.............
 

آخر 12 مشاركات
نوبل ٢٠١٩ .. مزيد من المركزية عائلة وجدوها منعزلة بقبو تنتظر منذ ٩ سنوات دمار العالم الكاتب المسرحي الأستاذ حنا الرسام الموصلي : بهنام سليم حبابه
سقطت الحكومة والبرلمان تحت اقدام المتظاهرين : علي الكاش فلسطين.. أول مصنع لإنتاج المناديل الورقية من سعف النخيل-... جينات العائلة العراقية تنتفض في تشرين : هيفاء زنكنة
فائض الغضب بمواجهة فائض الحقد في العراق : د . مثنى عبد الله حرائق هائلة تجتاح غابات لبنان- (صور) نشبت حرائق، فجر... مسرحية الصراع الأمريكي الإيراني شبكة البصرة مازن التميمي
>> >> وسائل جاهزة لمواجهة الانتفاضة العراقية >> >> >> ... خبير قانوني: قرار حل مجالس المحافظات لا قيمة له قانونا تونس... أكثر من مليون و٣٠٠ الف شخص تقدموا لمنحة طوارئ العاطلين عن...


رجوع   الجمعية الدولية الحرة للمترجمين واللغويين العرب واتا > الدواوين الشعرية > الملتقيات الخاصة > ملتقى خاص بالفيلق الإعلامي المقاوم أ. د. كاظم عبد الحسين عباس
الإنتساب المساعدة قائمة الأعضاء التقويم محرك البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
قديم 10-20-2012, 08:34 AM   المشاركة رقم: 1
المعلومات
الكاتب:
أ.د. كاظم عبد الحسين عباس
اللقب:
بروفيسور/ الإدارة العامة للمنتديات

البيانات
التسجيل: Oct 2011
العضوية: 1533
المشاركات: 72
بمعدل : 0.02 يوميا
الإتصالات
الحالة:
أ.د. كاظم عبد الحسين عباس غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

 

المنتدى : ملتقى خاص بالفيلق الإعلامي المقاوم أ. د. كاظم عبد الحسين عباس
افتراضيالرحيل الى سومر

رواية الطبيب الدكتور العراقي مجيد محسن الحمداني ..الرحيل الى سومر.........حكاية من زمن الاحتلال البغيض
-1-
الرحيل إلى سومر

رقم الإيداع بدار الكتب صنعاء 169/2007

مركز عبادي للدراسات والنشر
مِيتان؛ قرية من قرى "أبو الخصيب " في جنوب العراق .. تلامس النهر الحلم, شط العرب .. تدغدغ أمواجه كل حين .. وتُقَبِّلُ شِباك الصياديين في أعالي السحر .. عاشقة تلفه بضفائرها الذهبية .. تغطيه بطهر جلابيب أهلها السماوية .. تحتضن قصور ودور البصرة الجنوبية. ميتان دفعت أثمان حروب جاورتها, على مر العصور .. وقدمت قرابين طاهرة من رجالها؛ دفاعاً عن أرض العراق.




ميتان قرية ذات سمات أسطورية .. غابات من النخيل, تدفن قاماتها في قرص الشمس المتسلق لحظة انبلاجه من أقصى الشرق صوب الأرض في كل مكان .. للشجر والريح فيها حواس .. لا يغضب الليل فيها .. تحنو النخيل بسعفها المتدلي على ناسها .. أوراق الشجر تشاطر المحنة والحزن .. تتساقط كالدموع على الأرض الطيبة .. ميتان جاءت قبل أن يُكْتَبَ التاريخ .. قرية موجودة في حكايات العجايز, التي تحدثت عن " الطنطل "( ), و" السعلوة "، و" عبد الشط " .. وغيرهما من الكائنات الأسطورية بعد مغيب شمس كل يوم. ميتان رائحة تراثية لذاكرة الأمس الحُبلى بالألم والحزن, الذي غلَّف حياة الناس فيها كل هذه السنين. قيثارة رافقت لحظات الرحيل, والولادة الجديدة؛ دون أن تنقطع عن امتدادها الذي ابتلعته الأمواج ذات يوم, وجعلت من حدود طينها امتداداً يلامس عمق النهر .. بقيت ميتان عنواناً .. يذكرك بولادة عسيرة من رحم الماء, والجداول المتعانقة حد الجنون. ميتان أسطورة جديدة يعاد نسج أحداثها مثلما ينسج الصيادون شباكهم المعطوبة .. ميتان تبحر ببصرها عبر هذه القرون التي خلَّفَها التاريخ ورائه .. عصارة أُلفة, ودفء, وطيب .. تعلو نخيلُها - بقاماتها الرشيقة - رؤوسَ ساكنيها .. تُلْقِي بظلال منكسرة فوق صفحات أمواج شط العرب.
من عائلة دينية متواضعة, معروفة بالتزامها ومحافظتها؛ ولد خالد المترب في قرية ميتان .. استشهد والده عبد اللطيف المترب خلال القصف المدفعي الإيراني على الأحياء السكنية في مدينة البصرة عام 1986 م .. توفيت والدته بعد عاميين .. بعد أن أوقف الكرب كبدها عن العمل .. تحَمَّل مسؤولية أخيه وأخواته .. عاش يحمل هموم محنته .. يحمل بين جنباته روح " أبو الخصيب " .. طيبة البصرة التي درس في مدارسها .. وترعرع بين جداولها .. بين خضرتها .. وعبق رطوبة هوائها .. كانت رقته تشاكس الدمع في كل حياته .. هنا وُلِدَ ونشأ خالد المترب .. يعرفه الناس كلهم .. واحداً منهم .. كما الأشجار والأمطار .. كما الشمس والأزهار .. في دروب هذه القرية المتربة عاش طفولة احتضنها النهر .. كانت قريته طيبة بحجم قلبه .. أهلها يفترشون الأرض .. يجتمعون كل يوم حول سُفْرَةٍ من الخوص. تَعَوَّدَ الرحيلَ كل يوم .. تَعَيَّنَ عليه عبور جسر صغير بدراجته الهوائية .. عبور نهر عشقته ذاكرته .. أدمن رؤيته حد الهيام .. محبة عذرية صادقة .. محبة عاشق للأرض والزمان .. كي يصل مركز البصرة. الجسر صغير .. يضيق بعابريه في ممر واحد .. اتجاه واحد .. إلا أن الحاجة جعلته باتجاهين .. طابور طويل من العابرين .. حوادث كثيرة على الجانبين .. جعلته يغادر داره قبل ساعات .. كي يقطع الكيلومترات العشرة من منزله إلى حيث يريد.
تمر الأيام ثقيلة .. ها هي قريته تنوء تحت حملٍ بغيض للاحتلال الأمريكي البريطاني .. من وقتها خيَّم ليل ثقيل على حياة الناس في القرية .. استوطنهم الحزن والإحباط .. وغطى قلوبَهم رماد داكن .. لكنّ خالدَ ضاع في لحظات الانكسار .. التجأ للنهر .. أشفقت النخيل عليه .. راحت تلامس أحزانه .. بؤسه وعذابه ومرارة أيامه .. فالتصق بواحدة منها .. أعطاها نفسه وصمته .. كتم سرَّه قرب واحدة منها .. دفن قاذفته .. " ستكونين معي في أول منازلة مع العدو " .. دفن بجوارها ثلاثة من خراطيشها .. مقذوفاتها صواريخ ذات زعانف .. لا قيمة للسلاح دون عتاد .. رفع يداه إلى السماء .. يا رب.
بعيد كل ظُهْرٍ .. يبقى خالد ملتصقاً إلى ضفة جدول متفرع من شط العرب .. يصيد السمك .. متجنباً متاعب وإرهاصات المدن .. ها هو يتهادى ببلمه( ) الهوينى .. متسلقاً مويجات الشط .. مسرِّحاً البصر إلى أبعد نقطة تطالها ذاكرته .. أين هي أشجار النخيل الباسقات ؟ أين هي الغابات الكثيفة التي كانت على جانبي النهر الحلم؟ أين هي غابة النخيل التي تغنى بها السياب وقرَّبها إلى عيون وفيقة ؟ .. حبيبته الأسطورية: " عيناك .. غابتا نخيل ساعة السحر .. أو شرفتان راح ينأى عنهما القمر " .. عادت به الذاكرة إلى أيام الحرب مع إيران .. تذكر ضحكات الأهل .. قَبْل أكثر من عشرين سنة .. من عام 1986 .. كان الوقت شتاءاً قارص البرد .. فاجأت الأخبار يقين أهل ميتان .. " القوات الإيرانية تعبر شط العرب الصغير وتسيطر على شمالي " أبو الخصيب " وجزيرة طويلة بعد قتال عنيف " .. تلفت الجميع حول الفضاءات المحيطة بهم .. لا دوي مدافع .. ولا أزيز رصاص .. سمعوا صوت الريح, وشَخَصَتْ أبصارُهم صوب الأفق المتشح بالسواد .. صوب الجبهة .. انتبهوا للنجوم .. كانت صافية لامعة .. هاهي النجمات تكبر مادام القمر غائباً .. يلفهم صمت .. يلفهم أنين خافت .. يعودون للحياة من جديد .. دعوهم يحلمون .. الأرض عصية على الريح .. فكيف هي على الطامعين؟



بيوت الطين تعانق شط العرب في ميتان

راح خالد يداعب الشط بمجدافه الخشبي القصير .. توسط النهر .. رمى شِباكَه المتداخلة .. ها هي " كُرْبات " جذع النخيل تطفو على الماء, يدغدغ أليافها البارزة هواء بصري رَطِِيب .. بدأ بسحب الشِباك وهو يبتعد برفق عن قلب النهر .. يا إلهي !! صيد جميل .. أسماك كثيرة .. " شانگ( ) " وصبور .. و " سمتي " .. بياح، وحمري .. انتشى فرحاً وهَمَّ بالعودة .. غير أن ريحاً باغتت نشوته .. الأمواج تحاصره .. كاد أن يفقد توازنه .. وهو في فردوسه .. في قاربه الذي يصارع الموت على صفحات الماء .. جاهد كثيراً .. حتى ألقت به الأقدار قريباً من ضفة الشط .. قريباً من طين بيوت قريته .. ألْقَت الشمس بضيائها الذهبي, وظلالها البهية على موجات الشط في ميتان .. لوحة جميلة ربما لا تتكرر كل يوم .. حَمَدَ الله مرة ثانية .. وتاه في لحظة تأمل الحياة.

شهر رمضان على الأبواب .. رمضان آخر وقريته .. بصرته .. عراقه .. يرزح تحت حمل احتلال بغيظ .. تذكر حديث والده : " كانت البصرة أيام الثلاثينيات بلا كهرباء. هناك أعمدة تعلق عليها الفوانيس النفطية يقوم بإنارتها عامل يتنقل بدراجته الهوائية. القرى تتوشح ستر الليل .. وتلتحف سواده .. تسمع الهمس في أزقتها .. ورغم عتمة الليل وسواده؛ فالناس لا يضيع عنها صوت محب .. أو رائحة صديق .. " حياك الله ويا هلا ".. تتبادلها الحناجر .. وتتبسم لها الوجوه.

مع اقتراب الشهر, خرج خالد ومجموعة من أهل قريته إلى تل مرتفع, يحدقون الأفق الممتد عبر سماء حاصرت بعض جوانبها غيوم عابرة .. لعل أحدهم يبصر الهلال فتُزَف البشارة إلى القرية. رؤية الهلال لحظة سعد يتمناها الجميع .. معها يطل شهر رمضان حاملاً قدسيته .. كان الجميع يستعد لاستقبال الشهر الكريم .. يهيئون كل المستلزمات التي تحتاجه رحلة الصوم مع شهر رمضان .. هيئوا الحطب للطبخ من جريد النخل والأشجار .. في رمضانيات تلك الأيام الخوالي الجميلة يتذكر الناس شخصاً بصرياً اسمه محمد .. لديه مدفع قديم .. يذهب صباحاً إلى محال الخياطين ويأتي ببقايا القماش الذي يضعها في " فوهة " المدفع, ويخلط مع القماش البارود, ثم يدفعه إلى داخل " السبطانة " أكثر من مرة ليكون المدفع معداً للإطلاق. ويقوم محمد لحظة سماعه صوت المؤذن؛ بسحب الحبل المثبت بالمدفع، فتندفع قذيفته المحشوة بالقماش محدثة دوياً، صوتاً مسموعاً .. فيسارع الناس إلى الصلاة وتناو الإفطار .. تجتمع العائلة .. يلم شهر رمضان الكريم شملها الأسري .. خصلة حميدة من خصال هذا الشهر الفضيل .. كانت عادة القرويين في ميتان وغيرها؛ تبادل الأطعمة قبيل الإفطار .. غالباً ما يقف أولاد القرية عند زاوية إحدى " الجادات " يبحث عن فقير أو مسكين أو عابر سبيل .. لدعوته مشاركة الإفطار معهم .. عادة ما يلعب الأطفال - ومن الجنسين معاً - .. يجمعهم الفرح والسعادة والبراءة .. عند منتصف شهر رمضان .. تبدأ حركاتهم الحلوة .. يجوبون الأزقة .. يطلبون من أصحاب البيوت " الگرگيعان " وهم ينادون: " يا أهل السطوح تنطونه لو نروح " .. لكن أطفال ميتان يرددون هذه الأيام :" ما جينا يا ما جينا .. ضاع الوطن مِنْ أيدينا ". ها هو العيد .. تحولت البسمة فيه إلى حزن يغلف الوجوه .. العيد مشحون بالأسى .. مثقل بالموت والخراب والدمار .. كان مناسبة للقاء الأحبة .. الأطفال في أبهى حلة .. فرحة غامرة " بعيديات " الأهل والأقارب .. تلاشت صورة الأمس .. ضاع العيد .. وضاعت معه فرحة الناس والزمان.
وقف خالد المترب جوار سدرة الدار .. اعتاد أن يأخذ معه كيساً مليئاً بالنَّبْق( ) .. يوزعه على الأصدقاء في دائرة عمله قبل الاحتلال .. هذا يريد نبقاً بالنوى .. آخر يريد النبق الهندي أو الزيتوني الذي تكون حبته شبيهة بحبة الزيتون.. حبته بيضوية وأحجامها مختلفة, النبق التفاحي وهذا موجود بشكل كثيف , البمباوي وغيره من الأنواع التي تحتوي على نوى تطرح جانباً بعد الأكل .. آخرون يسألون عن " الملاسي " أي بدون نوى .. أجدبت هذه الشجرة الطيبة .. هي الأخرى حزينة .. الكَرَبُ جعلها عقيمة .. لم تحمل الأشجار ثماراً .. بقيت البساتين كئيبة كأنها تعلن الحداد .. بكى خالد وحاول أن يجفف دموعه بأطراف ردائه .. فقد فاضت العيون دماً ودمعاً .. سيلاً يجرف كل الخطايا التي سببها الاحتلال الآثم .. لماذا وجوه أهله مكسورة ومسكونة بالخوف والألم ؟ حياة .. وموت .. سعادة ضائعة .. حزن يغلف العيون .. كل شيء واهن كوهن بيت العنكبوت .. راح يسرح بصره من جديد صوب قريته .. معاناة تعتصر كل ما بداخله من شجون.
تَذَكَّر خالد أيامَ كان طالباً في الجامعة .. في كلية الهندسة .. في التنومة .. في الجهة الأخرى من المدينة .. كيف كان يعود منها ؟ .. يخرج إلى مركز المدينة .. يدخل مقاهيها .. عند منتصف الليل أو بعده فيختلط بالمئات من البشر .. في ذلك الزمان كانت البصرة تسهر حتى الفجر رغم كل أصوات المدافع .. وسخونة المواجهة في الجبهة الجنوبية .. دون أن يخشى أشباح الموت .. من دون أن تعكر صفوها الكوابيس .. غير أن البصرة اليوم يعلوها غبار الكآبة ورماد العنف والموت .. يثقل قلبها الألم والخوف .. وتخيّم على ليلها ظلمة الوحشة .. تؤلم ذاكرتها أوجاع و رعب حروبٍ قاسية طويلة .. محطات من الاختناق والألم والحزن .. كان إذا خرج تبعته دعوات أخواته .. أن يعيده الله سالماً .. كان مؤمناً بقضاء الله وقدره: " عندما يأذن الله بالعناية لأحد من خلقه .. فلن تستطيع أي قوة في الأرض أن تخترق تلك العناية ". هكذا كان يردد القول كلما جاء حديث مغادرة الدار .. في ميتان رجال لا يعطون الدنيا في إيمانهم.
حين خرج خالد من داره هذه المرة؛ أصَرَّ أن يجمع كل من فيه .. كان هنالك إحساس .. هاجس انقباض يسيطر عليه منذ الصباح : " أرجو أن لا تقلقوا ".. قبَّلَ أخواتِه وأخاه مجاهد .. سألهم عن احتياجات البيت وغادر في طريقه الذي تَعَوَّدَ عليه كل يوم .. خرج تاركاً وراءه صمتاً .. ألماً .. احتمالاتٍ لغدر الزمان ..
في واحد من شوارع المدينة .. تطاير الرصاص فوق رأسه .. يا إلهي .. ما هذا ؟ بدأ شباب بعمر الورود قذف دبابة بريطانية بوابل من الحجارة والزجاجات الحارقة .. أضرموا فيها النيران .. عبثاً حاول قائدها من الهرب .. خرج من الدبابة والنار تأكل بِزَّتَه العسكرية .. هَرَبَ صوب المصفحات البريطانية الأخرى .. أمطرها المتجمهرون بالحجارة واللعنة من على جسر المرور السريع .. صوت لعلعة الرصاص يدوي في كل اتجاه .. خالد يحمد الله على سلامته, و سلامة من حوله من أهله الطيبين.
راح خالد يحدِّث نفسه وهو في طريقه إلى بيته: " حياتي مثل حياة أي شخص مريض .. يشكو من مرض عضال ومستعص .. حياتي هي حياة كل الناس في وطني. المرض هو الخوف .. الخوف من المجهول ". فجأة تمزقت أمامه بعض أحلامه .. وانطلق صراخ شرس في زحمة الناس .. وتهاوى رجل .. هذا هو التاريخ يسحل فيه الناس إلى العنابر, ثم إلى السلخ .. ها هم يسوقون من طالت هراواتهم .. إلى مركز كبير للشرطة .. لا زال كثرة من الأهل يطلقون عليه التسمية العثمانية القديمة " القُلُّّق " .. وحده الذي كان هناك .. هناك في المدى المجهول يشهد محنة الناس .. يمسك ضفائر الشمس .. يشهد محنة مصرعهم على أرصفة تزدحم بالحجر. واصل سيره عبر أجساد أتعبها الاحتلال .. لم يبق من الزمن إلا القليل .. يختفي بين البيوت التراثية ذات الشناشيل البصرية المميزة .. رائحة تراثية لذاكرة الأمس .. مسحة حنين تشده إلى الأرض والمكان .. على نهر الأحزان قرب جسر الغربان في منطقة الصبخة الكبيرة ونظران .. لاذ بالصمت .. تحامل على عذابه المزمن وجرحه النازف بالصبر .. جنحت به أفكاره .. جنحت به رجلاه نحو سوق البصرة القديمة .. هناك اشترى خضاراً وبعض الدحاري ( ).. مد يده ليشتري التمر .. ضحك مع نفسه: " بقي بس التمر لم يشتريه أهل أبي الخصيب ". حين لامس خالد وجه ميتان رآها أسطورة تكابد الحزن والعذاب، تُمْسِكُ طلع النخيل .. تسقي ظمأ عطشها. من ثلاثة أعوام تدور حكايات الاحتلال فوق جذوع نخيلها .. وأفواه صبيتها .. غيلان يقتحم عليها وحشة السكون .. لؤلؤة ألقت بها سفن الأهل القادمين من أقصى الخليج .. يدور في مساجدها همس .. صوت قريب من العقل والقلب .. قريب من السماء. دخل الدار طلب من أهله أضحية .. قرباناً .. حمداً على سلامته من رصاص الإنگليز الطائش.
مرة أخرى تقوده قدماه إلى سوق المدينة .. توقف خالد قرب تمثال أسد بابل .. في القلب من " العشّار " .. أطال النظر صوب جسر الأمير القديم .. إلى شارع الوطني .. وذكريات شتاء البصرة .. أمطار تنهمر .. يتوزع الطمى .. تفيض الشوارع .. يسهر الناس لياليهم رغم هموم الحرب مع " منقلات " الفحم والشاي المُخَدَّر .. البلوط المشوي .. باعة الشلغم والشوندر .. اللبلبي والباقلاء .. خبز العروق وشوربة الماش .. في شارع " الوطني " .. مطعم درويش .. بقايا ذاكرة حبلى بالألم .. ضاعت معالم نكهته .. اختفت كما اختفى كل جميل من دروب المدينة .. بين زوايا مراياه .. هنا تناول ذات ظهيرة " نفر كباب " ما زال طعمه يعاكس الروح .. يستفز قدرة التذوق كل هذه السنين. عَبَرَ خالد جسر العشار باتجاه سوق الهنود .. توقف أمام دكاكين صغيرة ما زالت تحتفظ بشيء من رائحة بهارات أيام زمان .. استوقفه حديث دار بهمس حزين .. عند باعة أقراص " الكومبيوتر ".. إذ كان المتحدث يطلب أغاني .. فاعتذروا منه .. مُنِعَتْ كل أقراص الأغاني.. أحدهم باع قرصين سراً, كأنه باع مخدرات .. أُحرقت كل أشرطة سعدي الحلي وسلمان المنكوب وياس خضر؛ خشية التعرض لهجمات .. حَمَدَ الله أن لا يكون طرفاً في حديث خاسر .. تجول في أزقة العشار القديمة .. صحف بغدادية وبصرية مرمية على الرصيف .. لا أحد يتوقف أمامها لقراءة عنوانين صفحاتها الأولى .. كما كان يحصل على جسر نهر العشار المؤدي إلى سوق " الهنود " أيام زمان .. كانت الصحف تحجز مقدماً .. تذكَّر " وشّاح ".. وجهٌ حبيب ألفته ذاكرة البصرِّيين .. كان يبيع الصحف هناك .. تربطه الطيبة مع جمع كبير .. طلاب ومحامين .. أطباء وتُجّار وكسبة وموظفين وغيرهم. الحرارة تأخذ منه مأخذاً, قال أحدهم، وهو يلاحظ ضجر خالد من شدة الحر: " تَوْ الناس، تموز بعد ما يه ", أي اصبر، فلم يحن حر تموز في لهجة أهل " أبو الخصيب ". هرب خالد من الأزقة العريضة .. دخل شوارع ضيِّقة .. هناك تذكر عمارة النقيب .. تذكر مكتبة الجميع .. مكتبة شعبان .. تذكر مكتبة أستاذ جورج .. من هنا مرِّ ذات يوم بورشة " ڤيكتور " .. مصلح مختلف الأسلحة النارية .. لاذ بصمت في واحدة من مقاهي المدينة .. مقهى التجار .. تحرر من هموم السير في شوارع ضاعت شواخصها .. ضاقت من صمتها .. وجد نفسه يجاور أزقة وحارات .. يحاور شناشيل قريبة .. ارتشف من شايها .. طالع طقطقات أباريق الشاي فوق مواقد الفحم .. ضاع في انعكاس " تخوتها "( ) القديمة على " سماور " المقهى .. المنتصب بكبرياء بين أباريقَ لاهثة .. دخان المواقد الكثيف يرسم عتمة .. تتوزع على جدران قديمة ملاصقة .. طلاسم مهملة لحياة محتضرة .. بين ضجة المكان .. يختفي الهاربون من البيوت .. من الشوارع المزروعة برعب الزمان .. بين جنباتها يتنفس الناس .. يعودون لذاتهم .. وجوه صلبة منحوتة .. حجارة تعكس الهموم والترقب .. خطابات صامتة .. في زمن النباح .. على جدرانها القديمة .. تسمرت صور كثيرة, ساعة " سورين " التي أخذت اسمها من ذلك المصور الأرمني القابع تحتها, فندق الميناء ذا الطراز الإسلامي البديع .. فندق " الكونتنينتال " , بيوت الشناشيل الجميلة , أبنية أثرية تُطل على نهر العشار .. تذكرك بهوية المدينة .. التي تجرأ الزمان على هدمها مَرَّة واحدة .. في غيبة من أهلها. فجأة أغنية تعيد توازن الجميع .. صديقة الملاية تغني .. أُسطوانة قديمة .. تعشقها الذاكرة: " الأفندي .. الأفندي .. عيوني الأفندي .. الله يخلّي صبري .. صندوق أمين البصرة " .. تذكَّرَ رواد المقهى صبري أفندي .. من رواد مقهى " سيد هاشم " .. التي تتصدر محلة " السيمر " في البصرة القديمة .. أعتاد صبري أفندي الجلوس فيه حتى أواخر الخمسينيات ..

