفتاه، وهو يبتسم، ويشد على أصابع صالح، ويقول:
- لم يبق من حلمي الكثير يا بني، فأنا لن أشهده لكني أرى ثماره فيك!!
وأجهد نفسه بتشجيع صالح على متابعة دراسته، والاهتمام بمريم التي منعتها غصة محرقة من الحديث لكنها عرفت أنها أمام زوجها الذي يحتضر، وعاد يغط بنوم عميق حيث أسلم الروح بعد أن أنهى مرض السكر حياته على سرير بمشفى العاصمة التي احتضنته، وسمحت تربتها الطيبة بغرس ابنه صالح فيها.
وغص مجلس عزائه بالناس حيث وقف صالح ثابتاً يستقبلهم بابتسامة حزينة يساعده فايز الوكيل بأعماله، وعائلته بما فيهم الضابط أمجد الذي ترفَّع مؤخراً لرتبة نقيب زينت كتفيه بثلاث نجوم حلم كثير من الشباب بوضعها فوق أكتافهم، ونامت أم الحطب ليلتها الأولى بدون هلال الشحرور لتفاجأ صباحاً بخبر وفاة علي المصطفى الذي نقل منتصف الليل إلى المشفى الوطني، ولم يمهله القدر حتى يرى ضوء الفجر، فالألم الذي صعق صدره كان من القسوة أن سلم الروح قبل أن يصلوا به إلى المشفى، فشهدت أم الحطب عزاءً واحداً بفقد أعظم رجالاتها الذين عانوا من ظلم المالك، وبطش الفرنسيين، فصمدوا، وسلموا الراية لجيل جديد يتابع دورة الحياة.

*****

ومضت سنوات على أم الحطب برتابة مملة لم يحدث فيها شيء يذكر، إلا ازدياد عدد طلاب المدرسة التي افتتحت صفاً لتلاميذ السنة الخامسة الابتدائية بإشراف معلم قادم من المدينة لقي احتراماً، وحسن معاملة من أهالي القرية التي ما زال وادي الزيدي يأتي عليها كل عام، ويجر الحصى، والأغصان المحطمة في طريقه ليصب في برك القرية، وآبارها، واستمر طابور حسين العلي الصباحي يستقبل العمال في الميناء يضخ في شرايينهم ساقية أغنتهم عن انتظار موسم يأتي كل خمس سنوات، وارتفع مستوى الحياة لديهم بما يخرج عن مستوى الفقر قليلاً باستثناء المخبز الذي أثرى كمال، وإخوته لما أولوه اهتماماً، وحسن متابعة، وأثرت تلك السنوات محمد الحر بشكل كبير، فقد توسعت تجارته، وكثر زبائنه، وأصبح يعد من كبار تجار المدينة يحظى باحترام، وطاعة إخوته بينما لا يزال يجثم فوق كنز أنساه شريف الحر أول شهيد في أم الحطب، ولم تكن هذه السنوات تمر هكذا على صالح، إذ أنهى دراسته الجامعية حيث تقدم لمسابقة القضاة، والتي أعلن عنها، فعين قاضياً في أحد المحاكم الجزائية لتبدأ مرحلة جديدة من نزف الذاكرة، حيث دول الخليج، وقد نالت استقلالها، و باشر سكان غرف الصفيح الاستعداد للسفر إلى هناك، فسافر من بقي حياً إلاك أنت، فقد وقفت أمك ضد سفرك، و بقيت مع من بقى تصارع لقمة العيش حتى حجزت مرقداً تحت ضوء الشمس الذي يشرق على أم الحطب كل يوم.








علي أحمد العبد الله
سوريا – محافظة درعا
قرية كحيل / 2008











الفهرس


مرجانة ************************ 4

عالقين ************************ 12

حيفا *************************18

الوديعة ********************** 24

الجراد **********************39

الصفيح ********************* 55

الكنز ***********************62

الجهل ***********************69

البداية ***********************79












توقيع محمد فتحي المقداد



=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=

** مدرج بصرى الشام **
( بصرى المحبة وصخب التاريخ )


عرض البوم صور محمد فتحي المقداد   رد مع اقتباس
قديم 12-26-2010, 03:25 PM   المشاركة رقم: 2
المعلومات
الكاتب:
محمد يوب
اللقب:
كاتب وناقد أدبي/ أستاذ بارز

البيانات
التسجيل: Jul 2010
العضوية: 659
المشاركات: 84
بمعدل : 0.02 يوميا
الإتصالات
الحالة:
محمد يوب غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

 

كاتب الموضوع : محمد فتحي المقداد المنتدى : القصة الطويلة الرواية والمسرحية
افتراضي

رواية رائعة بأحداثها التي تمزج بين الواقعي و المتخيل وبأبطالها الحداثيين الذين يتنوعون بتنوع هذه الأحداث التي عرفتها أم الحطب.
تمنيت لو نشرتها فصلا فصلا.
مودتي












عرض البوم صور محمد يوب   رد مع اقتباس
قديم 12-27-2010, 01:17 AM   المشاركة رقم: 3
المعلومات
الكاتب:
محمد فتحي المقداد
اللقب:
كاتب/ الإدارة العامة للمنتديات
 
الصورة الرمزية محمد فتحي المقداد

البيانات
التسجيل: Jan 2010
العضوية: 50
المشاركات: 556
بمعدل : 0.16 يوميا
الإتصالات
الحالة:
محمد فتحي المقداد غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

 

كاتب الموضوع : محمد فتحي المقداد المنتدى : القصة الطويلة الرواية والمسرحية
افتراضي

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محمد يوب نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة
اقتباس:
رواية رائعة بأحداثها التي تمزج بين الواقعي و المتخيل وبأبطالها الحداثيين الذين يتنوعون بتنوع هذه الأحداث التي عرفتها أم الحطب.
تمنيت لو نشرتها فصلا فصلا.
مودتي

الأستاذ محمد يوب
اسعد الله أوقاتك
اعتقدت نشرها بصفحة واحدة فيه من
السهولة لمن اراد أن يسحبها ويحتفظ
وكذلك للقراء ..
والأستاذ علي العبدالله متجدد وروح نابضة
لك مودتي












توقيع محمد فتحي المقداد



=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=

** مدرج بصرى الشام **
( بصرى المحبة وصخب التاريخ )


عرض البوم صور محمد فتحي المقداد   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 2 ( الأعضاء 0 والزوار 2)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
رواية مثيرة عن حياة اللاجئين الفلسطينيين في حارة اليهود بدمشق! محمد منصور الشاعر لطفي الياسيني القضية السورية 0 03-12-2012 02:27 PM
ياسر طويش: من أرشيف الذاكرة والحنين (1) ياسر طويش الجمعية والاعضاء 4 01-24-2011 07:13 AM
رواية ( رجل منسي) كاملة للروائي علي آحمد العبدالله محمد فتحي المقداد القصة الطويلة الرواية والمسرحية 3 12-21-2010 03:27 AM
الذاكرة الفلسطينية يسري راغب القضية الفلسطينية 5 12-17-2010 07:06 PM
الصهيل في مرايا الذاكرة والحلم..! محمد الزينو السلوم شـعر الـتـفعـيـلـة 7 02-09-2010 08:33 AM


الساعة الآن 02:41 AM.

جميع الآراء الواردة تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا علاقة لإدارة الموقع بها

Powered by vBulletin® Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
Translation by wata1.com