ظلت مقهى التُجّار.. متمسكة بتقاليدها .. جلوس دون السماح لألعاب تحتمل شبهة لعب القمار .. الطاولي " الزهر" .. " الدومينو " وغيرها .. بقيت هذه المقهى المنزوية بين أزقة قريبة من سوق " الهنود " مزدحمة .. يعشقها المتقاعدون والوجهاء والمتعلمون .. صورة نقية تعكس هموم البصرة .. دار فيها حديث .. هَمْسٌ لامس زُبى ذاكرة خالد .. تلك الذاكرة التي أتعبتها المنعطفات الملتبسة في دروب مدينته .. خطى أقدام الغزاة .. وضجيج باعة يجوبون أزقة خاوية .. أخذ يطيل النظر إلى ساعته .. ها هو صديق دربه برهان .. يجاور محنته التي افترشت أريكة المقهى .. على " تخوت " خشبية تميل بجالسيها .. دارت أحاديث مهموسة .. ساخنة .. دموع حائرة تلف وجه برهان .. اطمئِن أيها العزيز .. استطلعت المنطقة جيداً .. غداً التنفيذ .. سيكون ملتقانا جوار جسر المستشفى التعليمي .. هناك ستكون رحلة مفاجَئَة قوات العدو .. سنفجر بعيد ظهر يوم غد زورقاً بريطانياً .. يلوث منذ مدة مياه الشط الحزينة عند جسر التنومة ..
عاد خالد إلى قريته .. كان الطريق أمامه ملتوياً .. يتثنى أمام سالكه مثل أفعى، أو كما سمّاه القاص البصري محمد خضير " طريق الحكايات " .. ربما لأن في كل ثنية منه حكاية .. كان ذلك الطريق الملتوي الموازي لشط العرب مظلّلاً بأشجار النخيل الباسقة، تَحِفُّ به شجيرات مثمرة .. تتداخل بين جنباته عطور الطين والطلع .. ريحان وجوري .. قرنفل وياسمين .. رازقي وقداح .. ورود الفل والدفلة .. منه تعطرت الوجوه بماء الورد على مر الأيام .. مرَّ على الجسر المؤدي إلى بيته في ميتان .. قطرات العرق تنحدر من جبينه على إطار نظارته .. ارتشف جرعة ماء .. تجاوز محنة الحر, وعاد يسرع الخطى باتجاه أهله.
نهض مبكراً كعادته كل يوم .. اليوم يَكْتُبُ صفحة في تاريخ قريته .. في هذه اللحظة المشبعة بأحزان الزمن المطبق على كل شيء .. استعرض حكايات مدينته مع الغزاة .. أستعرض الوشم على سواعد الرجال .. فاضت دموع خالد .. رحلة جهاده تلامس شغاف قلبه .. أخذ يسائل النفس :" لا ادري إذا كان كل شيء سيجري على ما يرام اليوم؟ سأتمسك بباب الرجاء .. لم أجرؤ على مناقشة برهان حتى لا يفهم أنني قلق ومتردد عن التضحية .. كلانا يعلم أن الاحتلال سوف لن يرحل دون تضحيات .. روحي ستجد طريقها إلى علِّيين .. الزمن يحمل أقداراً ومصادفات .. هذه كلمات التاريخ .. تعلمتها من صاحبي الذي مزقتَّه رصاصات الانگليز قرب جسر حمدان .. في المواجهات قبيل الاحتلال .. ذاب خالد في قعر قاربه المنزلق فوق مياه شط العرب العزيز .. حمل لغماً بحرياً خبأه ليوم يفاجئ به خيالات العدو .. في المكان المحدد التصق برهان بجسد خالد .. هدفنا ليس بعيداً عنّا .. وجدوا طريقهم إلى الجسر .. كتب خالد بضع كلمات .. أدخلها قنينة زجاجية .. أغلقها .. رمى بها إلى الماء .. " وعلى الله فليتوكل المتوكلون .."

على غير عادة الناس التي أحصتها أنفاس وذاكرة خالد كل يوم, وهو يحضر لعمليته الجريئة .. الحركة مستمرة للسابلة والسيارات فوق جسر " التنومة " الحديدي العائم .. الجسر الذي يربط ضفتي شط العرب وسط المدينة .. اللغم البحري الذي زرعوه في نقطة قتل مختارة قرب الجسر يترصد زورق العدو الحربي .. نمر منتصب مزهو ينتظر لحظة الغضب .. مجموعة بدائية من حبال تمتد فوق الماء .. كشباك صيدٍ .. هواجس تربط قاربهم .. ونقطة الصحوة التي ستتحدث عنها البصرة بعد حين .. بقي خالد وبرهان واقفين على قاع زورقهم .. اللحظة المرسومة على عيون إرادتهم شاخصة أمامهم .. حملوا أنفسهم فوق جناح الوطن .. غمرتهم كلمات معجونة بقدرة الأهل على الحياة من جديد .. يجذب الخيط همس الشفاه .. ذكريات تفرش أجنحتها في فضاءات المكان .. أنين وألم مده العثمانيون في العمق من أوردتهم .. أمسك به الإنگليز من بعدهم .. هاهم يمسكون بالآلام مرة أخرى .. لا أظن أنهم سيتركونها بسهولة .. قالها خالد .. الحيرة تحاصر اللحظة .. فجأة تنتشر قوات فوق الجسر .. زحفت سيارات مدرعة .. تمنع حتى النمل من الدبيب .. حركت غير عادية .. هناك شيء أكبر من هذا .. تبدأ مجموعة هندسية للعدو بفتح ثغرة في جسر الأحزان .. تشاء إرادة الله أن تكون قريبة من مكان اللغم الذي زرعوه .. تقترب سفينة حربية .. يعيش خالد وبرهان في دوّامة اللحظة .. يصارعان الأفكار المتلاطمة كالموج .. يحاولان أن يثبتا في وجه عاصفة عاتية مجهولة .. فإذا بصوت يتردد صداه من أعماق كل واحدٍ منهم: ﴿ وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾( ).. شكراً لله .. تقترب الفريسة من نقطة انتحارها .. ينتشي خالد وبرهان فرحاً .. ما هي إلاّ لحظات حتى دوى انفجار مروِّع .. تتناثر أشلاء الحديد .. مصبوغة بالدم في كل اتجاه .. يغطي الدخان مساحات كبيرة .. ينسل من بين عتمة المكان قارب الأحبة .. بعيداً عن مكان الانفجار .. قبل أن تطوق قوات العدو المنطقة .. قبَّل خالد صديقه برهان .. التفتا صوب تمثال الشاعر بدر شاكر السيّاب .. الوحيد الذي بقي منتصباً .. لم تمتد له يد الغدر بعد الاحتلال .. مرحى أبا غيلان .. سنعاود مفاجئة العدو قربك .. حتى تتحول الريح .. تزول الغيوم وتشرق الشمس من جديد .. عادا أدراجهما صوب ميتان .. عاد خالد يحمل طبقاً .. تلألأت فوقه شموع موقدة .. وسط تلال من أغصان " الياس " الندية, والحناء وطاسات من اللبن وبعض التمر .. منتشياً يرقص مع نقرات دفوف ولحن حلقات الذكر والمولد .. كأنه يتقدم مسيرة زواج راجلة .. سيوف ينعكس بريقها فوق الوجوه .. صديقه برهان يلازمه كظله: " سأكون ساعدك في كل منازلة أيها العزيز " ...... افترقا على أمل لقاء جديد .. صيد جديد .. تعيد حكايته أفواه المحبين الذين احتضنوا رقعة الوطن الكظيم.

ذات يوم .. في سوق حنا الشيخ .. في القلب من العشار .. وجد خالد نفسه يطيل النظر على مجموعة من صور البصرة أيام زمان .. تصدرت واجهة محل تصوير ومختبر الحاج قاسم .. أطلال مدينة .. وثقتها صور العشرينات .. إلا أن المدينة استعادت عافيتها، في مرحلة الخمسينات .. صورة لمقام الأمير, ومرسى السفن في " الداكير " .. أسد بابل وشارع الساحل وهيئة التمور ونهر العشار، صور ممتلئة عافية .. ماء وخضرة ووجه حسن, كما يقول المثل .. الناس بلباسهم التقليدي .. سيارات أمريكية متنوعة .. قال خالد : " هذه الصور, وما احتفظت به ذاكرة الناس من الأوائل تجعلنا نرثي أنفسنا قبل أن نرثي المدينة ". واحدة من صور البصرة القديمة شاهدها رجل تجاوز عمره الستين عاماً ( )... كان يقف جوار خالد, نظر إليها بعد أن مسح نظارته الطبية ذات الزجاج السميك, وقال بحسرة شعر أنها أعادته إلى زمن الصورة: " كانت بصرة بحق .. لعن الله من خرّب دارها, وشتت عيالها "



البصرة في العشرينات: نهر العشار ( أعلى الصفحة )
وسوق البصرة القديمة ( أسفل الصفحة )




البصرة في الخمسينات


-2-

على غير عادته .. خرج مجاهد شقيق خالد من داره .. نادته أخته صفد: " يا مجاهد سوف لا يرضى عليك خالد .. واحد منكما لا بد أن يبقى معنا .. فأنت تعرف محنة الاحتلال .. المداهمات .. كسر الأبواب .. ترويع النساء ". لن أتأخر .. قالها مجاهد .. ومضى يجر خطوات ثقيلة .. توجه إلى العشار .. في الطريق التحق به فتية آخرون .. لا بد أن نزعج الجنود أصحاب العيون الملونة .. قالها مجاهد .. علينا أن نستفزهم .. أن نشعرهم باحتقارنا, وازدرائنا لكل أجنبي جاء على ظهر دبابة لعينة ..

وجدوا تراب الوطن قد سبقهم .. لطَّخ جزمهم بوحل لن تنساه ذاكرتهم .. لعنوا اليوم الذي وطأت فيه أقدام الغزاة تراب أرضهم الطاهر. اعتادوا استفزاز جنود العدو كل يوم .. الجنود يعرضون الحلوى وبعض الطعام .. الأصوات ترتعد .. لا حلوى ولا طعام من عدو مغتصب .. اخذوا معهم بضع تمرات من خزين دورهم .. زادهم اليومي .. في الطريق همّوا بتناول القليل منها .. اقسم مجاهد أن لا يأكل إلا قرب بوابة القصور الرئاسية .. فلما وصلوا, تناول أصدقائه ثلاث تمرات .. أبتسم مجاهد: " والله لن آكلها إلا في الجنة " .. واقبل على عدوه بشجاعة .. هاجم دبابة قريبة منه بحجر جمعه من دروب مدينته .. رصاصات الغدر أنهت حياة مجاهد لينظم إلى قوافل الإبطال .. ما زالت أرواحهم تنير سماء المدينة ماضياً وحاضراً ومستقبلاً .. ها هو مجاهد يتقدم الصفوف .. يلامس دمه كف صديقه علي .. بدت حارة تلك الكفوف المعفَّرة بدم مجاهد, الذي فارق الحياة في حضنه .. إثر إصابته برصاص الانـگليز، .... ما أجملك وأنت تدخل بوابة القبر, وقد اصطفت حولك ملائكة السماء .. صفوفاً طويلة مستوية .. متراصة .. تنثر عليك الرياحين .. تغمرك بالطيب .. هكذا يموت الأبطال .. أشجاراً أصلها ثابت في الأرض وفرعها في السماء .. حبالاً تمر عليها ضربات السنين، لا يموتون، يتنقلون من حياة إلى حياة ، ومن دار إلى دار .. كما الطير يسرح في فضاء لا حدود له .. ميتان تستفيق على صوت المشيِّعين .. وتَكْبُرُ مع جروح الوطن النازفة قافلة الشهداء .. طيور الصباح المهاجرة تتوسد الجسد المسجى بهدوء ملائكي كأنه يخبئ بين ضلوعه لحظة انفجار.." لقد سبقتني أيها العزيز ", قالها خالد وبكى .. فطوبا لك .. وعهداً لن يذهب دمك هدراً. استيقظت الهواجس في العمق من ذاكرة خالد .. أصبحت اللحظة حزناً .. عانقت ضفاف حلمه، وانتشرت في روحه شلالات من الألم والصبر. لم يُنْصَبْ مجلسٌ للعزاء .. اعتمر خالد كوفية أبيه .. لا بد من الثأر للعراق .. لمقتل مجاهد .. عندها تستقبل الدار وجوه المعزِّين.
ظل خالد يبكي بكاءً مراً كبكاء النساء .. راح يتذكر ما فعله الانگليز في الكورنيش الجديد حين مزَّق رصاصهم جسد شقيقه مجاهد. شريط الموت يمسك كل شيء .. أقسم خالد بالثأر لمقتل أخيه .. عملاً ستتحدث عنه البصرة .. يليق بالعراق .. يليق بالشهداء .. في لحظة صمت .. تناول خالد معوله .. كانت ليلة مقمرة .. اختلط فيها ضوء القمر بمصباح حمله معه .. قُرْبَ واحدةٍ من نخيل قريته .. استخرج قاذفته .. " آر بي جي سـﭭن ".. قبَّلها حضنها .. رائحة البارود .. عطر مواجهة مع القوات البريطانية في حمدان .. ما زالت زكية تفوح مسكاً وعنبراً .. حين دخل الدار راح يفكك أجزاءها .. ينظفها, يضع زيتاً يسهل حركتها .. يعيد جمعها .. قال لقاذفته, بعد أن قبَّل فوهتها : " بكِ سأكتب صفحة للتاريخ .. بك سأذيقهم مرَّ هزيمةٍ قاسيةٍ .. بك سأهدي مجاهدَ لحن وداع .. أُسمعه زغاريد عرس غاب عنه .. أضع كوفية أبي على رأسي .. أعود مرفوع الرأس ". أخذته الهواجس .. على أي وسادة ينام .. ومجاهدُ جرحٌ نازف بقلبه لا ينام ؟ نادى على أخواته .. قبلهن جميعاً: " لحظة الثأر قربت .. دَمُ مجاهد لن يذهب هدراً .. إذا سمعتم انفجار طائرة في الجو .. تذكروني .. سأكون قريباُ منها .. أفجرها لأعود لكم. لبس خالد عقال أبيه .. سكبت أُخته الصغرى الماء خلفه .. ركب دراجته الهوائية .. وتوزع على دروب المدينة .. يرقب علوج العدو .. حتى اختمرت فكرة الهجوم .. طائرة هليكوبتر .. طوافة حربية سريعة .. نزل من دراجته .. توسد الثرى .. احتضن سياج النهر في محلة " الساعي " .. أطفال يرقبون هذا البطل .. قوات من ذوي العيون الملونة تنتشر في الدروب .. تحمي خيبة وجودهم .. تخلص من قربة ماء حملها على كتفه .. كان الماء يتدفق من ثقب في جانبها .. قطرة بعد قطرة .. تبلل ثيابه البيضاء .. ارتشف جرعة من الماء .. أسرع الهدف باتجاهه .. يأتي كالإتيان الصعب .. وقف يستجمع قواه, في الوقت الذي خلى فيه إلى نفسه .. توكل على الله الواحد الأحد .." إبتسِم يا خالد .. ها هي الشهادة تزحف نحوك ".. عبَّأ خالد الموت .. انطلقت قذيفته من مكمن تحديها .. كان الصوت صاخباً .. تلته أصوات متداخلة .. قذيفته تتهادى إلى كبد السماء .. يشاء الله لها أن تدخل من خلل كوة صغيرة .. في قمرة الطائرة .. تصيب الطائرة مقتلاً .. تحيلها أشلاءَ مبعثرة .. تتوزع على رقعة الأرض الجريحة .. التي تنتظر ساعة الفرج .. مع ارتداد صدى الإنفجارات .. ارتج قلب خالد .. ارتفع الشارع المحيط به .. أسرع إلى دراجته .. وضع قاذفته المسكونة بالليل داخل كيس التمر الذي يحمله .. أتجه صوب الأهل .. أحسَّ بنشوة كبيرة .. قوة تدفعه إلى مِيتان .. في الطريق سمع هلاهل وزغاريد وصخب نسوة ماجدات :
" عفيـه اولدي شيّـال راسي
يل ما تهـد عـزمه الرواسي "
انتشى خالد .. راح يهزج كعادة الأهل .. كعادة من يأخذ بثأره .. نار الثأر تضيء له دروب المدينة .. أخذ يردد صرخة الشيخ شعلان أبو الجون( ) إبان ثورة العشرين: " يتوزع وطروح انشيله "
لا بد لخالد وقد ثأر لمجاهد .. أن يهزج .." ´يَلْ تِرْعِدْ بالجو هِزْ غَيْرِي " .. لتعلم الدنيا كلها .. أن دم مجاهد ما ذهب هدراً .. لقد احترقت أحلامهم .. صحوة من مظلَّة الوهم والعنجهية التي غلَّفت حركاتهم .. كل شيء يحترق ويحترق .. في الطريق سمع همساً .. الناس تتحدث عن تحطم طائرة مروحية .. وقتل خمسة من جنودها .. الطائرة من طراز " لينكس ", وإنها مزودة بأجهزة مضادة للصواريخ, تشمل مصادر حرارية لتضليل الصواريخ التي تتعقبها, وتمتلك أجهزة تحذير وتشويش إلكترونية. لا بد أن تكون الطائرة قد سقطت بفعل صاروخ متطور .. ضحك خالد مع نفسه .. أراد أن يقبل قاذفته " المتطورة " .. أوقفته حركة الشارع, وسرعان ما قادته خطواته إلى أخواته مزهواً .. إلى قريته متفاخراً .. فجأة تحسس خالد جيبه الأمامي .. اختفت محفظته .. هوية دائرته القديمة .. عاد مسرعاً إلى نقطة غضبه .. هناك في مكان المواجهة .. كانت المفاجئة كبيرة .. قوات الاحتلال تطوق المنطقة كلها .. قيّدوا حركة الدخول والخروج منها .. يفتشون كل شيء .. أسرع عائداً إلى درب الشوق .. إلى ميتان .. ها هو يقترب من قريته .. وقد غلفَّتها الهواجس من كل صوب .. فواجع .. أحزان ودماء .. عاد إلى الدار يحمل قاذفته .. تسمّر وهو يواجه فناء داره .. تذكّر شقيقه المغدور مجاهد .. تذكّر صولته على الجنود ذوي العيون الغريبة .. كان أعزلاً , ضعيفاً؛ إلا من أيمانه .. كان قوياً حين رمى حجارته صوب مدرعات الرعب الحديدية .. صاح بأعلى صوته :
" انقاتل اللي بالسما ونقاتل البلگـاع ولا بِينه الجبان ولا بينا اليرتــاع واللي يجفل يخوتي يرخص المبياع
اسمع يا مجاهد كلنا نموت هنا "

دخل الدار مزهواً .. يحمل آثار غبار المعركة .. استلقى على فراشه وقال لأخواته : لسنا ضعفاء؛ لأننا نركن إلى الله .. لا لأمريكا .. لا لبريطانيا.
بعيد منتصف الليل حاصرت قوات أمريكية ومحلية بيت خالد، بل الحيَّ كله .. قرية ميتان .. وهي المتاخمة للدور الرئاسية التي تتخذ منها بعض قوات الاحتلال مقراً لها, منذ أن أطبقت فيها على البصرة .. بدأت هذه القوات بإطلاق النار لإرهاب الناس .. طوقوا دار خالد .. طرقوا الباب بشدة .. اقتحموا الباب .. ركلوه .. ما هي إلا لحظات حتى سيق خالد مكبل اليدين .. معصوب العينين .. أشبعته القوات " المتحضرة " ركلاُ .. ليقتادوه إلى دوائر الشك والسؤال. صاح واحد منهم: " الفريسة بين أيدينا " .. تأكد خالد من لغة الدليل الذليل .. أصغى في تلك اللحظات دون اكتراث لما يدور حوله .. لما يفعله الغزاة المحيطين به .. لا بد أن يكون واحداً من الذين قتلوا شقيقه مجاهد .. عُصّابة العين أخفت ملامح الوجوه .. صوته وحده يحفر عميقاً في ذاكرته .. استرق السمع من جديد .. أنصت .. تأكد من نبرة صوته .. إنه واحد من ....... ابن رغال جديد كان قد شبع من تمر البصرة .. قرأ خالد آية الكرسي .. دفن رأسه في ظلام الحزن الذي خيَّم على بيته .. ابتسم لأخته الصغرى عروبة .. لم يهتز له جفن .. لم تهتز له شعرة واحدة .. ودعهم بنظرات واثقة : " لا أريد أن تسألوا عني .. ومهما التفَّتْ الدنيا على أعناقي كأفعى .. الله معي .. الله وحده صاحب الأمر والمصير .. لن تتخلى عني رحمت الله ". إلتمعت في ذاكرته صورة قريته .. القمر يتكئ إلى سعفات نخيلها .. اختفت الدار كلها في متاهات حزن الاحتلال .. لم يبق لبيته الطيني من أثر ....
كان موقع التحقيق الذي أودع فيه خالد رهيباً .. ساحة عارية متسعة وبناء ضخم ممتد .. لم يستطع خالد تحديد مكانه .. ممر فسيح .. نظر إلى أجساد عشرات الأشخاص .. ضاقت بها جدران غرفة مختنقة بعفونتها .. طالع الوجوه من حوله في ذهول .. فتح فمه شارداً .. حاول أن يقول شيئا لكنه صَمَتْ .. صمت جريح يطبق على أنفاسه .. راح يعيد شريط أحداث الأيام المريرة التي مرَّت به .. محفظته التي ضاعت مع غبار قاذفته ماثلة أمامه .. من بعيد سمع همساً .. أحد المحققين :" إذن هؤلاء من يحرضون الناس ضدنا .. علينا عزلهم .. نبعد شرّهم عن مفاصل حركتنا .. نبعدهم إلى معسكرات عزل بعيدة .. نقلل من احتمالات عمل منظم ضدنا " .. على خلاف الموجودين .. ارتسمت بسمة على وجه خالد .. إذن الموضوع ليس سقوط الطائرة .. ليس محفظته التي عانقت تراب محلة " الساعي ".. اعتقال احترازي .. شكراً لله .. شكراً لله.
عُصِّبَتْ عيون الرجال .. امتلأ بهم جوف حافلات كثيرة .. بدأت رحلة عذاب جديدة .. صوب " أم قصر " هذه المرة .. في واحدة من غرف التحقيق جيء بخالد .. أجلسوه على كرسي .. كلاب شرطة تكشر عن أنيابها .. تحيط بجسده شبه العاري .. سُلِطَ ضوء من كشّاف معلق في أعلى السقف على وجهه .. المكان غرفة داكنة غير مضاءة بشكل جيد .. فيها درج حديدي يؤدي إلى منصة .. في أعلى سقفها يتدلى حبل غليظ .. تفاصيل أريد لها أن تدخل الرعب إلى قلبه .. انكسار الضوء يكشف عن وجوه مليئة بالقسوة والحقد والغطرسة .. رجال ملثمين ضخام الجثة يرتدون ملابس مدنية .. أحد هؤلاء يتكلم مع خالد بكلمات غير مسموعة .. بينما يتفرس فيه خالد .. اسمع يا خالد: " أنت هنا في سجن " بوكا " .. أنت هنا لتعترف لنا على حقيقة نعرف بعض تفاصيلها .. عن عملياتكم " الإرهابية " .. لا داعي للمقاومة .. تَجَنَبْ الآلام يا خالد .. ستعترف في نهاية المطاف .. خالد لا يجيب .. الصمت وحده يغلف أجواء الغرفة السوداء .. قبل أن يبادروه بأي سؤال .. لمح خالد محفظته بيد كبيرهم .. ضاع في لحظة المفاجَئَة .. قبل أن يفكر بجواب بادره أحدهم : " هل تعرف لماذا اسمينا سجن اعتقالكم " بوكا " ؟ تنفس خالد الصعداء .. حديثهم حديث منكسر .. هكذا حاورت الهواجس عقل خالد .. اعتدل في جلسته .. نعم: " أطلقتم عليه اسم " بوكا " على اسم الإطفائي الأمريكي الذي هو من أصل أسباني, قتل أثناء عمله في إطفاء الحرائق عند انهيار برجي مركز التجارة العالمية في " نيويورك ", إبان أحداث 11 أيلول/ سبتمبر 2001م ". هل تعرف تفاصيل ذلك اليوم الحزين من تاريخنا ؟ نعم : " مركز التجارة العالمي مجمّع يتكون من سبعة مبان .. تم البدء بتنفيذه عام1966 وانتهى في 1973 ، صمّمه المهندس المعماري الأمريكي - الياباني الأصل – " مينورو ياماساكي " .. قامت ببناءه إدارة موانئ " نيويورك " و" نيوجيرسي " .. يقع المجمّع في قلب المنطقة التجارية لمدينة " نيويورك " .. في جادة هارِ جريف، يشتهر مركز التجارة العالمي ببرجيه اللذين يلقبان بالبرجين التوأمين، ويحتوي كل برج على مائة وعشرة طوابق .. في الحادي عشر من أيلول / سبتمبر 2001 م, تم تدمير جميع مباني مركز التجارة العالمي: انهار كل من المبنى الأول والمبنى الثاني - البرجان التوأمان – .. انهار البرج الثالث المبنى السابع مع بقية المباني بسبب سقوط الأجزاء المنهارة من البرجين التوأمين عليه .. قتل في الحادث ألفان وسبعمائة وتسع وأربعون مدني - حسب أرقامكم - فيما توفي آخرون متأثرين بإصاباتهم. أرغب أن أحدثكم عن مفارقات تناولتها شبكاتكم العالمية .. لا أدري هل هي مجرد مصادفات أم أقدار لا بد أن تواجهونها في حياتكم الدنيوية ؟ في قرآننا الكريم وهو كلام الله الذي نعبده .. سورة التوبة هي السورة التاسعة من الجزء العاشر من المصحف الشريف .. أتلوها عليكم :
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿ أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىَ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْاْ رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ صدق الله العظيم [ التوبة: 109- 110]
حين تساءلت بداية حديثي عن مصادفات وأقدار؛ كنت أريد أن أصلها إلى عقولكم .. لا بد أن تواجهونها في حياتكم الدنيوية .. لقد توقفت كثيراً عند الآية التي جاء فيها " شَفَا جُرُفٍ هَارٍ " .. نحن العرب نؤخر الوصف على الموصوف .. فجاء الوصف " هار " بعد الموصوف " جرف " فكان " جُرُفٍ هَارٍ".. بينما انتم تقدمون الوصف على الموصوف .. فجاء الوصف " هارٍ " بعد الموصوف " جرف " ..فجاء " هَارٍ جريف " .. وجاءت " شفا " والتي تعني الحافة أو الجادة .. وهذا هو عنوان برجي مركز التجارة العالمية في " نيويورك " .. الآية مائة وعشرة تتحدث عن بنيان .. ستتقطع قلوبكم بعد انهياره.. وهو مركز التجارة العالمية .. ذي الطوابق المائة والعشر طوابق .. فأي مصادفة هذه .. 10 و 9 .. جادة " هارٍ جريف " والبناية ذات الطوابق المائة والعشرة ؟ أبعد هذا تسألوني عن سبب وجودكم هنا ؟! إنها الحرب الصليبية التي تحدث عنها رئيسكم .. بداية الحرب علينا. فرصتكم للثأر من كل الطيبين ؟
تطاير الشرر من عيون من كان يطوق خالداً .. الأرقام من الضحايا ألا تثير شفقتك يا خالد المترب ؟ .. أنت ليس المترب .. أنت المتعب .. أراد أحدهم أن يبصق على وجه خالد .. زجره كبير المحققين .. التفت صوب خالد : صرخ بأعلى صوته :" الدماء التي دفنت في " هارٍ جريف " .. تستصرخنا .. إننا هنا لنأخذ بثأر ضحايانا ".. فماذا تقول ؟ عليك أن تساعدنا .. " قبل أن أساعدكم دعوني أقص عليكم قصة من ذاكرة التاريخ .. بعدها سأتحدث معكم عن كل ما تطلبون .. قالها خالد. أتحدث لكم عن " هيروشيما " .. المدينة اليابانية، التي تقع في جزيرة "هونشو"، وتشرف على خليج " هيروشيما ". كانت أول مدينة في العالم تلقى عليها قنبلة ذرية. بلغ عدد سكانها عام 1945م حوالي ثلاثمائة وخمسون ألف نسمة. في الساعة الثانية والنصف من يوم السادس من شهر آب عام 1945, أقلعت القاذفة الأمريكية " بي 2 جي " ,والتي أطلق عليها اسم " اينولا غاي " من المطار العسكري الأمريكي " تينيان " في جزر " الماريان " باتجاه اليابان. قائد الطائرة " تيبتز " الذي تدرب لأشهر على هذه المهمة، هو الوحيد من طاقم تلك الطائرة الذي كان يعرف طبيعة القنبلة التي كانت تزن أربعة أطنان, والتي تم إلقاؤها على هيروشيما. وبعد خمسة وأربعون ثانية فقط وعلى ارتفاع ستمائة متر فوق مركز المدينة؛ انفجرت تلك القنبلة، وفي تلك اللحظة اصطدمت كتلتان من اليورانيوم 235 داخل القنبلة ببعضهما البعض نتيجة لهذا الانفجار .. ارتفعت حرارة تلك الكتلة من الوقود النووي وتوالت التفاعلات النووية والإنشطارات كالبرق .. حدث كل ذلك في زمن لا يتعدى جزء من الألف من الثانية، كتلة من اللهب على مسافة تقدر بحوالي كيلومتراً واحداً .. حرارة تقدر بعدة ملايين من الدرجات المئوية ولمدة لا تتجاوز الثواني فوق هيروشيما، فانتشرت موجة من الحرارة بسرعة الضوء والتهمت كل شيء أمامها. التهمت النار الأبنية والناس تلقائياً, أحالت كل شيء إلى رماد ، فلقد دمر اثنان وستون ألف مبنى من أصل تسعين ألف مبنى. " هل تريدوني أن أستمر .. طيب : وحسب التقديرات في نهاية عام 1945 قدرت ضحايا قنبلة هيروشيما بحوالي مائة وأربعين ألف نسمة .. هل توقف الأمر عند هذا الحد ؟ .. أبداً .. بعد ثلاثة أيام فقط .. ألقيتم قنبلة نووية ثانية من " البلوتونيوم " المشع، لتدمر مدينة " ناگازاكي " اليابانية .. بلغ ضحاياها سبعين ألف شخص تقريباً. لقد ثأرتم لكارثتكم في " پيرل هاربر " .. خليج مياه اللؤلؤ .. حين أذاقكم اليابانيون طعم الموت والهزيمة .. الألم لا يعالج بالألم .. الموت لا يعالج بالموت .. أنا أعرف إنكم لا تتورعون عن قتلنا .. ولهذا نحن نقاومكم .. رقعة الحرب ستتسع .. ومعها ستتسع رقعة الأرقام التي تخبؤها عن شعبكم ... كف عن هذا الهراء أيها المتعب .. تعالت الأصوات تريد أن تنال من خالد .. المهم .. تكلم عن أسباب وجودك هنا .. تنظيمك ومضايقتك لقوات التحالف .. إسقاطك لطائرة قوات التحالف .. عن الصاروخ " المتطور " الذي أصاب الطائرة .. من معك ؟ من وجهك لهذا الفعل ؟ مرة أخرى يتنفس خالد الصعداء: " قبل احتلالكم بلادي .. سمعت أنه يتوجب على كل واحد منا أن يتحول ليتسع الكل .. يحمل القضية كلها .. رأسها .. جسدها وذيلها .. عقلها وأذرعتها .. من ساعد واحد إلى سبابة واحدة .. تحمل القضية كلها .. ضحكت مع نفسي في حينه .. أدركت الآن عظمة هذا الرأي .. عليكم البحث عن آلاف البشر .. عن آلاف القضايا .. عن القضية الواحدة التي يحملها آلاف الناس .. عن ملايين السبابات التي تحملها عشرات الآلاف من السواعد .. إننا جميعنا نواجه هذا الوضع، وان لكل شخص دور يلعبه .. لا جبال تأوي الرجال كجبال " تورا بورا " في أفغانستان .... هم بينكم في كل مكان .. يذوبون كالثلج في خلفية المشهد .. كأبرة في كومة قش .. أنا رقم واحد بسيط .. ورقة من جسد شجرة تمتد جذورها عميقة في الأرض التي تدنسوها هذه الأيام .. وحتى وإن ماتت تموت واقفة .. ليس المهم اليوم إن كنا قد سقطنا من الغصن على التراب أو نبعنا من التراب لنمسك بالغصن .. المهم أن تعيدوا حساباتكم .. أن تقرروا العودة من حيث أتيتم .. المهم أن يتحرر العراق ".

تقاذفته الأيادي والأرجل .. كلاب تلامس جسده العاري .. جولة عاصفة من الصفع والركل والقبضات .. كانت الصرخات والتهديدات والأسئلة، تتشظى وتتبعثر في أكثر من منحى، وخالد صامت كالحجر.. صامد تماماً .. كجبل .. كواحد من حجارة جبل " سنام " البركانية في " صفوان ", الملاصقة " لأم قصر " .. نقلوه .. بعد أن أصابه إغماء التعذيب .. ليستقر جسده المعذب في واحدة من غرف التعذيب في معسكر الحقد والهستيريا .. معسكر " بوكا ".. أصوات ضحايا تنشد نشيداً جماعياً أمام جدرانٍ ملطخة بالدم والألم .. يجوب فضاءات المعسكر .. استلقى خالد على عذابات جسده .. مرسلاً نظراته الهادئة إلى النجوم المسافرة في غياهب الليل .. راح يصطاد لحظات السكينة من وميض النجوم التي عانقت آلامه .. راح يغط بحلم اللحظة .. " أقبل عليه وجه مسكون بالضوء والحلم .. وجه عروبة أخته العزيزة على قلبه .. فتداعت على فمه قبلة من مسك وحنان وعنبر .. شموس تملأ عتمة ساعاته .. رمت قلبها بين يديه، على وجهها ابتسامة بحجم القلب، وعلى جبينها قمر من فضَّة .. لا تبتئس أيها العزيز .. ثم توارت كحلم حزين " .. حمداً لله .. كنت أقوى من ساديتهم .. لعن الله " بريمر " .. لعن الله " رامسفيلد " .. لعن الله شيطانهم الأكبر .. لعن الله ......
مُلفَّحات بالسواد والحزن والذبول .. عيون شاردة تائهة لا تستقر على مكان محدد .. أخوات خالد يبحثن في كل مكان .. للحظة واحدة لم تتوقف عروبة عن البكاء .. الدموع تنهمر بغزارة من عينيها .. أمسكت يد أختها صفد .. في زقاق ضيق ومزدحم برجال يمسكون بكل أنواع السلاح .. تهدج صوت صفد وعروبة .. أخوات خالد .. وهن يلتمسن جواباً عن مصير خالد .. ضاعت من أمامهن ملامح كل الرجال الملتصقين بالباب .. مثل يمام بللّه المطر، خارت الكلمات .. التقت عيونهن بعين رجل .. طاووس نفخ نفسه بعض الشيء .. كانت العيون جمراً من نار .." نسأل عن أخينا خالد المترب .. الذي أخذتموه من بيننا يوم أمس !! " إنه في " أم قصر " .. في معتقل " بوكا " .. خيّل إليهن أنَّهن سمعن شيئاً .. الدموع تختصر المشهد .. خالد على قيد الحياة .. خرج الزمن من كهوف الذاكرة .. نشر أجنحة سوداء فوق المكان كله .. شمعة تذوي في فضاء يجلله الحزن .. يشيع في أرجائه دخاناً أسوداً .. تتساقط على الأرض نتف من رماد سجاير الحرس .. وتختفي صفد وعروبة من المكان .. كظل نخلة .. لا بد من زيارة السجن . حصلت أخوات خالد على أذن زيارة .. الساعة الخامسة فجراً .. الخطى تتسارع باتجاه " أم قصر " .. في الطريق .. قلوبٌ تحمل أشواقاً وعيون تتلهف لرؤية أحبة تفصلهم متاهات السجن والاعتقال .. الأنظار تتجه لزيارة مكان اعتقال خالد بمعسكر " بوكا " في " أم قصر ".. وهو واحد من معتقلات قوات الغزو الأمريكية .. بوابة تَحِدُها كثبان رمل مفتوحة على فضاءات تحتضن السجن .. مطَّوقة بأسلاك شائكة تشم منها رائحة الموت .. أناس كثيرون سبقوهن إلى المكان .. ذابت أجسادهن في طابور طويل .. نساء وأطفال .. رجال من كل العراق .. التفتت امرأة صوب عروبة أُخت خالد .. مِنْ أين جئت أيتها الصغيرة ؟ أنا من البصرة .. وأنت ؟ ..... أنا من الأنبار .. حياك الله ويا هلا .. فاجئ عروبة صوتُ هذه الطيبة : وهل عندكم مقاومة في البصرة ؟ فاض الدمع من مآقي عروبة .. العراق كله مقاومة .. البصرة هي ساحة الحروب .. المعلنة والمجهولة! سوف تقابلين شهماً من رجال البصرة .. بطلاً أسقط الهليكوبتر البريطانية .. فوق محلة الساعي .. فوق مركز المدينة .. قبل شهرين .. نحن فخورون به .. تذكري عندما يعود الأمر إلى العراق يصبح لكل شيء حكاية .. اعتذرت النشمية .. أرادت أن تزغرد .. أوقفها منظر الانتظار وخشية الوجوه التي رَسَمَت الصرامةُ عليها قسوةَ الحاجب، كانوا لا يبتسمون أبداً .. كانوا من أبناء جلدتنا .. جنود خليجيون واغلبهم ...... , فقط الأمريكان الأربع ومجندة بلون الذهب هم من يبتسمون .. ترك الجميع أبناء العمومة .. تحملوا لحظات الذل من أجل عيون أحبابهم .. كان عليهم تحمل الاستفزاز .. يتحركون كحشرات متعبة .. تمتد يد ...... الأمريكي تلامس أجساد الرجال .. أما النساء .. ساديات في التعامل .. وفي لمس جزيئات النساء .. حتى دوى صوت ماجدة لم تتحمل ذل اللحظة .. فصاحت: " وا معتصماه "!! تلَّفت الجميع صوب استغاثتها .. العيون تحكي قصص الألم .. ذل غزو واحتلال .. حزن يعتصر القلوب .. أصوات تتهدج فوق ذرّات الرمل الكسير .. الذي لوثته بساطيل أقدام همجية .. ضاعت الآهات مع صراخ الحرس .. أن يتجه الكل صوب حافلات اللحظة الصعبة .. أمنيات تعلو الأرض المتربة المتشحة بسواد الحزن والألم .. على أمل لقاء الأحبة .. رجال ابتلعتهم خيام الدم والتحقيق والتعذيب ...

معتقل " بوكا " الأمريكي قرب مدينة " أم قصر " العراقية .
لم تكن مرحلة التفتيش هذه إلا محطة من محطات – الاستفزاز - الانتظار الطويل .. صعد الجميع حافلة أُريد لها أن تكون أنيقة .. كان سائقها جندياً اسمراً قد وضع في مسجل الحافلة أغنية .. كان السائق يرقص بمرح وهو يقود العجلة( )، خجلت النساء, وأشحن بعيون حزينة صوب كثبان الرمل في أفق لا ينتهي إلا عند رافعات الميناء العملاقة، لكنه لم يكترث، نسي " زمبابوي " .. وتذكر ثقافته المكتسبة التي علمته أن يتصرف بحرية .. دون اكتراث لشعور الآخرين مادامت رغبته لا تتعدى على رغبة أحد. اجتازوا كل تلك العقبات الكأداء .. دخل الجميع المعسكر .. قرأ مجند عربي أسماء الزوار .. خيمة واسعة تفترش الرمل .. مأوى الأفاعي والعقارب القاتلة .. بضعة مصاطب من الخشب .. خمسون زائر لعشرة معتقلين.. لحظات صعبة لانتظار أصعب .. قصص يومية وحكاية تكتب بالآلام والدموع المنهمرة سراً من وراء العيون المشتعلة .. دمعة في العين وحسرة في القلب .. الحزن وحده جاثماً في الأعماق .. تمر دقائق صعاب .. الكلمات تهزل وتذوي، والعيون تفقد بعضاً من اشراقها .. الدموع تجف على وجنات الأحبة .. مزَّق الصمت وقع خطى الأحبة .. بين حبات الرمل، لاحَ وجه خالد الملفوح بخطوط الشمس، والعرق المنساب من مسام التعبِ .. خطوطاً من القهر.. وحدها خيام " بوكا " تعرف أنينه الساكت .. وحدها الساحات سمعت مواويل عتابه .. ها هو خالد يدخل مزهواً .. منتصب الصدر .. مرفوع الرأس .. بدا مبتسماً .. وحين لامس خيالات الخيمة .. تناقلته أيادي أخواته .. حملته بعد أن أغرقته الدموع .. التفت إليه امرأة كانت تبحث عن ابنها .. هل رأيت مزاحم؟ ابتسم خالد: " مزاحم صياد " الهمرات " .. ابن الفلوجة " .. نعم .. وقبل أن يجيبها بشيء .. دخل مزاحم .. احتضنته أمه .. كيفك يا با ؟ .. إحنا هين مشوفينهم الويل .. نغني ليل ونهار من أجل العراق :
" ما هو منّا يا شعبنا .. ولا إحنا منه .. المايشد حزامه وَيْ شدة حزمنا .. إحنا مرَّة نعيش و مرَّة نموت .. مرَّة بكل عمرنا .. "
تصوري واحد أمريكي يردد كلماتنا .. يتغنى بها دون أن يفهم منها شيئاً " .. انحنت أم مزاحم على خالد .. قبلته .. " هَلَتْ الهَلَّة بمزاحم يابا ".. التفت إليها خالد .. " توسعه العيون خاله .." فجأة يطل نزيل في حالة مزرية .. يعاني من اضطرابات نفسية شديدة .. راح يصرخ :" قضيتكم هينة، ولكن قضيتي صعبة .. ليس لها حل .. الأمريكان وجدوا في سيارتي أربعة عشر كيلوغراماً من الرز .. اعتقلوني بسببها .. ماذا افعل؟ ". ضحك خالد, وشر البلية ما يضحك .. التفت نحو أخواته .. بكى من اجلهن .. كيف أمور البيت .. لم تفارق عيونك ذاكرة أحبتك يا خالد .. أنت في وجداننا كلنا.. في قلوب الأهل في ميتان .. نتطلع إلى يوم لقائك محرراً .. فرحتنا الكبرى .. تحرير العراق أولاً .. وزواجك إن شاء الله. لقد حمَّلني أخاك .. صديق مدرستك .. برهان الحربي .. رسالة .. أخذ خالد يفك طلاسمها المتداخلة بدموع حزن لأجل العراق:
" أخي وعزيزي خالد:
قوافل يا أبا الوليد .. هي الكلمات إليك .. تسجد عند قدميك .. تعاود طريقتك في الكلام .. تقرؤك السلام .. " السلام عليك ورحمة الله وبركاته ". منذ أن ردمنا أحزاننا بالسدود, وانتصبت بيننا الحدود .. زهقت أرواح وداست فوق رؤوسنا اليهود .. بعد أن كان لنا مجد .. شيّدته أنت .. شيَّدته أنا .. أضعناه .. محنتنا العظيمة .. شواهد قديمة تجدد العزيمة .. تؤرخ الجريمة .. لا تبكيني .. يكفيك ويكفيني .. فالحزن الأكبر لا يقاس .. الحزن الأكبر لا يقال .. حزين أنا .. أُجَسِّدُ آلامي التي عبثت بها الأشواق .. حباً للعراق .. لك ولكل الذكريات .. ودروب مدينتي الحبلى .. أبثك همومي وأشجاني التي رقصت دونما ساق .. لماذا ميتان قريتي غدت دونما خالد ؟ وها أنا متفرداً له بإشتياق .. منعزلاً عن طيبة الأهل المستباحة عن نخلها .. عن شهيق المواويل والعود الذي دندن ذات يوم في إحدى أماسيها:" ما بيَّ أعوفن هلي ولا بيَّ أعوف هواي .. قلبي نسيته هناك هناك يا هو اللي يدَوْرَه وياي وياي " .. يا لميتان عاشقتي .. عذراء لا تبيح الإحتلال .. قدِّيسة ترفض أن تقرأ الشمسُ .. أن يقرأ الليلُ أوراقَها أو يلامس طلاسمَها في اللوحة المعلقة على جدار الإحتلال .. تردد مع عصافير الصباح : " وطنٌ مدّ على الأفق جناحا " .. ينشر مهوالها( ) الهوسات الممزوجة بصوت الرصاص .." بوركت أرض الفراتين وطن " .. " عويسيان "( ) تنتظرك .. يا صديق اللحظة الصعبة ..
أخوك أبو هاني - برهان الحربي
البصرة 13- 5 - 2005
راح خالد يلتهم كلمات الرسالة، يقرأها .. يحفظها كلمة بعد كلمة .. حمل نفسه على جناح الريح إلى المستقبل .. غمرته كلماتها .. أعادته إلى قدرة الطيبين على الظفر بالحياة .. أدرك أن " عويسيان تنتظرك " هي كلمة السر بينهم .. أصدقاء المحنة بحاجة له .. إرادة الحياة تضرم النار بكل إفرازات الاحتلال .. أدرك خالد منذ اللحظة الأولى لاعتقاله, أنه انتقل إلى مرحلة جديدة في العمل الجهادي .. هيّأَ نفسه جيداً لهذه المرحلة, و كان مدركاً تماماً أن طريق رفض الاحتلال سيكون صعباً جداً .. فما جدوى الروح إذا لم تسكن في فوهة بركان ؟ أن أعلقَ الآمال على أجنحتي, وأطير خير لي من قتلها بين خراب وحِراب معسكر " بوكا ". سأكون دوما ذلك الطائر المحلق، المرتحل .. من سماء إلى سماء .. دون حدود وبلا قيود .. أطوف أرض الوطن المحرر. بحسرة طائر كسير الجناح .. راح خالد يقص على أخواته تلك الدقائق المفزعة التي عاشها المعتقلون .. حين حلقت طائرة مروحية على ارتفاع منخفض جداً .. فوق مخيمهم .. عصفت الريح بهم .. التهمت كل خيامهم .. تناثرت فرش نومهم .. تبعثرت الحاجيات .. انتشرت بعيدة عنهم .. غطى التراب الكثيف فضاءات المعتقل .. افترش المعتقلون الأرض .. تلحفوا السماء .. ضاعت خيامهم المتهرئة .. تلفح وجوههم سُمومُ رياحٍ حارة. استدرك خالد الحديث .. وطمأن أخواته: " أرى السفن وهي ترسوا في الميناء .. أسمع أصواتها بين حين لآخر .. صوت يذكرني بالبواخر الكثيرة التي كانت تمر قريبة من قريتنا ميتان أيام زمان .. أرى أضواء مدينة صفوان الحدودية .. لكني سأكون أول المغادرين لهذا المعتقل ". ولكن تؤلمني نظرة الأسى في عيونكن .. حتى بت أتحاشى النظر لوجوهكن .. أعيش حلما ًمحطماً .. فرحة مسلوبة .. تأبى أن تكتمل .. أبَعْدَ هذا تريدون مني أن أهنأ في حياتي و أسعد على أعتاب حزن مجاهد ؟ أشار خالد إلى أخواته أن يقتربن منه .. سأهمس إليكن بسرٍ لطالما أخفيته عن الجميع .. يا عزيزاتي: " بين أضلعي قلب ضعيف مهما رأيتم من قوته .. منكسر مهما أشعركم بشموخه وعزته .. بين أضلعي قلب صغير يقاوم ويكابد في هذه الحياة بمفرده .. جبل شامخ في صحراء قاحلة, و أخشى أن يأتي عليه يوم فينهار .. تذروه الرياح كحباتِ الرمل الصغيرة ".. سألهن بخجل عن زينب بنت خالته .. ذات الملامح العراقية الأصيلة .. تحمل خصال وطيبة الأهل في الجنوب .. بين زفير الحزن كان هناك شهيق فرح كبير .. الوقت يسرق كل أحلام خيالاتهم .. عرس خالد الذي ضاع مع الاحتلال .. " نظر خالد إلى عيون عروبة .. على أمل أن يجد كلمة تواسيه .. لم يجد سوى دمعة مالحة حارة من أرض الجنوب تتوزع وجه أخواته .. قبل أن تغادر أخواته الخيمة .. همس في أذن عروبة .. سأكون بينكم قريباً .. ميتان بحاجة لنا .. قبَّلهن .. ساد صمت حزين .. ها هم الأحبة يتوارون كظل نخلة .. تنهمر الدموع من جديد .. الخروج إلى أمام بوابة السجن ثقيل .. ثقل عذاب الأحبة في منعطفاته الملتبسة .. تعيش في الجسد والذاكرة قصة جديدة من المعاناة والحزن ..
همس خالد في أذن نزيل يلاصقه كظله .. إن كانت لديك نية في الهروب فلا تتأخر .. هل نبقى هنا ورمال الزبير تستجير بنا ؟ هل للحق رجال إن لم نكن نحن رجاله ؟ المؤمن بلا شجاعة كالشجر بلا ثمر.. وما الحل؟ نملك أجنحة نطير بها إلى التاريخ .. علينا أن نتمسك بها .. نحلق معها صوب الأهل والديار !! والأيام حبلى يلدن كل عجيب .. عجلة الزمان تدور .. تارة لنا وتارة - لابد أن تكون – لنا .. ثق أيها العزيز .. إن الله معنا .. ستحرسنا ملائكة الرحمن .. كريشة الطاووس بين صفحات مصحفنا الطاهرة .. بنا وهج ٌ العراق .. بنا عطر من أضرحة الصالحين .. شذى إنسان. دارت الدنيا في رأس سجين المحنة .. وكيف ؟ ما عليك إلا أن تتبعني .. راح خالد يتفحص حركة السجن .. درس أدق تفاصيل الخلاص .. لم يتركوا له أي فرصة للهرب .. كان السجن مطوَّقاً: مسلحون على الأرض .. على الأسطح .. دبابات في المداخل .. عناصر تحيط الخيام .. أسلاك شائكة .. اختمرت تفاصيل الهروب .. اكتملت .. بعد صبر طويل .. سكون هادئ ميت فاقد الروح .. يحيط بالمعتقل .. نسمات وهمسات تحملها الريح .. قادمة من زوايا تحمل عذابات الطيبين .. بدأ الليل يرخي سدوله .. تسمرت الأفكار في ركن مظلم كئيب .. وقف خالد يستجمع قواه قبالة النفق الذي حفره .. يجمع أبعد نقطة في ذاكرته .. لمح الحزن يُقَبِّلُه .. يراقبه من بعيد .. يعيد له ألمه وحيرته .. ظهرت في فسحة المعتقل .. شفاه غلاظ .. توزعت من حولهم .. كان خالد يرقبهم .. يراهم من أسفل هذا السقف .. مجموعة من الرؤوس والقامات المبعثرة هنا وهناك داخل السقائف والخيام .. حركة أصابعه تستحيل ارتجافات .. ملامح من الضجر تتجمع فوق محيّاه .. استطاع أن يمرق .. عبر رمال المكان .. عبر نفق الخلاص .. تسمَّرت هواجس الهروب أمامه .. حين وجد كلباً مرابطاً أمام فتحة النفق في جهته البعيدة .. إنه من طبيعة الكلاب أن تنبح .. العودة مستحيلة .. والخروج مستحيل .. فجأة انحنى الكلب الوفي .. عوى بحزن .. صوت رقيق اختصر المشهد كله .. انسحب من المكان .. خالد وثلاثة من الطيبين .. من البصرة وميسان والفلوجة .. يلتحفون سواد الليل .. بواسطة كشاف ضوء صغير حصل عليه من أحد المعتقلين .. وبوصلة الصلاة التي لازمت محنته .. اهتدى خالد إلى الطريق .. ساروا محدودبي الظهر .. زحفوا بحذر شديد .. بصبر ثابت عبر الطريق الترابي المحاذي للطريق العام .. احتموا بأشجار الأثل المجاورة للمعسكر, والتي حجبت عنهم كشافات الضوء الشديد لنقاط الحراسة الكثيرة .. من هناك اتجه خالد صوب شط البصرة .. دالَّة تعودتها عيناه حين كان يتدرب مع جمع من رجال البصرة .. قوة بسيطة .. لمقاومة الهابطين الغزاة .. قبل بدء العدوان والاحتلال. ها هم يقتربون من " هيلة " .. على مقربة من خور الزبير.. أرض انسحب منها البحر .. جفت المياه فيها .. أصبحت غولاًً يلتهم كل غريب .. بحذر شديد عبروا " المدفار " أرض موحلة قريبة من " هيله " .. قادهم خالد صوب مسالك الأمان .. لا يجرؤ أحد أن يتواجد في مخانق طرقها .. علينا أن نسرع الخطى .. علينا أن نعبر النهر .. كوَّروا ملابسهم فوق رؤوسهم .. تخطوا النهر المخيف .. جففوا ما ابتل من حاجياتهم .. شدّوا الرحال صوب دروب الخلاص .. خطوات مجهولة .. تعثَّر السير فيها .. انحنى الرجال فحاصرتهم وحشة الدروب والزمان.
مشوا سَيْرَاً على الأقدام باتجاه البصرة .. من حفرة إلى آخرى .. خشونة الرمال تدمي أقدامهم .. عواء ذئابها المتوحشة يثير مخاوفهم .. من أرض سبخة موحلة بالملح إلى درب مليء بالعثرات والألم .. يلوكون المرارة إصبعاً من نار، وهم يتلظون على جمر الرمال الساخنة .. يهربون .. يركضون .. يركضون فوق عظامهم .. البصرة سيدة المدن تتقدم نحوهم .. نيازكها تمزق الظلام. تفرَّق الجمع عند مشارف باب الزبير .. قبَّلوا بعضهم .. تعاهدوا على لقاءٍ في القادم من الأيام .. أخرج خالد كل ما عنده من نقود .. زتَّها في جيب مزاحم .. أرجوك: " بلغ الوالدة السلام " .. ها هو يعبر الجسر القريب من المستشفى التعليمي في البراضعية .. الظلام يطبق على الدروب المتجهة إلى ميتان .. حمد الله .. أنه خبر السير في عتمة الليل .. صفات كل أهل قريته .. في الطريق خراب .. المحنة أحنت رؤوس النخيل .. ذلك الخشوع المتكبر .. أنين الطرقات .. جاهلية الريح .. غيمة الحزن تخيفه .. القرب يخيفه .. الوطن النازف يخيفه .. البصرة تبات ليلها مظلومة مطعونة في الظهر. راح خالد يحاور حزنه وألمه: " فجعت ببلدي .. بالدروب المتربة الممتدة بلا روح .. غيَّرَتْ سحنتها الهموم والأحزان .. فُجِعْتُ بنخيل قريتي وقد تحولتْ إلى هشيم .. لم أفجعْ بشقيقي مجاهد فحسب .. فجعت بأخوتي وجيراني .. فجعت بذكرياتي مع أصدقاء الدرب الطويل الذين رحلوا إلى المجهول ؟! لا أدري .. الكلمات أكياس من الفحم .. الأهل أكياس من الدم ".
تطلَّع إلى مدينته المنكمشة على نفسها.. وهي تتدثر بعبق ريح الجنوب الرطبة .. يلفها ليل تعاكسه الريح .. تسوقه العاصفة .. غبرة تتطاير في كل اتجاه، فتبدو ميتان قرية أسطورية . تخرج من جوف الأرض .. يقترب خالد من داره .. شجرة " البمبر " الضخمة ما زالت تحتضن الأهل .. حاول الاستمرار في نقل خطواته .. وقف يستجمع قواه .. صار قبالة الباب، صاح بنبرة تعودتها مسامع أخواته: " وينكم " ؟ ليضيع في لحظة اللقاء الأصعب. بعد أن قبَّل أخواته .. سألهن عن صديقه برهان الحربي .. "إنه في بيت العم " أبو نعيم " .. يتطلع إلى لحظة رؤيتك " .. خاطبته أخته صفد ..
في اليوم الثاني سمع الناس قصة هروب شجاعة .. إذ صرحت " الميجور فلورا لي "، الناطقة باسم الجيش الأمريكي، إن نفقاً بطول مائتي متر .. يمتد ليتجاوز السياج الأمني لسجن " بوكا " .. قد أُكتشف .. لا معلومات مؤكدة عن هروب منظم .. لم يمض خالد بين أخواته إلا ساعات معدودة .. سأل عن " بلمه " .. إنه هناك عند حافة النهر, في المكان الذي تعودت أن تتركه فيه قبل اعتقالك .. بلغوا برهان .. " أبو هاني " تحياتي, بلّغوه ضرورة لقائي به اليوم .. في نفس المكان .. في العمق من النهر الحلم .. سأختفي نهاراً .. أذهب إلى الصيد في الجهة الأخرى من النهر .. سأعود بعد غروب الشمس .. أخذ قربة الماء التي رافقته يوم أسقط الطائرة البريطانية .. فهو يتبرك بها .. بعض من زاد يوم .. ها هو من جديد يعود إلى عشقه .. يقبل الماء .. يتطلع إلى نخيل قريته .. لم يكن على عجلة من أمر صيده .. فالنهار طويل .. والحرارة تفسد رزقه من السمك .. انحدر مع مجرى النهر .. صفحات الماء تتجه إلى الجنوب .. صوب الخليج .. لحظات الجزر اليومي .. تذكر أنهاراً كثيرة .. نهر جاسم وحسن والحوامد وقارون .. بعضها يجري متوغلاً في عمق الأراضي الإيرانية .. عرج إلى واحد منها يُُقَبِّلُ شط العرب .. نهر جاسم .. النهر ذي الأمتار المعدودة .. كان حديث الناس أيام الحرب مع إيران .. تذكر أيام الحرب العصيبة .. هنا دارت معارك طاحنة دفاعاً عن البصرة .. تذكر صيحات صحبه الذين توسدوا الثرى .. في معارك بحيرة الأسماك ونهر جاسم .. هنا جرح آمره الشجاع النقيب فاضل .. لا أحد يعلم كيف استطاع " أبو علي " أن يزحف عبر السواتر الترابية .. بين قذائف لا ترحم وسرف دبابات لا تميز بين عدو وصديق .. كان الدم يغطي ملامح وجه آخر مرة رآه فيها .. تذكر خالد إنه بقي صامداً في مكانه .. انقذته سواعد رجال اللواء المدرع العاشر .. حين صالوا على فلول مبعثرة, بُعَيْدَ فجرٍ باكٍ من أيام الألم والكبرياء .. أستيقظ خالد من غفوته .. راح من جديد يتطلع صوب النخيل .. تذكر مساجلة دارت هنا .. عبر هذه الأمتار من النهر الأسطورة .. بين مقاتل عراقي وآخر فارسي .. لماذا تقاتلونا كل هذه السنين ؟ قالها المقاتل العراقي .. لأنكم كفرة .. قالها من كان على الجهة الآخرى .. إذن خذوها حتى تتجرعوا مرَّ هزيمة .. علقماً يعيد توازنكم ذات يوم .. كانت تلك الكلمات كافية لأن تختصر المشهد .. وتوارى كل منهم .. دون أن تُطْلَقَ رصاصة واحدة بين حفنة الصمت التي كانت تفصلهم .. لتستمر الحرب بعد ذلك عامين آخرين .. قبل أن تتوقف في 8/8/88 ..
عاد خالد إلى وسط شط العرب .. رمى من جديد شباكه المتداخلة .. ها هي " كُرْبات " جذع النخيل تطفو على الماء مرة أخرى .. سرعان ما امتلأ جوف قاربه .. أسماك كثيرة .. صيد طازج .. فجأة .. قارب صغير يدغدغ وحشة خالد .. صوت حبيب يتهادى كبلسم يداوي جراح محنته .. عناق وسط مياه النهر .. دموع تشهد محنة لقاء حزين .. برهان " أبو هاني " يحتضن صديق دربه " أبو الوليد " كما يحلو له أن يسميه .. تجاذبا أطراف حديث .. تقاسما بعضاً من طعام وماء .. ومع غروب الشمس .. تفرقا من جديد .. " كلمة السر " هذه المر يا خالد هي : " عويسيان فخورة بك " .. انتشى فرحاً وانحدر مع المد .. يرافق صفيحات الماء المتجه إلى قريته .. عودة إلى المجهول .. من بعيد لمح شبح أخته عروبة .. باسقة كنخيل أرضه .. ألسنة نار خفيفة تتمايل على الجرف .. أومأت له .. كانت تلك إشارة أمان .. إشارة السر لعودة بين أحضان أخواته .. قبَّلها .. ناولها بعض صيده .. وهمَّ بحمل ما تبقى .. سرعان ما احتواه حنان ودفء بيته .. أخواته." لا أحد قد سأل عليك يا خالد .. لا غريب قد دخل القرية " .. كانت أولى كلمات الاطمئنان .. إهنأ بوقتك .. بدأ دورنا لحراستك أيها العزيز .. قالتها أخته الكبرى " صفد " .. فاجأته اللحظة حين امتدت يداها تقبض بشدة على بندقية " الكلاشنكوف " .. " يشهد الله لن ينال منك أحد طالما أنا ممسكة بهذا السلاح .. سيكون صدري درعاً يحميك ".. بكى خالد .. امتدت يداه تضم أخواته .. قبَّل عيونهن .. ابتسم وقال: " هنا لي أخوات .. هنا لي أخت هي توأم روحي .. السنون الأربعة ما عادت تفصل بيننا .. المحنة قربتنا .. هنا لي قلوب مفعمة بالحب, والأمل لطالما احتوت حزني وألمي .. هنا لي أسرة يغمرها الحب والحنان .. هناك لي قرية يأسرني نهارها وليلها .. بيت أعشق كل تفاصيله .. غرفة صغيرة تحتضن ذكرياتي الجميلة ... " ثم غاب في لحظة صمت .. يتوسد فراش سريره .. يفكر بما سيحمله الغد.
قبل انبلاج ضياء الصبح .. وبعد أن أنهى صلاة الفجر .. وجد خالد نفسه وسط نهر أحلامه .. انساب مع مجرى الماء .. وصل جزيرة " أم الرصاص " .. بدأ من هناك نشر شباكه .. سكون النهر عند منعطف الجزيرة .. يعطيه فرصةَ صيدٍ أكيدة .. ضاع من خالد صيد كل يوم .. لا شيء في الشباك سوى الهموم .. تناول بضعة تمرات .. قضم قليلاً من الخبز .. حمد الله .. ثم عرج إلى ترعة صغيرة .. ألقى بحبل قصير .. توسد ظل نخلة .. داعبت خيالاته احتمالات الزمن .. المزروعة بالخوف والترقب .. باغتته ساعات نومه .. الشمس تميل إلى الاختفاء .. أسرع إلى قاربه .. لا بد من العودة قبل أن يسدل الظلام ستارة عتمته وتحجب عنه تفاصيل الطريق .. ليس بعيداً عن قريته .. سمع خالد أزيز رصاص .. اختفت شعلة النار عن الجرف .. لم يلمح صورة أُخته عروبة .. اختفت دالة الأمان لعودة بين أحضان أهله .. طوقته الهواجس والظنون من جديد .. عاد أدراجه صوب النهر .. اختفى في جهته المقابلة .. بين أدغال موحشة .. راح يرقب قريته .. يُمَنِّي النفس بعودة سريعة .. قبل أن يزرع الليل رعبه في كل مكان .. كان القمر يخطف البصر .. يضلل مرارة الروح .. كان بدراً كالفضيحة .. شاحباً كالانكسار يغلف الدروب .. تشابكت أصابع خالد .. وهي تتوسد انعكاس وجهه على صفحات الماء .. خيال محدود وآفاق ضيقة .. تنحدر صوب الأهل .. صوت رصاص يمزق صمت اللحظة في ميتان .. لا بد من بقائه في جهة النهر البعيدة .. يرقب المجهول .. أصوات زوارق حربية تقترب من حافات قريته .. كشافات ضوء شديد تنير المكان .. انسحب خالد بهدوء إلى العمق من أدغال ضفة النهر البعيدة .. اختفى تماماً من العيون التي طوقت بيوت الطين أمامه .. الليل يلقي أثقاله على خالد .. فجأة يظهر خنزير كبير .. يقترب من قاربه .. لا يدري كيف خرجت منه الكلمات ؟ : " چانت عايزة التمت " .. قرأ بعضاً من آيات الله البينات.. تمدد في جوف بلمه .. تلحف سواد الليل .. اتخذ من السماء غطاءً .. غطى وجهه بكوفية يلبسها .. حجبت رائحته البشرية عن هذا الحيوان .. وقطع أنفاسه غير الضرورية .. توارى برهة من الزمن .. لم تكن كافية لجمع شتات تفكيره المبعثر على موجات النهر .. كان الظلام يخفي بين أرديته كل غريب .. الرصاص يبعثر صوت كل يقظة .. حتى بات خالد لا يرى .. ولا يسمع شيئاً مما يدور حوله .. انتصف الليل .. طرد خالد عن عينيه تعب اللحظة .. أخذه الليل في لحظات من الألم .. إلى خيالات تطرز ذاكرته الحبلى بهموم اللحظة .. خيالات تلقي على الماء خيالاً لأشكال موحشة .. تعيد إليه الوجوه الأسطورية المخيفة .. التي زرعتها حكايات الأهل في العمق من تفكيره .. تلتقي في نهاية المطاف مع محصلة الإرث .. وليد خصب خيال الإنسان نفسه .. فتضيع الحقيقة وتتداخل مع إفرازات اللحظة الأصعب .. انسحب الخنزير .. ومعه انسحبت تلك الأجساد العفنة من أكلة لحوم الخنازير نفسها .. سرت في جسده رعشة .. عيونه شاخصة صوب ميتان .. فجأة شعلة النار .. تنير ضفة النهر المقابلة .. انتشى خالد .. راح يصارع الموج .. عليه أن يعود أدراجه .. بعيداً عن قريته .. لأن الموج وتيار الماء سينحدر به قبالة القصور الرئاسية .. وجهاً لوجه مع جنود الاحتلال .. معركة غير مستعد لها .. ها هو يبتعد عن قريته .. يعود لها بعد أن عاكس الريح والموج .. لحظات وهو يعانق أخواته عروبة وصفد على ضفة النهر الملاصق لقريته .. صفد ممسكة بندقيتها .. تناقلته الأيادي .. حملته بعد أن أغرقته الدموع .. وصل رواق داره من جديد. كانت المشاعر مشحونة بموجات كبيرة من الألم واللوعة والحرمان .. " دنس الجنود ذوي العيون الملونة الدار يا خالد .. كانوا يسألون عنك .. فتشوا القرية كلها .. حتى المسجد القريب .. تصور تسلق أحدهم المنارة .. تركوا وريقة صفراء .. أرادوا أخذنا .. تصدا لهم أعمامنا وأخوالنا .. انسحبوا تلاحقهم لعنة الله .. فدتك أرواحنا أيها العزيز ".. طلب قليلاً من الزاد بعد أن أدى صلاة المغرب والليل .. وتوسد فراشه من جديد .. " الصباح رباح يا صَفَد " .. قالها خالد .. داهمه حزن كبير .. سرقه النوم من عيون أخواته. صفد تتوزع الدار كلها .." لن ينالوا من خالد طالما أنا على قيد الحياة .. سيسبق جسدي جسدك يا خالد لا سمح الله بذلك " .. قالتها وأقسمت أن تحرس أخاها .. المثقل بهموم الوطن.


- 3 -

مع سكون الفجر .. شقَّ ضياء الشمس المنحدر من خلل سعفات نخيل ميتان جدران الطين الندية, التي أتعبها عبق الهواء الرطب القادم من الخليج .. تصاحبه غبرة من تراب حملته ريح تموز .. معه نهض خالد مفزوعاً .. بين مسافات متداخلة حد الضيق .. وقف حائراً .. بين عواء الريح وغربة المكان .. وقف مكبل اليدين .. فاجأته لحظة الضياء واليقظة القادمة من مزارع الشمس .. لم ينفض غبار النوم عن عينيه, وأخذ يتساءل ماذا جرى؟



سرت في جسده قشعريرة, وانتابت أوصاله رعشة, وبدأت دوامة من الهواجس تلف رأسه .. تذكَّر الخرافات, والحكايات التي تناولتها جدته, حول البيوت المهجورة في القرية التي تسكنها " الطناطلة ". طرد سحابة الهواجس السوداء التي خيمت فوق رأسه .. نظر إلى ساعته لم يجدها .. عاد إلى فناء داره .. لا أحد من أهله .. غرفته كانت غريبة .. لا مصابيح .. مروحة الهواء اختفت من جوار سريره .. صور الأحبة المعلقة على الجدران ضاعت هي الأخرى .. نادَ على من في البيت .. لا جواب .. أين حشد الأحبة ؟ أين عروبة .. أين صفد ؟ جدران خرساء بلا صدى, وتفاصيل بلا شواهد .. جاب الدار مشدوهاً .. لم يسمع آذان الفجر .. فقد غابت مئذنة الجامع الملاصق لبيته .. التفت في أجواء المكان غير مصدق لما تراه عيناه، صعق لوقع المفاجأة، فتراجع إلى الوراء بخطوات سريعة .. حبس صرخة تريد أن تنطلق من داخله .. ارتعشت لها فرائصه وألجمته بحالة من الذهول للحظات .. تمالك بعدها نفسه .. ضوء خافت يتسلل عبر نافذة صغيرة تحتضنها إحدى زوايا غرفته .. نظر إلى الخارج وقد تمازج على صفحة وجهه خوف ودهشة .. لا شيء في الخارج يعيد إليه طمأنينته .. وبدأت خطوط اليأس ترسم شحوبها على ثنايا وجهه. شجرة " بمبر"( ) وارفة .. تنشر أغصانها وتحمل أوراقها, في أرجاء الفضاء المحيط بالبيت .. تطلّع ببصره أرجاء المكان, وهو مشدود إلى ما حوله… تطلع تارة إلى الطريق المترب الذي يقود سالكه إلى الشارع العام .. لا شيء .. لا شيء .. كل الذي يتذكره أنهم كانوا هنا .. جنود بمختلف القبعات كانوا يبحثون عنه .. كان عليه أن يغادر ميتان هو وأخواته.. أن يغادروا البصرة .. كانت الفرصة كبيرة ليلة أمس .. لكني ولدت هنا في ميتان .. عشت في عقلها, في قلبها الطيب .. قرية أُحبها .. ناس أُحبهم .. تحملت قريتي الكثير من الأحلام .. خالد لا يحب معاكسة الريح .. وجد نفسه متعاكساً مع كل شيء هذه الأيام .. لقد انقلبت الأيام على رأسه .. لم يعد قادراً على تذكر أي شيء .. كل الذي يتذكره أنه مطلوب .. قوات الاحتلال تريد الإمساك به .. عليه مغادرة الدار .. أن يلجأ إلى النهر .. قاربه ليس بعيداً من داره .. في الباب فاجأه رجال غلاظ .. يرتدون محازم ذات لسينات صوفية ممتدة ومشدودة إلى مستوى الكعبين .. سألوه عن اسمه, قال: " خالد المترب ". صاح به أحدهم, وكان أسود الرأس غليظ الشفاه : " كف عن هذا الجنون يا " أحقيار ". ثم أركبوه عربة ذات دواليب فخارية .. تجرها أربعة بغال. العربة غريبة عليه .. اختفت دروب قريته .. اختفت الدالات والشواخص التي اعتادت عليها ذاكرته وبصيرته. توجهت العربة به إلى مدخل مدينة لم تألفها عيناه من قبل .. فتحت الأسوار كل أبوابها .. دون خوف أو وجل، فالثعالب تحرس مداخلها .. تعرجات كثيرة لأزقة تمشي بها البغال والحمير متثاقلة تحت عبء أحمالها .. أسوار من الطين والقصب والأجر يطوق جيد المدينة .. مساحة من كثبان الرمل مفتوحة على البرية والأرض المالحة في أفق لا ينتهي .. تحولت الجداريات التي تحمل الصور الملونة لرجال دين من مختلف الأعراف, إلى لوحات تحمل صور آلهة لم يستطع أن يتعرف على دقائقها .. فوجيْ بحركة غير عادية .. مئات من الناس يتدافعون في كل الاتجاهات .. إلى المتاريس .. إلى بناء الحصن .. إلى ترتيب أوضاع المدينة عسكرياً.

دخل من باب كبير تحرسه تماثيل لحيوانات غريبة, وحش يقال له " خواوا " .. الشيطان " خمبابا " .. الوحش الذي يحرس غابة الأرز على أرض الحياة التي توجه لها " گلگامش " .. يحرس المدينة القائمة على أرض الحياة .. مشاهد الرحيل الطويل عبر البوابات ذات المزاليج السبعة .. في الطريق طالعته وجوه ليست غريبة عليه .. نفس الوجوه التي رآها بالأمس تزلزل الأرض بدبكاتها, وهوساتها العشائرية وتبايع بالدم الحضور الصافي لرجال من أرض الرافدين. لقد انتزعوا جلود أجسامهم .. لبسوا جلوداً جديدة .. كالأفاعي التي اعتادت سلخ جلدها من وقت لآخر .. تنزع جلدها على رقاع الأزمنة الصدئة .. لم يلق عليه أحد السلام .. هذا عبدالله, وذاك مهوِّس " أبو "دندوشة ".. الشيخ دايخ يرفع رقيماً طينياً كبيراً .. لم يكتب هذه المرة بالدم؛ بل نقش بكتابة غريبة ذكرت خالد المترب بالكتابة المسمارية السومرية.. وهو يهتف .. يواصل النباح بصوت متحشرج .. تعيد إلى الأسماع صوت أُسطوانة نشاز .. هتافات تذكره بأصوات سمعها قبل أن تدمر مدينته بأيام؛ لكنها هذه المرة تحمل رائحة أخرى, ومعنى منافقاً يثير الغثيان: " بالروح بالدم نفديك يا نمتار "( ). شيخ عشيرة آخر يقف قرب جسر خشبي صغير يحرسه .. يصرخ بأعلى صوته: " هذا حصة أبناء عشيرتي .. لا أحد يحرس الجسر غيرنا .. فقد تعودنا على ذلك من زمن الإله " بيلي "( ) وحتى هذا الزمن الصدئ الذي احتوانا بدخول الاحتلال .. هذه المرة نحرسه من عبور أعداء المدينة وأعداء الكهنة الجدد, من " الغزاة " القادمين من صلب هذه الأرض والذين رفضوا استبدال جلودهم .. رفضوا أن يتغير لون بشرتهم وبقوا موالين الإلهة " نمو "( ). مرَّت العربة قرب ميدان انتصبت به تماثيل غريبة .. كان الكهنة واقفين .. ناس " أوروك " من ورائهم يزرعون المشهد رعباً وألماً, في قلوب من جيء بهم من بطون التاريخ .. على سور غير مكتمل وقف طائر " الأنزو " وعشتار و" أنليل " .. قادوه صوب بناء قديم .. بناية تقترب بهيكلها من ثكنات الدرك العثماني .. مدرسة المربد " الدَبَّة " .. في القلب من سوق الخضّارة في العشار. عندها .. في تلك اللحظة الحزينة من حياة خالد .. استوقفه المشهد .. غرق في الأفكار وأخذ يغوص ويغوص .. لم يتعمق في الزحام ذاته .. ولا في الضوضاء .. ولا حتى في تلك العناوين المستهزئة .. ولا في ذهول المحنة .. بل في سخرية القدر الذي قاده إلى متاهات الحزن والألم .. بعيداً عن قريته وأهله .. أحبته وذكرياته .. الحنين الذي نساه في قلب واحدة من نخلات ميتان.
قلبوا مقتنياته, وتفرسوا في ملامحه .. وحين تساءل خالد المترب عن سبب وجوده بينهم وسط هذا المعبد؛ فاجأه صوت رئيس الكهنة: " إنه ولاءك .. طاعتك للملك " نيرام سين ". تحجر خالد في مكانه .. خانته الحركات .. تداخلت حشرجات صوته .. لم يعد يسمع منه شيئاً .. وقبل أن ينهي الكاهن عبارته هذه؛ هوت كفه المرتعشة على وجه خالد .. انحنت قامته .. أغمض عينيه .. خانته قدرته, ليسقط على الأرض مغشياً عليه .. وبين غيبوبة العنف ورجاء الحياة؛ أخذ خالد يتذكر .. عواصف من صور وكتابات تمر عليه كشريط طويل من الذكريات .. يا إلهي .. " نرام سين" ما يشدهم إليه .. إنهم يتحدثون عن زمن يبعد عني أكثر من ستة آلاف سنة, وأنا أعيش في ميتان المحاذية للبصرة .. أنا أعيش عام 2005 م .. هم يحاسبوني عن زمن لا ينتمون إليه .. يتحدثون عن " نرام سين " ملك الجهات الأربع .. إنه صَدَفَةٌ من البرونز الصدئ كانت قابعة في واحدة من زوايا المتحف الوطني العراقي في بغداد .. والذي ذهبت أدراج الرياح حين سرق الرعاع المتحف كله. إنه القناع الذي وجدوه في نينوى .. يمثل الملك متوِّجاً رأسه بضفيرة سميكة من الشَعر, لحيته المجعدة تضفي القوة والتفرد على وجهه الذي يأتي إشعاعه من الفراغ السري الكامن في نظره. وعلى الرغم من التشويهات التي ارتكبتها أيدي أعدائه, في أنفه الأفطس, وفي أذنيه وعينيه المتكونتين من عناصر ثمينة؛
فقد حافظ القناع على جمال ملامحه الشامخة والهادئة( ). " نرام سين " هبة أرض سومر إلى أهلها .. هبة أهل سومر إلى الإنسانية كلها .. عقل مرن وبسالة عسكرية .. قمع العصيان الذي كان يتفجر في نهاية كل عهد أو بدايته.. أمضى القسط الأعظم من حياته في المعارك .. قارعاً طبول الحرب التي فتحته له الآلهة .. وجد نفسه مدافعاً عن حدود بلاد الرافدين .. على جبهات عيلام وآسيا الصغرى .. " نرام سين " أذكى الرابطة الروحية أكثر من رابطة الدم .. أول موِّحد لأبناء بلده, ودويلاتها .. أول أمبراطورية موحدة في التاريخ. لا .. لا .. ربما يتحدثون عن شيء آخر .. حاول أن يضمد جرحه .. حاول أن يتماسك .. أن يبدو أقوى .. ربما يعيدوا بعض حساباتهم !! أدرك إنه نخلة اجتُثََّتْ من أرضه .. لتموت في أرض غير أرضه .. وناس غير ناسه .. وسماء غير سمائه .. تكبر الآلام .. ترسم المحنة غابة من الرموز الجرداء المهجورة, على وجه خالد.
ها هو أمام الكاهن .. اقترب منه .. هو يحمل صولجاناً غريباً بيده ..سأله وما الذي دعاك إلى انتحال هذا الأسم الغريب الذي لم نسمع به من قبل .. خالد .. المترب وليس " أحقيار " ؟ وجودي أمامك يا سيدي .. وجهي، وبصمة إصبعي .. هويتي .. مد يده إلى جيب ثوبه .. تسمر في مكانه .. يا إلهي ؟ أنا ارتدي نفس ملابسهم .. صفعته المفاجأة .. أراد أن يصرخ .. نهره الكاهن: أنت تُخَرِّف .. بصمات أصابع .. وهويات .. لمَ لَمْ تبلغ عما حل بك منذ زمن ؟ لم َ لم تراجعنا قبل هذا ؟ ركلته المتاهة .. لا أوراق ثبوتية لديه .. لا بطـاقة هوية .. لا دفتر خدمة !! .. عيونه تائهة .. ونظراته زائغة. صاح به الكاهن : " نعرفك من نظرة عيونك .. نقرأ فيها الشك، نشم رائحتك .. من أين أنت يا لعنة گلگامش ؟ ضحك الكاهن .. ناد من جديد على رجال غلاظ سود الرؤوس : " لست وحدي من يرغب في موتك يا " أحقيار " ! كلنا نفعل ! الآلهة تتمنى .. الآلهة تفعل .. خُذوه.


أخذوه تحت درج صخري، وثَّقوا يديه من الخلف بحبل .. راحوا يسحبون الحبل إلى الأعلى تدريجياً .. اعْتَرِف يا " أحقيار " .. كادت يداه المنطوية إلى الخلف أن تنكسر .. كتفه الأيمن يئن من الألم .. رفعوا أقدامه عن الأرض .. حاول أن يرمي بجسمه إلى أي نقطة تلامس الجدار الذي أمامه .. كل شيء بدا أبعد من أن تلامسه قدماه .. عذبوه .. توقفوا عن تعذيبه .. اقترب منه أحد الرجال .. "ها اسمك خالد المترب ؟ في تلك اللحظة لم يكن قادراً على لفظ أية كلمة .. استسلم لقدره من سكرات الألم .. وحين أنزلوه, شعر للحظات بأنه دون ذراعين .. تلفت يميناً وشمالاً قبل أن يصرخ به الكاهن: " اسقوه من الماء المقدس قليلاً .. ضعوا جرتان من هذا الماء قريبة منه .. اتركوا قطعتين من قماش أحمر وأبيض إلى جانبه .. اغسلوا فمه بأعشاب الأثل, وأعواد الإرز .. ضعوا زبداً ودبساً .. اذبحوا له كبشاً .. ضعوا كل شيء داخل جلد الكبش .. ارموها في النهر .. خذوه إلى شاطيء النهر .. اتلوا عليه الأدعية واملئوا الأقداح بالماء .. سيعود " أحقيار " إلى مدينته " أوروك " أصلب عوداً " .. ثم مال بجسمه قليلاً وقال :" بعد ذلك اتركوا أمره لآلهتنا .. "احقيار " ليس أول ولا آخر ضحية في سومر".
قريباً من النهر .. راح خالد يسرح بصره في خليج يحتضن كل الفضاءات .. فجأة يلوح في أفق يتكسر على موجات الماء .. مركب خشبي .. سفينة صغيرة .. تشبه " لنجات " الأهل في " شط العرب " .. انفتحت أساريره .. طوق نجاةٍ ينحدر إليه .. التصق بالرمل .. احتضن الطين الذي أحاط بجسده الخاوي .. الساحل قريب من بحر الموت .. خارج نطاق الزمن .. المكان راكد .. الزمن راكد .. توسَّل إلى الخليج أن يلامس بحصاه جسده .. توسَّل إلى الأفق أن يمنح روحه خيوطاً من الذهب .. تقربه من النجاة .. تشده إلى المركب .. أيها المركب الحلم لا تستعجل الرحيل وترتحل .. سأخرج من إسفنجة الدماء والأضاحي .. أرقب من بُعد الأفقَ المتجه صوب مدينتي .. أرى دموع أهلي .. أدور وأبحث بناظري عن بيتنا .. عن بساتين النخيل التي تطوق قريتي .. وفي رأسي طنين, وصوت صراخ معجون بهلوسة من ماضي بعيد .. صخب باعة متجولين .. صوت أمي يناديني وأنا ألهو مع أبناء محلة غابرين .. فاجأتني اللحظة .. سرقت مني الظل .. والأمل . ما كاد جسدي يلامس المركب .. حتى أمسكت بي قبضات رجال .. تحتفظ ذاكرتي ببعض من ملامح وجوهم .. تعيدني إلى عذاباتي من جديد. في الطريق استوقفتهم جمهرة من الناس .. تجمُّعٌ لكاهن إلهي .. " خمط تبال " من كهنة الرتب الخاصة .. من كهنة طقوس الأسرار المقدسة " زاكيكو " .. حكيم تعودته ذاكرة الناس في " أوروك " .. تَعَوَّدَ أن يتحدث عما ترتضيه الآلهة .. الحلال .. وما لا ترتضيه لهم, الحرام .. الحشد يكبر .. جاء حديثه مكملاً لحديث الأمس : " أُذكركم أن تنتزعوا بعض ملابسكم عند دخولكم المعبد القديم .. طهِّروا أنفسكم بماء النهر .. اعلموا إن الموت هو الموت .. لا خلود ولا جنة .. لا جحيم .. لكن الروح تبقى خالدة في العالم الأسفل أسيرة إلى الأبد .. الجسد يبلى في القبر ويتحول إلى تراب .. لا حساب .. لا عقاب .. أن الموت بحد ذاته أقسى عقوبة للإنسان .. ليس هناك من ضرورة لمحاسبته .. أُذكِّركم: استعطفوا الآلهة .. تقربوا إليها .. عليكم بالأضاحي, والتعاويذ والصلوات لموتاكم .. هذا أمر محبب .. الآلهة ستحاسِب وتقيِّم سيرة من يموت. انتم لا تحملون معكم وزر خطاياكم إلى العالم السفلي .. راح يصرخ .. انفعال لا مبرر له .. لهاث يثير الغثيان .. مكرراً الحديث نفسه .. استعطفوا الآلهة .. تقربوا إليها .. عليكم بالأضاحي والتعاويذ والصلوات .. قدموا القرابين .. أقيموا الشعائر الجنائزية( )

خالد ضائع بين ذهول المفاجئة, وغرابة المكان والزمان .. تلفت إلى الجهات الأربع المحيطة به .. زاد عدد من تجمع قربه .. عشرات من البشر .. جيء بهم فرادى .. يا إلهي .. هذا حافظ ابن ميتان قربي .. آخرون من الزبير .. من كوت الحجاج .. من الأُبلة .. من الفاو .. من كل مناطق البصرة .. ربما من مناطق أخرى .. من كل بلاد الرافدين .. وجوه ليست غريبة علَّي .. ماذا جرى ؟ وقف الجميع صفاً واحداً .. أداروا وجوههم إلى الحائط .. مر الجميع ببطء شديد .. هراوات تهوي على الرؤوس والظهور .. الأيدي منحنية .. تداخلت أجسادهم .. الكل أصبح واحد .. تمايل البعض منهم .. ارتطم بالحائط .. الضرب ولسع السياط ما انكفأ عن أجساد لا تعرف المكان والزمان .. كانت القاعة رهيبة وشامخة .. فضاءات عارية متسعة تحيط بالمبنى .. ممر فسيح طويل يقود إلى المجهول .. تَخَطُّوه بهمومهم الثقيلة .. فارتج فيه صدى عذاباتهم .. تداخلت وقع خطاهم الثقيلة التي تبعتهم بألم وحزن شديد, مع لحظات السأم والذهول. هلمّوا أيها الحفاة إلى عمل يرضي آلهتنا .. إذن " السخرة " من جديد .. قادوهم إلى برج مهيب .. طوابقه الثلاث تبعث الحيرة على وجوه الجميع .. تثير في النفس الفزع .. تساءل خالد : " أتمنى أن لا تكون نهايتي سقوط من أعلى نقطة فيه .. لقد قرأت هذا في كتب التاريخ " .. تنبه إلى صوت كبير الكهنة:

" من اليوم وحتى يكتمل بناء القبة القرميدية الزرقاء المزخرفة فوق هذا البرج؛ سوف لا يسمح لأحد بمغادرة المكان .. وستعودون من حيث أتيتم بعد أن ترضى عنكم الآلهة ".
همس خالد في أذن من جاوره .. وماذا لو لم ترضَ عنّا الآلهة ؟ سمعه واحد من الحراس .. كيف تجرؤ أن تخاطب الأرواح الممسكة بفناء هذا المعبد ؟ صفعه على وجهه الغض, وراح يأمرهم بالصعود نحو الأعلى. الحرارة شديدة .. صعد خالد سلالمَ كثيرة .. كل سلم من مائة درجة .. رحل بذاكرته مسافراً .. رحل إلى زقورة " الِمْگَّير "( ) .. حين زارها قبل سنين طواها الزمان .. رحلة علمية مع زملاء الدراسة .. هندسة تقدمت خيالات يومهم .. درجات " أور " تشبه سلالم المعبد الذي يمشي عليه .. لا بد أن يكون المكان عاصمة سومرية قرأ عنها في التاريخ .. تَسَلَّقَ قِطَعَ الحجارة المرصوفة بعناية فائقة .. كل آجرة قد ختمت بختم وأسم الملك السومري " أور نمو ". تبعه جمع الرجال .. ها هو يمر تحت بوابة ضخمة .. هناك يتصل سُلَّمان جانبيان .. نال منه إرهاق تسلق هذه السلالم العديدة .. وقف هناك مثقلاً بما فيه .. تشبث بظل قريب .. باغته منظر المدينة .. مسافات شاسعة ومجموعة من التلال .. معابد كثيرة .. معبد الإله القمر, " نانا ", إله الليالي .. هناك مسكن الكاهنة العظمى, وهيكل الآلهة " نينغال " زوج الإله " نانّا " .. يفاجيء هدير دوي أصوات الحرس طبلاتِ آذان الرجال المتعبين .. لا مكان هنا للضعفاء .. سيلقى بكم من أعلى نقطة في البرج؛ إذا ما وهنت خطاكم .. وتوقفت أذرعكم عن العمل .. ذهول يحيط بالأجساد الخاوية .. وُزِعَ العمل .. فجأة أصبحوا خلايا نحل .. تعمل بكل جد .. كل شيء من أجل الملكة. تعلم خالد بناء الطبقات من مداميك الطوب مع طبقات من الحصران العراقية – البواري - , لتشكل حالة من التسليح المعتمد على التصاق ألياف الحصر, مع خامة الطين.. وتعلم أيضاً كيفية درء انزلاق الجدران الطينية عن أجزاء طبقاتها. آخرون يحملون مجن البناء على رؤوسهم. تمر الأيام والليالي .. وهؤلاء الرجال الذين جيء بهم من بطون التاريخ .. لا يعرفون ما يجري حولهم .. لم يسمحوا لأحد منهم بهمس في أذن قريب .. الكل يخشى الموت .. وقد قيّض لهم أن لا يخلع عنهم لباس الحزن .. والألم الذي توزروه منذ غابر الزمان وحتى يومهم هذا. الأيام تمضي .. ينام خالد فوق سطح المعبد .. تعود به الذاكرة إلى سنين بدت بعيدة عليه .. الحرب حرمت الكثيرين في قريته .. من نوم على سطوح البيوت, التي عشقتها الذاكرة .. كانت ليالي حلوة .. يتدبر الإنسان فيها عظمة الكون .. تكبر نزعة التأمل في وجدانه .. يتنقل بين الغيوم .. يطوق أكتاف القمر .. يبحر بين النجوم المضيئة بعناد .. مشاعر مفعمة بالخوف والخيال .. يذوب في لحظات المحنة ويبحر إلى يوم جديد.
تطلع الجميع إلى البرج وهو يكبر .. قُبَّتُه الأخّاذة بدأت تجتذب الأنظار .. الفناء يبدو أُفعواناً يبتكر مكراً في إغواء البشر بالنظر إليه كخلاص .. أطَلَّ حافظ, واحد من العاملين في القبة .. من أعلى القاعة .. الفتحة بدأت تضيق .. والقبة تعانق السماء .. خانته القدرة على التمسك .. راح يتهاوى بين أعمدة ممسكة بالبناء .. تتقاذفه الأقدار ذات اليمين وذات الشمال .. اصطدم بأبواب ومنافذ وبقايا جدران .. حتى إذا صمت المكان .. اندفع إلى زاوية تعانق الريح .. جسداً دون حراك من سنين الأنبياء الأولى .. لم يجدوا على الأسوار غير بقايا روح .. وعذابات وأنين .. ها هي " أوروك " تمس منه شغاف القلب. أول قربان يقدم إلى المعبد .. رجلٌ يموت بين حزن الزمن .. حشد كبير مرَّ بجوار الجسد الممزق .. أشباح تجوب المعبد .. أرتفع الدخان في فضاء البرج الفسيح إلى السماء.. مختلطاً بترتيل كاهن .. يرتعد خشية من آلهة المكان والزمان .. الصوت يتكسر على جدران معبد الطين، تزداد همسات الكهنة الذائبين في الدخان .. الدخان يجرف الكلمات بعيداً، لتستقر على ألواح .. رقيمات طينية تنقشها قصبات ناسخ اللوح في المعبد .. صليل الموت في قلب " أنكيدو " يلوح " لگـلگامش ", مثل سمكةٍ حزينة تطفو فوق المياه القريبة، و" گلگامش " كان باباً آخر يلوح لخالد .. لعيون " احقيار " الخائفتين .. أوروك تبكي على الطين الذي زرعت فيه بذرة الأحزان .. سِفْرٌ من تاريخ سومر تكتبه دماء جيء بها من أقصى الجنوب.
جيء بالجثمان .. وضعوه على حصران من القصب .. لفّوها على الجسد .. ثبتوها بالدبابيس .. هيئوا الحفرة .. صاح كاهن آخر:" أخرجوه من الحصران .. عليكم بالجرّة المزدوجة .. وضع الجثمان في جرّة كبيرة .. وُضِعَ جزؤه الخارجي في جرّة أُخرى مقابلة .. أغلقت الفوهتان المتقابلتان للجرار بالطين .. صاح الكاهن من جديد .. لعل الآلهة تعيده من رحم الطين .. ثم طرحوا الجرّار في الحفرة مباشرة .. كانت دهشة خالد كبيرة .. هو وصحبه يذرفون الدموع .. لا أحد يشاركهم الحزن .. وُضِعَ الجسد باتجاه الشرق .. على خلاف ما تعود عليه الأهل في ميتان .. شعائر الموت عندهم مختلفة في كل التفاصيل .. طلبوا بعض حاجياته .. لوازم أو سلاح .. لا بد من أواني فخارية للطعام والشراب .. نادوا على بعض الأختام والحجر المزرقش .. تماثيل صغيرة تحمي الميت من الأذى .. ولكن من أين ؟ من أين لمن جيء به من بطون التاريخ كل هذه الأشياء ؟ وضعوا عليه آجرة .. واروه الثرى .. هدأت الحشود فجأة, وهي تنساب في هوس اللحظة وخدرها .. الممتد كالأفق في مـدى مجهول، أسكن خيالاتها الصمت .. بـرهة عابرة تخبئ طقوساً .. في هدأة البخور والنذور هطلت ترانيم الكهنة .. صوت جنائزي امتزج بالحزن .. أعاد خالد إلى ترانيم كنيسة في القلب من بصرته .. من مدينة العشَّار.. موكب دفنٍ .. قبضة من تراب مقبرة .. عالم يباب .. ما أبعد الفراق والعراق .. ما أبعد الأحباب ..

الأرواح تتلاقى في معابد الصمت .. تسجد لبعضها في عمق الكلمة .. ها هي روح خالد تنحني لروح حافظ الغارقة في لحظة المكان .. ترسم على جدران ذكراه كلمات حزينة .. تعيد صداها ريح غارقة بالأسى والألم .. تعبر به أسوار " أوروك " ذات الحظائر .. تتخطى حوض الماء في المعبد الذي احتضن روحه .. بين أروقة المعبد راح الناس يرقصون .. في سومر يرقص الجميع في الأفراح والأتراح .. في لحظات الغضب .. يرقص السومريون .. يغنُّون للمريض .. للعائد من السفر .. للمولود الجديد .. للميت .. للموت .. يرقصون في الأعراس والختان .. رقصاتٌ خاصة للحرب وأخرى يستقبلون بها المطر والربيع .. إنها مواسم سومرية .. يبدِّدها الحنينُ أمام عيون خالد .. ويشربها الحزن .. ترك صدى عذاباته تتردد على جدران رسمتها يداه .. ليلوذ بصمت الزمان.
بقي خالد وحده .. تفرق الجمع .. صاح: " يا " أوروك ".. يا مدينة القمر .. احضني روح حافظ .. خذيها إلى عنان السماء .. " وقف بعدها يتأمل قبر حافظ ابن قريته .. تذكر وجهه .. تذكر حديثه .. حدق بيديه الممتلئتين به .. تحسَسَتْ جسدَه راحتا يديه .. تأملت عيناه لحظة الموت .. تمنى أن يخلد معه .. يشاركه سبات الغربة .. يسافر مع أغوار البوح العصية .. يحمل ألواح طين .. يرتدي عبق السفر .. يهاجر لأجل بعيد .. حزن رحلة إلى المجهول والضياع .. جدار أكلته الريح في دروب مدينته المتربة .. في منعطف يلامس جدراناً خاوية .. تطالعه غرفة من الطين .. مهجورة منذ زمن الغابرين .. التهمت موتى كثيرين .. ينقب عنها في زوايا حكاياته .. عن طريق يختصر مشوار رحلته .. على امتداد الضفتين .. غابات نخيل وبساتين .. مشهد يعيش في العمق من ذاكرته .. ناس طيبون .. كرم وحنين .. مرح الشواطئ في " نيروز " .. أثل الزبير .. تضاريس المكان .. تعج بالعواطف .. تختزن الألم .. يقلب خالد رماد الأشياء .. يبحث عن بقايا الأمس في أطلال المكان .. تمنى أن يكون قريباً من " المغتسل " .. حيث يغسل الموتى .. فيضيع في لحظة التأمل .. يتحسس وجع ذاكرته .. يستيقظ من جديد .. لا بد من صلاة على الجسد الغريب المسجى في " أوروك " .. ما كاد خالد أن ينهي صلاته؛ حتى باغتته ريح صرصر .. عاصفة من رمال حمراء .. من دم .. حجبت عنه كل شيء .. لاحت أمامه أشباح تطير في عتمة فناءات المعبد .. الملكة " بو – آبي"( ) .. ونساء مجدولات الحواجب .. تنثر شعورهن لحزن الرحيل .. غصَّاتُ ألمٍ مزَّقت العيون. نوح خفي ونداء غامض .. تراتيل أناشيد حزينة في ألحانها .. توخز حزنَه العميق تعاويذُ سحرةٍ وكهانِ معابد سومر.

سمع خالد ضجيج أصوات حاصرتها أحزان المكان .. إلى المعبد .. إلى العمل أيها الكسالى .. على صدى آلام حزينة حاصرت ذاكرته؛ استيقظ خالد من وقفته على آجر سلالم المعبد .. تسامى وشمخ, وحلَّق ما بين السماء والأرض .. علا فوق جِراحه .. تقدم إلى قلب المعبد .. بدأ بنقش الزخارف الفسيفسائية الدقيقة لأَنصاف الأعمدة المثبتة على جدران الطين المفخور .. جيء بآلاف المخاريط الطينية الصغيرة .. ذات الألوان المختلفة .. ذات رؤوس حمراء وبيضاء وسوداء وبرتقالية باهتة اللون. بدأ خالد يلقي في غلاف الطين هذه المخاريط المدببة الصغيرة .. ذات الألوان المختلفة .. ثبتها بطريقة لا يظهر منها غير رؤوسها .. فجأة تحول سطح الجدار الطيني إلى مرآة تعكس أشكالاً متكسرة ومتقاطعة ومتعرجة من معينات ومثلثات .. أضفت على الجدران ميزة هندسية .. جعلت المكان يضج بجمال اللحظة .. ولحظة الجمال.


خلد الجميع إلى النوم بعد يوم من الحزن والتعب والألم .. وبين اليقظة ونعاس اللحظة .. سمع خالد حديثاً أثار هواجسه :
"افتح يا حارس البوابة، افتح البيت .. افتح الباب يا " ناتي "، أريد الدخول بمفردي " جاءها صوته متسائلاً: "رجاءً، من أنتِ؟ "أجابته باعتزاز: "أنا ملكة السماء، المكان الذي تشرق منه الشمس" .. "إن كنتِ ملكة السماء حقاً، المكان الذي تشرق منه الشمس. فلماذا أتيتِ رحماك إلى بلاد اللاعودة، إلى الطريق الذي من سافر إليه لا يعود أبداَ، كيف قادك إليه قلبك؟" عندئذ تذرّعت بالقول:"أختي الكبرى " أريشكيجال "... لأن زوجها الرّب " جوجالانا " قد قتل"جئت لأشهد مراسم الدفن، فليكن كذلك( ) ؟"

نهضت عذراء " أوروك " .. وقفت تريد الوثوب من فوق أسوار المعبد .. وضعت قدماها على آجر السلم الموشح برقائق النحاس .. عرقوب قدمها الأيمن أشبه بقطعة من الرخام الأبيض .. أحاطته بخلخال ذهبي مرصع بالياقوت الأحمر .. اقتربت من خالد .. تدانت حتى لفحه منها عطر قوي .. مزيج من رائحة العنبر المحروق والقرنفل والمسك وجوز الطيب .. تداخلات صورةٍ لم تتضح تفاصيلها؛ أشرق وجهها بابتسامة ساحرة .. " أنا على يقين من أن أفضل خدمة تقدمينها لخالد هي أن تطلقي صرخة " ننكال " ذاتها في فضاء الألم والأمل " .. قالتها عذراء " أوروك ", ثم أشارت بيدها المخضبة بالحناء .. دعت خالداً للخروج إلى الرواق .. " احملني بين ثنايا معبدك الغريق .. من " أوروك " إلى " ميتان ".. طريق الألم .. والملح .. والبهار .. والبخور .. والمسك .. والحزن .. إلى تفاصيل معبدك .. وخرافاتك وأساطيرك " .. تلفت خالد صوبها: " ما الذي دعاك لتطرقي باب قلبي .. توقضي موتاي وقوافل السبي والرحيل ؟ .. أتراها شهرزاد خبأت عشقها لك يا خالد كل هذه السنين؟ ولم تبح به في ليالي ألف ليلة وليلة .. لشهريار الملك .. قصة عشقها هذا .. قربان زمن مستباح .. تنبؤات متعسرة .. و" ديموزي " الذي أعلن أنه لن يزور الأرض مرة أخرى .. أنقذوني من هذا الجمال ولحظته .. وجهها المخملي يحاصرني .. شدَّني صوتها .. سحرني لحنها ".. يفاجأ خالد .. الحياة قد دبت إلى جميع أركان المعبد .. لتضيع معها رقة صوت عذراء " أوروك " .. يضيع معها رؤية الحُسْنِ والجَمال في فناء المعبد المترامي الأطراف .. لحظات تُمْسُكُ حزن المكان ولهفته .. يَرْتَدُّ معها .. من جدران المعبد أصداء غناء عذب .. موسيقى تسيح رقة .. في القلب حزن مدينة .. ترك خالد صورتها في ذاكرة النسيان .. لعلّ الأقدار تعيده لها ذات يوم .. مرت بنفسه الهائمة أصوات متناغمة .. تداخلت مع ترنيمة هذا السحر .. تريد أن تُرضي الآلهة .. كان غائباً في اللحظة الأصعب .. " أوروك " مدينة لا تبوح بسرّها كاملاً .. هل طال به الوقت أم قصر ؟ انتشله صوت كاهن المعبد: " كفى تسمراً بجدران المعبد المقدس .. العمل وحده يقربكم من الخلاص " .. زاد الموقف رهبة عمق هدير أمواج الخليج القريبة من المعبد .. تواصلاً بين البحر والسماء .. في ذاك الأفق المنحي على جدران المعبد المطبقة على جسد خالد.

لم يتوقف العمل .. الأجساد المتعبة تواصل اللهاث .. تمر بهم الهموم والسموم .. القبة تكتمل التفاصيل .. ها هي تحتل مكانها الجميل .. تعتلي المعبد ذا الطوابق الثلاث .. فجأة يعلن كاهن المعبد خبر انتهاء العمل .. اليوم نحتفل .. اليوم نقدم النذور والبخور .. اليوم يعود الرجال من حيث جاءوا .. تقترب أصوات .. ترتفع دعوات .. تَدْخُلُ عذارى المعبد .. صبايا سومر، من تحت أسوارها .. مسدلات البراقع الشفافة على وجوههن .. يضعن " أما سمجال أنا ", كحل تزينت به " أنانا " وكاهناتها من قبل .. حِلِّي الطقوس تزين طلعتهن .. يتماوجن هائمات حُبَّاً .. فانيات تَعَبُدّاً .. وسط غيمات البخور واللبان المحروق .. يرقصن على إيقاعات نقر الطبول .. يأتين كالهمس الدفين .. ارتبكت جدران المعبد .. دخلتْ جوقات خرجتْ أخرى, ولم ينطفىء الشمع .. يسكب رجال ذو رؤوس سوداء عطر الناردين أمام الإلهة " عشتار " المجسّدة في شخص إلهة المعبد .. يرشون زيت الزنبق عند قدميها, ويحرقون العنبر البحري .. يضعونه في إناء " البور " .. لا أثر لنار عيدان الثقاب التي ضاعت عن خالد قبل أن تلقي به الأقدار بعيداً عن ديرته .. ها هو " نارساكال " سومر الكبير .. المغني " نام- خا – ني " يقترب .. يغني شجناً على نغمات قيثارة سومرية حزينة " الحارفا ".. جاءوا " بالجوسلم " .. آلة موسيقية أخرى .. جاءوا بقيثارات " اللآ " و "الليلش " و" الميسي " .. يتهادى مضرب الطبل " المكّو " .. يرتفع شجن صوت الطبل " البكّو ".. الذي صنعته " أنانا " من أخشاب شجرة " الخبلو ".. شجرة الصفصاف .. ها هو يعيد كلمات شاعر عراقي من الزمن الحزين .. تتهادى الكلمات كحلم يتماوج بين جدران المعبد : " وطني، وقد ماتَ المغنّي هل نستعيدُ حكايةَ السنوات ِعاريةً بلا وترٍ يرافقها، ولا صوتٍ يغني ".. ينشد " نام- خا – ني " أغانيه على إيقاعات آلاته الموسيقية .. تلبي نشوة جمالية شفيفة بهواجسه اليومية، ليستشف رحيق الجمال بكل أبعاده الروحية والمادية .. يتوافد رجال محملون بسلال عنب التلال المحيطة .. تفاح البساتين, ومشمش الجنائن وبرتقال السهول. وبإشارة من إلهة المعبد تتوقف كل حركة .. تَخِرُّ العذارى ساجدات .. يتقدم كاهن المعبد .. الكلام يتهدج :
" الآن يتوقف كل شاك عن الشكوى, وكل داع عن الدعاء, وكل ناذر عن النذر, وكل متضرع عن أي ضراعة ".
اصعد يا " أور- شنابي " .. تَمَشَّ فوق أسوار معبدك .. إفحص أُسسَه .. دقِّق في قبته .. تفحص آجره المفخور .. وقرميده الأحمر.. كحِّل عينيك بضياء سومر .. اجذب عنادل آلهة السماء ذات الألوان الممثلة لتضاريس أرض " أوروك ". " أور- شنابي " .. يحاور الزمان والمكان .. يتحسس جدران المعبد .. تَجُول روحه كل الأركان .. ها هو يتفحص دقائق تفاصيل أمور البناء بفنِّها المعماري المتفرد .. بالتشكيل المتقن لكتل الحجر المرصوفة بدقة .. يقترب من أبنية البئر المقدسة .. قوالب جيرية رائعة فوق ينبوع ماء طبيعي .. يضع قدمه على الماء .. بصمة أبدية تعيش مع المدى .. مباني أخرى تتصل بالمعبد .. من هنا بدأ العمل .. على هذه الأرض المقدسة ارتفعت قبة المعبد المقدس .. يرفع يديه إلى السماء علامة رضا وإشارة لبدء طقوس .. ولكن من الآن سيكون" أوتنا بشتم " وزوجته مثلنا نحن الآلهة. خذوا جميع العاملين إلى ضفاف الهور .. يغتسلون .. يطهرون أجسادهم .. يعودون إلى " أوروك " .. يشربون شعاع الشمس .. في أكواب من فخار .. لعل الآلهة ترضى عنهم .. قبل أن يحاكموا على أفعالهم التي جيء بهم من أجلها.
ترتبط الأهوار بذهن خالد كارتباط الجذر بالأرض .. عشقها وذاب في مسطحات مائها .. أكل من أسماكها وطيورها .. شرب من دهنها الحر .. أكل من " سيّاحها "( ).. ارتشف من لبن جواميسها .. فضاءات لا تنتهي بين خضرة الماء الراكد للهور .. الممتد بعمق لا يعرف له نهاية .. الأيشانات .. الچباشات .. مدونة على ألواح الطين في مدن سومر .. بيوت سومرية هنا في العمق من الأهوار .. مصنوعة من ذات القصب المقوس لبيوت الأهل في الفهود والچبايش والعمارة( ) .. هي ذاتها مضايف الأهل المنتشرة في العمق وعلى حافات الأهوار .. يتلاطم موجها بحافّات " أوروك " .. لا شيء يراه كلَّما تفحَّصت عيناه القصب الممسك بالمكان .
عاد خالد إلى ذكريات الأيام المنعكسة على السراب المائي المنتشر في الهور .. تأمل فيه صفاء اللحظة .. انعكاسات أنوار النجوم اللامعة .. المنتشرة كالعقد المنثور على مسطحات الماء الملساء .. قنيواتها في ليل الهدوء المقمر .. إنعكاس صَدَفًةٍ فضية .. قمر يتكسر فوق صفحة المياه المظلمة .. ذاكرة الماء ترسم وهجاً حافلاً .. أعادته خيالات ذاكرته .. خزائنها المتراكمة من كرم الأهل .. في حافة هور " المالحة " قرب " الچبايش " .. تتشابك معها غربته .. رحلته التي لا يعرف لها مدخلاً .. هناك شاهد الفالة من جديد .. وهي تمسك الأسماك .. هناك سمع غناءً يجلب طيور الماء .. من بعيد سمع أصوات غناء سابحة في ماء أهوار الجنوب .. في أرض سومر .. بين هسهسات القصب والبردي .. ضربات مجاديف المشاحيف .. رفيف أجنحة البط .. مناجاة طيوره .. " حِذِّاف " و "خضيري " و " دجاج ماء " .. يقترب منه صوت الراحل داخل حسن " أبو كاظم " .. خيالات مفرطة في جمالية الصوت المنحدر صوب الهور .. من الناصرية .. نوح خفي .. حزن أبدي .. ونداء غامض شبيه بتعاويذ سحرة وكُهّان معابد سومر .. أمر غريب يحرك دواخل نفس خالد العميقة .. المفعمة بالغموض المخدر ببعض الرهبة .. يحرك آهات غارقة في رؤى أحلام ليله نهاراً .. تستقر في ذاكرته كطيف يلوح من بعيد:


" ما تنسمع رحاي بس إيدي إدير ..
أطحن بقايا الروح موش أطحن شعير ..
لهلنا مشينا بويه مشينا .. "

يغلف الصمت وحشة الليل .. هناك في العمق من الهور .. يتهادى خالد في زورقه الغارق في رؤى الأحلام .. يختلط ويتجمع مع أصوات العذاب المحدقة بالمكان .. تكررت في مخيلته صفحات الشجن من سفر الرحيل إلى سومر .. الأرض نفس الأرض .. ألمياه نفس المياه .. الحنين يتجذر كالنخيل .. يذوب كالشموع .. بمهلٍ و رِقَّةٍ وسط أمواج متكسرة على سطح المكان؛ تهادى " مشحوف " خالد .. تهادى " كِعِد " الآخرين( ) .. كأن المشاحيف تعرف أصحابها .. وجد خالد نفسه في العمق من الهور .. محاطاً بقصب بردي كثير .. المستيقظ منه والغافي في ذيول الأمواج .. النابت والطافي .. الطافح والذابل .. اليابس والجاف .. المتعدد الغصون والضارع بأوراقه .. فراشات لا حدود لها .. قابعات فوق غصينات عانقت صفائح الماء .. متوددات على صدور " نفّاش " القصب .. ملايين من طيور مغرِّدة .. تفرش أجنحتها .. تطير فوق الرؤوس .. موطنها الوحيد .. أرض بلا يابسة .. الماء وحده يفترش المساحات كلها .. راح يتفحص أسماءها .. يقتل أسباب وحشة الزمان والمكان .. طائر القصب المغرد .. الطائر الثرثار .. طيور مهاجرة كثيرة .. طيور " الغاق " بجرابها المشهورة تحت المنقار .. طيور الأُوَّزْ .. أُوَّز ذو مقدمة بيضاء .. أوَّز أحمر الصدر .. أنواع رائعة من البجعات واللقالق وغيرها .. أفواج من البلابل .. من الغربان والنسور .. سحابة يلامس ظلُّها الوجوه المشدوهة المنحدرة مع الماء .. طائر " الطيهوج " .. يعاكس النفوس الجريحة التي أثقلتها نبال المحنة .. الخضيري والغرنوق .. الزرگي الكركي ودجاج الماء .. أبو فجل وأبو زلة .. خطاف .. وَز أملح .. البرهان .. الرطيوي والبيوضي والجهلول .. الغطاس والعويدي والنورس .. الطَطْوَة .. صقر السمك وصقر الفار .. آلاف أخرى من الطيور الملونة الصغيرة الخرساء منها والمغرِّدة ..
فاضت دموع خالد .. تحجرت الكلمات حزناً .. الأسماك تستفز ذاكرته .. ها هي ترافقهم في رحلة المجهول .. صورة تعيد نفسها .. اعتادوا في الأهوار الخروج بزفة " مشاحيف " في الأعراس .. كانت الأسماك ترافق " المشاحيف " الصديقة .. لا خوف و لا وجل .. تتراقص على صوت الدفوف .. تسبح منتشية مع موكب " المشاحيف " .. راح خالد وقد أخذته حيرة الزمان والمكان .. يقارن فرح الأسماك بحزنها .. استرجع دفائن الذاكرة .. تذكر الأيام المريرة .. من حزن " المعدان ".. حين تتحرك المشاحيف مودعة راحلاً في تشييع جماعي .. ترقد مخلوقات الماء كلها .. لا يبدر عنها حراك .. تشاركها الطيور المرافقة .. أنين بطعم الحزن .. هل يُصَدِّقُ أحد أن هذه الأسماك .. ومن يعتلي سطوة الموجة معها .. تربطهم علاقة فريدة في أهوار سومر؟ .. حب غريب بين الفريسة والصياد .. من حركتها .. من طريقة سباحتها .. يسترجع خالد أنواع الأسماك التي ترافقهم .. على صوت أنين محنتهم .. هذا الحريث ذو الشوكة الطويلة .. سمك القط .. القطان .. الشِِلِِجْ والحِمْرِي .. البني والصبور .. الشبّوط و الخشني .. العجد ودگاگ الصخر .. الجصان والسمتي .. البياح وأبو زريدة .. الجِّري والروبيان .. من يستطيع التطواف الكامل بكل هذه المخلوقات .. سكنة ماء الأهوار ؟
تفرق الجميع في متاهات المكان .. هنا تقضون يومكم .. تستحمون بماء الهور .. تأكلون من رزقه .. تعودون غداً إلى " أوروك ": قالها الكاهن بعد أن طلب من الحراس رفع الأطواق عن رقاب الجميع .. من خيوط القنب الخشنة التي تلتف حول رقاب الرجال .. تلمس خالد رقبته الجريحة .. صاح بأعلى صوته .. محذراً من كان معه من الرجال الذين جيء بهم من بطون التاريخ : " حذاري من نبات " الشمبلان " .. ونبات " العرمط " الناعم جداً .. بين جنباته .. في داخله .. تسكن الأفاعي .. احذروا الخنازير, و" ابن آوى " و الذئاب والضباع .. يحرسكم الله من كل مكروه ".. تحرر خالد من أصفاد محنته .. راح يسرح بصره في فضاءات المكان .. باحثاً عن وجوه عشقتها ذاكرته .. فكَّرَ في طريق للخلاص من محنته .. المكان ليس غريباً .. كان هنا قبل سنوات .. هنا تسكن عشائر وقبائل من أهله .. قبائل " البو محمد " وقبيلة " بني لام " ومنها " بلاسم " وكنانة وكعب .. ومن عشائر آل ازيرج والعيسى و" البزّون " والمريان .. قبيلة " البو دراج " .. هناك قبائل أخرى مثل السودان والسراي والسواعد والبهادل والشويلات .. ليس بعيداً من هنا ينتشر بنو أسد .. الإمارة .. البو صالح وآل حسن وبيت غِزِّي .. حجام وجويبر .. النواشي وعباده .. بنو مشرف والحلاف .. آل فرطوس والحجيميين .. والمواجد .. هناك في العمق يقطن بنو منصور و بنو سعد على ضفاف القرنة .. وليس بعيداً في قرية " موزة " .. وعند " العلوة " .. ينتشر الأهل من " بني مالك " .. لا بد له أن يبحث عن واحدٍ من مضايف السيد " سِرَيْوِِط " .. لا تكاد تخلو قرية في أطراف وأعماق مياه الأهوار, من واحد منها ..

جيء لهم بخبز كثير .. يا إلهي .. هذا هو " الطابگ " .. طبقة سميكة من طحين الرز " التمَّن " العراقي .. يرفع خالد بصعوبة ذلك الرغيف .. يشطره إلى نصفين .. يدفع بصمت نصفه صوب رفيق محنة يجاوره .. تشم منه رائحة شواء نار من حطب الهور نفسه .. نفس رائحة الأهل في أهوار الجنوب .. وسط الدخان التي امتلأ بها المكان .. فرشوا البقية على آنية فخارية جيء بها من " أوروك " .. صحون أخرى تحتضن كميات من الملح .. نفذ الملح كله .. ولم تنفذ كميات السمك الذي صادوه .. خالد يتفحص الأفق المحيط بهم .. ضاعت من أمام عينيه شواخص كثيرة .. كان هنا يصيد السمك في عتمة الليل .. بطريقة السراج و" الفالة " .. ينصبون الفوانيس أو المشاعل على مقدمة " المشحوف " لإنارة منطقة شاسعة في الماء .. هناك شاهد خالد الأسماك تقفز إلى جوف قاربهم .. فجأة يضيع عنه كل شيء .. نساء ورجال .. يتكلمون لغة غريبة عليه .. ملابسهم قد جيء بها من بطون التاريخ .. ضاعت عِمامات وعصّابات رؤوس النسوة .. سِمات بيئة الهور .. اختفت كوفيات وعُقِل الرجال .. ضاعت سجاير اللف .. التي عشقتها شفاه الأهل هنا في چباشات الهور .. اختلفت وجوه الأهل " المعدان " .. ورثة أكبر حضارة في التاريخ .. متاهات وحيرة غلَّفت روح خالد .. استسلم لقدره .. وذاب في عذابات اللحظة .. يعود خالد من أطراف الهور .. على متن " مشحوف " سومري .. منتشياً بعبق ورائحة البردي .. أيها الحزن الطويل .. انْفُض غبار الألم عن محنتي .. عن جسدي النحيل .. الريح تتقاذف همومي .. وجع يزيح حيرتي .. دعاء أن ترحمني آلهة سومر .. لأرحل وحدي .. بين الوجع والفجح .. نافضاً في متاهات الزمان روحي .. أسيرة الدرب الطويل .. يا لها من كلمات يضعفها خواؤها أمام الحزن الذي يفيض من وجودي .. أعيدي إلى الماء كل الحكايا يا مشاحيف .. يا منازل .. يا قصبات البردي المترنحة خجلاً من نسيم أهوار سومر .. هذا آخر ما يحتاجه غريب بعد رحلة الأحزان والألم .. التفت خالد مناجياً عشبة البُرَكِ .. فسحة ضوء .. تَذَوَّق عذابات الوجوه المحيطة به .. أنين خاص لا يبرح ذاته الحزينة .. كان يشعر بالمياه تتكسر فوق ذاكرته المتعبة .. يتسمر خالد في لحظة المكان والزمان .. " كأن صياداً حزيناً يجمع الشباك .. ويلعن المياه والقدر .. و ينثر الغناء حيث يأفل القمر "( )..



بقايا معبد " أوروك " , في أرض سومر جنوب العراق



-4-

سقط الليل .. فَخَيَّم الصمت القاتل على وحشة المكان. تمدد خالد فوق الأرض .. تأمل حاله .. راح يعيد أحداث يومه المرير .. ضاقت به الجدران .. عبث بالسواد المحيط به .. شعر بدموع تنزلق ببطء على خديه .. تتبعها آهات حائرة .. تتداخل مع عذاباته .. تجتاحه نوبة بكاء حزينة لم يألفها من قبل .. صاح بأعلى صوته : " حطموا يدي بعصاكم .. ضيقوا خناقكم على صدري .. اقذفوني في دياجير ظلماتكم .. اقلعوا عيوني .. لكنكم لن تنالوا مني .. لن تسيطروا على روحي".


تردد الصدى قوياً في لحظات الصمت المريب .. لا شيء .. وسط وحشة الليل والمكان .. سوى همس بعيد .. سفن أحلامك التي صنعتها من ورق .. لم تصل بعد إلى أهلك في الطرف الآخر على ضفة النهر الحلم .. وأن الأماني التي وَعَدَتْكَ برحلة مع السندباد ابن مدينتك .. وبساط الريح .. ومصباح علاء الدين السحري .. أجّلت ذبحك إلى نهار قادم . فجأة تأخذ الهواجس وعي خالد؛ ليرتمي بين أذرع سبات عابر.
هدأ المكان فجأة .. غلَّف زواياه الصمت .. استحضر معه ذاكرة مثقلة بالعناء .. الدرب طويل شاق .. أنت المتعب من السياط وأيدي الجلادين .. الخيبات والفشل الدائم .. ما الذي رماك بأرض لم تشهدها .. أرض لم تسمع بها إلا في أساطير الغابرين .. لتعيش كل عذابات اللحظة الصعبة. مرت على فضاء عتمته سحابة قاتمة وريح .. اختلطت عبر مشهدها وجـوه وناس .. عصفت بهم ريح وحرب. لـم يكـن في صمته ألاّ وقفة في الزمان .. فلم يلتقـط سمعه الـواهن غيـر همهمات الغـرباء, وخطاهم التي مـزقت جسد الليل الثقيل .. غمرت نفسه الهواجس .. لم يعـد في سكون الليل غير نباح بعيد .. تذكَّر أهلَه .. تذكر ميتان .. مناطق أللباني، و" الْعُوْيَة "، والصنگر، وعويسيان، ومويسيان وبلد سلطان، وكوت الصلحي، وباب ميدان، العميرية، وحمدان، تذكر جسورها المشيدة على أنهار بيت هارون والصانع وباب العريض والعسماوي والقنطرة, وغيرها .. راح يصارع الخوف بنعاس ثقيل.
استفاق خالد بعد أن ركله أحد الواقفين .. الأصوات تعلو من جديد .. كلمات مبهمة .. أصوات شبيهة بالسويحلية .. وكلام المهرة في سوق " واجف " في مدينة الكويت .. ذكَّرته بأصوات الحصى المتلاطمة .. المحصورة في علبة صفيح صغيرة .. كموجات البحر المتكسرة على شواطئ جزيرة بوبيان والوفرة وأم المرادم. وضعوا طوقاً على رقبته .. اقتادوه إلى مكان المحكمة .. المحكمة مؤلفة من أربعة قضاة متخصصين .. يرتدون الملابس الدينية البيضاء المنسوجة من الكتان .. أجلسوه على حجر .. راحت خيالاته تجوب فضاءات المكان .. كل شيء غريب عليه .. أغرب ما فيه هذا الهدوء القاتل .. نادوا عليه .. قف يا " أحقيار " .. تقدَّمْ قليلاً نحو منصة القضاة .. تذكَّرْ أن كل كلمة تنطق بها ممكن أن تستخدم ضدك .. يمكنك السكوت وعدم الإجابة .. دارت الدنيا به .." يا إلهي .. هذا نفس منطق الذين حققوا معي في معسكر " بوكا " .. هم غزاة بملابس سومرية ".. يمكنك طلب محام ليدافع عنك .. لأول مرِّة يسمع أن من حقه أن يطلب محامياً .. مترجماً .. جيء بواحد .. غريب الوجه واللسان .. ملامحه تذكره ببعض حُرّاس سجنه في " أم قصر ".. مكان يرتدي زوراً نسيج العمق من تاريخ العراق .. أرادوه أن يكون جزءاً من نسيج , وجذور العراق ....
فاجأ رئيس المحكمة الجميع:" عليك يا " أحقيار " أن تدرك بأننا نحاكمك .. نأخذ ما أوكلته لنا الإلهة " نانشه " من أمر تنظيم حياة البشر على الأرض .. فقد عمَّت الفوضى الأرض .. وضعت المعايير في مكانها .. ليحسب لكل شيء حساب .. الإنسان مقسوم بين الخير والشر .. علينا أن نعاقب كل من سلك سبيل العدوان .. كل من تخطى حدود النظم المقررة ونقض العهود .. شرائعنا سند للإنسان .. عون على الظلم .. كلمات نعيد بها ترويضكم .. عولمتكم .. يعدل بها ميزان الخليقة والحياة .. نوجه لك تهمة محاربة أصدقائنا .. الذين خلصونا من عذابات بعض حكّامنا .. خروجاً على حدود النظم المقررة ونقض العهود .. فماذا تقول ؟ استجمع خالد إرادته .. حاول صياغة كلام مسموع .. عِبْرَ أجهزة ترجمة بدائية احتلَّت بعض جوانب القاعة .. انساب صوته رقيقاً .. يحمل غصة محنة .. وضياع لحظة .. عتمة دروب لامست ذكرياته:

" بصوت مخنوق أخاطبكم: لن أنسى محنتي .. إحساس كثيف بالمرارة .. تنزلق اللعنات في كل اتجاه .. أيها الرئيس الذي جيء به من أقصى الأرض: توقفت الحرب في بلادي أيها الكاهن .. بعد سنوات طويلة ومرعبة؛ لكن حرباً جديدة ابتلعت كل شيء .. اجتاحت الريح العاصِفة أرضي .. حَمَلَت التدمير, والخراب .. كانت موجة مخيفة من البشر .. موجات من رجال لا يعرفون للحياة من معنى .. موجات جيء بها من غدر الزمان .. موجات عارمة من العيلاميين و" المارتو "( ) .. اندفعت بغليان صوب مؤخرة المدينة .. هدر الرعد, وتبعته طقطقة هائلة شبيهة بانهيار العالم .. ساد صمت رهيب .. هبط ليل حالك كالدخان على المدينة المدمّرة, وتوارى القمر .. شاع البؤس والشقاء .. وقف الناس عند الأفق يجمعون شتاتهم .. تناثروا أمام النيران .. مثل حجر ميت .. تساقطت الجثث في الساحات الثكلى .. سقطت منهم فؤوس القتال .. بالتراب مرغوا أفواه الرجال .. لم يسعفهم أحد .. لا صديق .. لا خليل .. حتى الزمان .. صرخت " ننكال :" آه يا مدينتي .. آه يا معبدي ".. اختفى وجه الرجال .. كطيور جريحة سقطت من السماء .. ضاق المنحدر بهم .. انقشعت العواصف .. ظهر نور في السماء .. عاد قمر يزرع قرنه في رأس البرج .. مثل بطلٍ جريحٍ باكٍ .. لطمت النساء على الخدود .. نفشن الشعر .. مزَّقن الثياب .. صرخن: " ويحكم أيها الرجال .. " هذلة " لا يحتضنها مأوى وتهيم في القفار ".. حملنا " هذلة " في النفوس .. قبل أن تَمسَّها الرؤوس .. انطلقنا من جديد .. نقاتل الذين عبروا الحدود .. لم يتبقَ أمامنا سوى نار محرقة .. تحيل أجساد الرجال رماداً .. تذرها الريح في دروب وطني .. ساعدوني كي أعود لإطفائها .. فإني أرى امتدادَ سعفِ النخيل يتسلق الذرى .. أرى شمساً لا تغيب .. وقمراً لا يأفل ". أنا لا أنتمي لكم .. لا أنتمي إلى تاريخكم .. أنتم تحاكموني بقوانين الإلهة " نانشه " التي انقلبتم من أجلها .. انقلبتم عليها .. تذكّروا أن ما تدعون إليه هو دين من لا دين له .. أنا ....... قاطعه من كان في القاعة: " كف عن هذا الهراء أيها الرجل .. نعطيك فرصة الموت .. أن يُصْلِحَ القبر حالَك .......... أنت محكوم عليك بالموت .. الرحمة متروكة لكاهننا الأعظم .. هو الذي سيحدد مصيرك في نهاية المطاف .. رُفِعَت الجلسة ". أمسك رجال غلاظ بخالد .. انهض يا " أحقيار " إنك مطلوب للمثول أمام الكاهن الإلهي " ايشب ". أخذوه حافياً جائعا ًخائفاً .. قادوه
عبر أبواب, ومنافذ وبقايا جدران .. في القاعة نفسها وفي الجدار المقابل استوقفه مسمار فخاري ذو نهاية عريضة تشبه وردة كبيرة بألوان متعددة .. احتشد المشهد بناس مذعورين .. بدأت القاعة تمتلئ .. جيء بعشرات الأشخاص.
فجأة يطل رجل ملتحي .. وقف كاهن, رجل كالسماء في كبره, كالأرض في كبره, رأسه رأس إله, وجناحاه جناحا طائر عملاق .. بعد أن أطال النظر بالحاضرين كثيراً, كأنه يستعرض وجوهَ جميع من أُحضروا إلى القاعة .. كأنه يبحث عن غائب يعرفه, قال: أنا الكاهن الإلهي " ايشب " .. أنتم هنا في " أوروك " .. في القلب من بلاد سومر .. لا تملكون من الحياة إلا بعض يوم .. ثُمَّ تهدج صوته .. بدا حزيناً .. صوت أقرب إلى الدعاء والنحيب منه إلى المخاطبة:
" يا أرض سومر, ايتها الأرض العظيمة بين كل أراضي الكون .. الأرض التي لا نهاية لها .. أنتِ التي يغمرك ضوءً لا يخبو .. يا من تسنين القوانين الإلهية .. يا واهبة القوة لشعوب الأرض كلِّها .. من الشرق إلى الغرب يا ................. "( )
توقف الكاهن عن الحديث .. مسح العرق المتدفق النازل فوق لحيته بقطعة قماش أوصلها أحد الواقفين .. استنشق جرعة من هواء القاعة .. عاد إلى وقفته : " اسمعوا أُيّها الأقزام .. مادمتم تقاتلون الملائكة في السماء فأنتم ميتون منذ قرون .. حلّلتُ لنفسي ضربكم وتدميركم لأجل خطاياكم. تأكلون ولا تشبعون، ويبقى جوعكم في جوفكم. تخزنون ولا تنفقون، وما تنفقون أعطيه للسيف. تزرعون ولا تحصدون .. تدوسون الزيتون، ولكنكم لا تُدهنون بالزيت .. وتعصرون العنب خمراً, ولكنكم لا تشربون .. لقد سمعنا حيرتكم .. تذكروا أن الغريزة ليست دائماً موجهاً جيداً في الحياة .. سمعنا إصراركم على نكران خطيئتكم .. حتى أنكم بعتم أسماءكم .. تجردتم عن حب مدينتكم " أوروك ", رغم أن كل الدنيا هي " أوروك " .. لم تنتزعوا جلودكم .. خفتم من الألم .. إنني أهبكم فرصة الحياة .. سأقص عليكم حلم حاكمنا .. وكل من يفك طلاسمه .. وتتحقق تفاصيل رؤيته؛ سيمنح فرصة الحياة من جديد :
"من شدة تعب حاكمنا وبكائه استلقى بين الأعشاب وحلم حلماً مفزعاُ وحين وصل بيت أخته روى لها هذا الحلم :

" أسدٌ يحوم حولي, أسدٌ ينمو بغزارة حولي,
اهتزت قصبة فريدة نامية أمامي
من قصبة ثنائية المنبت, ,اختفت واحدة أول الأمر, ثم الأخرى.
في أجمة أشجار, تعالى رعب الأشجار من حولي
ماءٌ أٌهرق فوق موقدي المقدس
انفصل قعر مخضتي عنها
هوى كأس شرابي من مشجبه
إختفت عصاي
خطف نسرٌ حملاً في الحظيرة
انقض بازٌ على عصفور حط على السياج القصبي
شقيقتي, عنزاتك تجرجر ذقونها الفيروزية على التراب
خرافك تخط على الأرض بحوافر معوجة
المخضة مهملة هناك: لا حليب يصب
الكأس ملقاة مهشمة: " ديموزي "( ) لا وجود له
حظيرة الغنم تصفر فيها الرياح."
توقف الكاهن هنيهة .. طلب شربة ماء مَلَكِي .. رفع الكأس إلى أعلى نقطة طالتها يده .. تراجع إلى الوراء .. ثم أدار وجهه صوب تمثال كبير خلفه .. نادى بأعلى صوته:
" يا " إنكي "( ) يا من لا حدود لحكمتك .. يا عميق العلم .. يا من تطاع عندما تقرر أمراً .. يا سيد اللفظ الحكيم .. إياك أحمد .. امنح هؤلاء القدرة على تقرير مصائرهم ."
خفق قلب خالد , وأحسس بعينيه تتسعان وهو يتابع الكلمات بذهول .. ثبت وجهه في الحائط المقابل له, وكظم ما تبقى في نفسه من غيض .. شعر بالصدمة تكاد تأكله .. أدار وجهه ذات اليمين وذات الشمال .. وتمتم قائلاً:" الأمور تمضي نحو الهاوية .. هي ذاتها مدينة الألم التي تخلَّت عني ذات يوم ".

تدافعت جموع الحرس .. أمسك كل واحد منهم برجل من هؤلاء الذين جيء بهم من بطون التاريخ .. أعطوهم فرصة بعض يوم .. في ممر عفن الرائحة ثلاث حجرات .. أدخل خالد واحدة منها .. حذروه من الأخرى .. الأخرى خاصة بالجن .. إذ لا يدخلها أي سجين؛ إلا في أوقات متباعدة. فرّقوا البقية على غرف يبدو أنها أعدت سلفاً لهذا الغرض .. اتسعت حدقات العيون .. فاضت الجروحٌ بعسر المصير. بدا خالد المترب منشرح الصدر .. لديه أربعة وعشرون ساعة جديدة .. لديه فرصة في الحياة .. انزوى خالد قليلاً .. جلس إلى جذع نخلة .. تخيلها تمتد إلى السماء .. سمع وطء أقدام قريبة منه .. حاول تجاهل الأمر .. إلا أن أثنين من الحرس دفعاه بشدة حتى كاد أن يتعثر في حافة الجذع داخل غرفته .. زنزاته الجديدة .. ودفعاه من كتفه حتى ارتطم بالحائط الأيسر من الغرفة .. أقعداه على الجذع من دون متكىءٍ .. تصلب للحظات .. راح يتأمل الوجوه .. أحس بتوتر يسري في أوصاله .. وتساءل في كل ثانية ماذا أفعل ؟ لمح في نظراتهم تهديداً ووعيداً بالشر .. " لن تنجو .. تأكد إن أعواد المشانق تنتظر الجميع .." يا لها من كلمات يضعفها خواؤها أمام الحزن الذي يفيض من وجه خالد .." قالها الحراس بعد أن رجعوا إلى الوراء .. انقلب الأمل المتبقي في ذهن خالد إلى حزن ذابل مغمور، شعر بثقل جسده لأول مرة .. تردد بداخله صوت كثير الأصداء .. لم يكن وحيداً في محنته .. في ذهول مطلق تأمل الأشياء من حوله .. ضعيف القلب .. واهن العينين .. هاهي الوجوه تعاند الدموع المنجرفة .. وتعالت الكلمات الغريبة الممتزجة .. أصبح الواقع أمامه شاحباً .. وصارت ميتان كالفردوس المفقود .. لكنها أقرب من الظلام إلى روحه. من أين لخالد أن يجيب وهو ما يزال في صمت الرقاد ؟ وكيف له أن يجتهد .. وهو لا يملك غير أنفاس متحشرجة ؟ طلب ورقة وقلماً .. الأصوات ترتفع:
المجنون يهذي من جديد .. بمشقة استطاع إفهامهم مقاصده .. أحضروا له ناسخاً ومجموعة من الرقيمات الطينية الطرية وقصبة نقش .. البوابة السوداء تغلق بمصراعيها من جديد .. وخلف هذه البوابة اللعينة دارت الدنيا دورتها .. قال خالد متى سأحتفي بانتصار كلامي وأطلق سَوْرات التراب في السماء؟ بما يملك من فراسة قراءة الفناجين وقراءة الكف التي عرف بها بين أصدقائه .. ضغط خالد على رأسه .. يا إلهي .. ماذا سأكتب ؟ وماذا سأقول لهم ؟ هذا الجمع الكبير ماذا سيكتب ؟ ماذا لو أن أفكاري وردت في كتابات غيري ؟ لقد عرفت بقدرتي على استخلاص الرموز والخطوط والكلمات في الفناجين وفك طلاسمها.. في قراءات الكف كانت فراستي لا تخذلني .. كان إلهامي حاضراً في مناسبات كثيرة .. دعني أتذكر تفاصيل ذلك الحلم: الأسد, القصبة, الأشجار, الماء, المخضَّة, كأس الشراب, العصا, النسر, الباز, العنزات , الخراف, حظيرة الغنم. صاح: " يا أحجار ، يا من أخرجتها أزاميل التنقيب من مخادعها في أحشاء النسيان .. ساعديني .. أعيدي أسرار رقيمات الطين أيتها المتاحف .. يلتقط خالد مفتاحاً من لوحة المغاليق السحرية .. تحت ركام هذا الكيان المهجور .. ضاعت خياراته في مجاهل العصور الفانية.
فجأة تظهر الإلهة " كشتن أنا ".. يا " أحقيار " يا خالد .. أنا مفسرة أحلام من طراز رفيع .. أنا أخت " ديموزي " الإله .. أنا من سَكَنَتْ بيوت قريتك .. أنا من جئت تنبش جدران بيتها المهجور المجاور لبيتك .. وتحفر أرضياته بحثاً عنها .. أنا من أخبرتك عنها جدتك في طفولتك .. وهناك التقينا، ولكنك تجاهلتني، حين انزويت بمشاعرك في ظلمة دور الطين الصمّاء، وجعلت جوارحك لا تنفعل مع سواها. رغم أني كنت أتبعك كظلك أينما حللت … كنت معك كلما عبرت شارعاً إلى آخر، أو دخلت بيتا أو عرجت إلى مسجد .. فلم تسمع نبض قلبي وهو يهتف لك. أنا هنا، أنا من جئت باحثة عنك .. بين هذه الكتل الصمّاء… بين هذه الكتل الخرساء .. هذه الكتل لا نبض فيها ولا حياة( ) .. قريتكم ميتان .. نقطة خصب سومري عشقت النهر و" ديموزي " .. أنا هنا لمساعدتك .. أنت الذي حرس النهر والمدينة .. أنت من حرسنا من أهل عيلام .. حين أرادوا استباحة الأرض والعرض ". أكتب أيها الأسمر الأصيل :
" إن حلمك غير حميد ذلك الذي أخبرتني به
إن تفسير الأسد الذي يرتفع حولك يعني
إن مجرمين يقومون ويهاجموك
وأن القصبة التي تقوم وحدها تحني رأسها لك
هي أمك التي ولدت وسوف تخفض رأسها من أجلك
أما القصب القائم مزدوجاً وتنزع منه واحدة يعني
أُختك أيها الحاكم .. و" ديموزي " ´نفسه الذي تمثله, واحد منكم تنزع منه الحياة .. أخت مليككم أو حاكمكم نفسه
تنتزع منه الحياة
أما الأشجار العالية فتعني الظلام الذي ستغرق فيه مدينتكم
أما موقدك فسينطفئ
ستسقط كأسك من المشجب وتضيع عصاك
وتموت طيورك وعنزاتك وشياهك
حظائرك سيعم بها الخراب
وستمزق مخضة لبنك و يندلق لبنها
ويُحَطَمُ كأسك."
سرعان ما نفخت " كشتن أنا " على الطين .. تحولت قطعة الطين الطري إلى رقيم .. إلى لوح كتابة .. صفحة من تاريخ سومر .. احتضن خالد الرقيم .. التفت إليها .. غابت من أمام ناظريه كحلم جميل .. يا " كشتن أنا " يا واهبة الغيم والندى .. يا من أذهلتني بإلهامها كيف أحل طلاسم محنتي ؟.. متى أعود إلى وطني؟ اختفت " كشتن أنا " كنيزك تلاشى في المسير .. أجنحتها ملونة بألوان قزحية .. ومن بعيد سمع خالد هسهسة وصوتاً كفحيح الأفاعي( ):
" هو ذا ما قررته الآلهة الكبرى بشأننا. لقد فرضت علينا الموت كما فرضت علينا الحياة, ولم تحجب عنا سوى لحظة الموت."

كان خالد يتصبب عرقاً حين اقتحموا الباب عليه .. حاول أن يقول شيئا لكنه صمت .. امتلكته رغبة في الكلام .. انتظر هذا اللحظة بدم الشوق والصمت الجريح .. انبعث من أمامه صوت هائج لطمه على وجهه ماذا تنتظر؟ ودع خالد غرفته .. سجنه الغريب المؤقت .. سحب خطاه المتثاقلة في الممر .. يرافقه صدى وقع خطى رجال غرباء الوجه واللسان .. اختلطت في ذهنه صورة مِِيْتان .. أهله, شط العرب .. وهو يتمعن المكان بعين حائرة .. غمر نفسه إحساس حزين .. كيف سيلحق بالزمن الهارب؟

بدأ كاهن جديد بقراءة الأسماء .. لوماخ .. يومول .. أونزي .. جنزير .. وووووو.. و زو .. خرساج. مرت لحظات .. عاود الصوت بعدها يطرق أسماع خالد .. وكان الصوت هذه المرة أكثر وضوحاً .. إذ جاء اسم " أحقيار ".

تداولت الألسن الحكاية كلها .. وبدل الواحد صاروا مائة .. القاعة صارت تأن من الأفكار التي امتزجت بالبخور والأمنيات .. نظر خالد إلى من حوله في ذهول .. فتح فمه شارداً وحاول أن يقول شيئاً .. لكنه صَمَتَ محاولاً أن يستجمع قواه .. امتلكته رغبة في البكاء .. تأمل جراحه .. صاح به الكاهن: يا " احقيار " .. قفز خالد إلى الرياح .. امتطى الغيوم .. استحضر إيقاع الطبول .. روحاً هائلة .. كانت مخبأة في مكان ما من زوايا المعبد .. ومن أعلى نقطة صاح بحسرة وألم : ليغفر لي الجميع .. " لقد جئتكم بأحلامي لأجعلكم كيف تفكرون( ) " .. الأقدار جميعها تصنعها المفارقات، وأنا هنا مفارقة .. خالد يتلافى حشرجة الغضب .. لقد جئتكم من بلاد تنزف دماً .. أنتم تنادوني " أحقيار " وأنا خالد المترب .. فاسمعوني:
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿ لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلاَلاً فَهِيَ إِلَى الأَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ * وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ * وَسَوَاء عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ [ يس:7-10]. صدق الله العظيم
ما كاد ينهي كلمات الله البيِّنات من سورة يس؛ حتى ساد الصمت أرجاء القاعة .. لم يسمعوا كلاماً يتدفق صدقاً ووضوحاً كتلك الكلمات التي راح يرددها خالد .. من أين له كل هذه البلاغة ؟ راحوا يتساءلون؟ تخلص أحدهم من صمته .. من ارتباك اللحظة الصعبة .. حاول فك عقدة لسانه .. نادى بصوت أقرب إلى الحشرجة منه إلى الكلام : من أين لك هذا الإعجاز؟
دعوني أُكمل حديثي : " سيهاجمكم رجال أقوياء .. لا تنفع معهم كل رجاءات ودعوات أُمهاتكم .. سينتزع عزيز منكم .. ويلفكم ظلام مخيف .. ستنكسر كؤوسكم .. سيجدب عشبكم .. ستضرع ماشيتكم .. ستضيع عصي حكمتكم .. ستتخلى عنكم إلهتكم .."
سكت خالد .. لمح في فضاءات القاعة " كشتن أنا " تحلق .. تجوب المساحات القريبة منه .. تريد أن تقول له شيئاً .. ويأتيه صوت رقيق .. إخبرهم يا خالد :
" ستمتلىء بلادكم بالسم الزعاف. تختفي كل خضرة من سطح أرضكم, وسوف يأتيكم الطوفان. ليس طوفان الماء حسب، بل طوفان الدم والظلم والغي والقتل والجوع والعطش, تمطر بلادكم ناراً من كل الأنحاء من البر والبحر والجو وحتي من السماوات البعيدة. تهجم النار عليكم مثل عاصفة هوجاء, وتدوّي البلاد كلها بعد أن تعصف الريح الشريرة, وتجري أنهار من دماء, وتشتعل النيران علي شواطئها ويقتادون جيشكم طوعاً إلى الموت والأسر. أما غضب الناس فسوف يتبدد. تتوجه أنظار العالم كله اليكم؛ لكن لا أحدَ ينصركم علي إمتداد نهر الكار والنيل( ) .. إلى البحر الأسفل. وعندها ينحني ظهر جميع حكام سومر, ستظلون بلا ملاّح, ولزمن طويل تبقي فيه أبواب مدينتكم تحت التراب وستطلقون صرخات الحزن من داخل الأسوار. "( ) .. توشكُ أن تتداعى عليكمُ الأممُ كما تتداعى الأكلةُ على قصعتِها, كثرةٌ ولكنّكم كغثاءِ السّيل, سيقذف في قلوبِكم الضعفَ والوهن: حبَّ الدنيا وكراهيةَ الموتْ.

أكمل يا خالد .. أكمل يا " أحقيار " .. جاءه صوت " كشتن أنا ":
" في نهاية المطاف ستعودون كتلة من جديد .. أكثر حكمة وأكثر قوة .. أُبشركم بنصر قريب .. الآلهة سوف لن تتخلى عنكم ".
ساد صمت قاتل .. رفع خالد يده تحمل الرقيم .. تحول الرقيم إلى أشلاء مبعثرة .. تساقطت في كل مكان .. وحين أوصل رسالة " كشتن أنا "؛ وقف كل من في القاعة .. بعد صمت, يشبه صمت القبور .. ضجت بعدها القاعة بالصلوات, والأهازيج والزغاريد .. رفيف أجنحة طيور على نهر الكار .. حركات مرتبكة .. تبدو وكأنها لكائنات من كوكب آخر .. ذكَّرت خالد بفرضية أن يكون الناس هنا قد جاءوا من كواكب أخرى .. تعالى الدعاء .. أن تستجيب الآلهة رؤية وتفسير " أحقيار ".
صاح كاهن كان يقف قرب الكاهن الإلهي: " من أين لك كل هذه الأحاديث ؟ تصورك الذي فكَّ طلاسم محنتنا ؟ حِلْمَ حاكمنا الكئيب المنزوي في قصره .. قريباً من زقورة العبادة في " أوروك ". دهش من كان في القاعة .. نهض رسول حاكمهم وأغرب صوب الطرف القصي من " أوروك " .. مُوَلْوِلاً حتى وصل قصر سيده .. لم يجده .. إنه في المعبد مع كبار مجلسه .. راح يتحدث له عن أدق التفاصيل .. عن هرطقة لا جدوى منها .. حتى تكلم " أحقيار " .. نُذُرُ نبوءتِه سبقته إلى " أوروك ".. الملك " انسيبازي– أنا " يتبصر الأمر أكثر في هذا اللحظات .. أن الفأل سيتغير هذه المرة .. صاح الملك: " يا كبار مجلسنا الموقر .. أيها الحكماء .. تريد الإلهة " أنانا " أن تتخلى عنا .. أنتم شهود على ما سوف يصيبنا من شرور .. غلة قليلة ومطر شحيح .. ستجوع الناس .. ويخيم على مدينتنا الحَزَن .. نقول للمجرمين الذين سيهاجمون المدينة .. قبلنا التحدي .. وسنرسل لكم البطل " أحقيار " الذي جاءنا من بطون التاريخ .. جيء بخالد من أقصى المدينة .. لقد صدقت في كل حرف قلته .. وكان تهشم الرقيم نذيراً .. علامة صدق لرؤيتك .. لقد اختارتك الآلهة أن تكون حارس " أوروك " .. ستحيا بيننا .. لا نبشرك بالخلود؛ فنحن شعب لا يؤمن بالخرافة .. تذكر إن المدينة التي لا تحرسها الكلاب تحرسها الثعالب .. جسدك ليس خالداً إلا بالعمل والذكر الطيب .. تذكر إن آلهتنا ليست كائنات .. بل قوى خلف ستار المرئي( ).
تاه خالد بين وقع صدمة الحياة ومهمة الموت الجديد .. تبسم لأول مرة .. وراح يداعب النفس : " لقد عشت كل أيامك في ميتان محارباً .. من المحمرة .. إلى " سربيل زهاب "( ).. معارك تحرير الفاو .. منازلات أم المعارك .. وحتى منازلة البريطانيين بين أحراش ونخيل " أبو الخصيب " قبيل احتلال البصرة .. راح يردد مع نفسه: " يا أهلاً بالمعارك ".
حمل خالد الصولجان الملكي العظيم .. أدْخَلَ الرعبَ في قلوب أعداء " أوروك " .. علت الأهازيج والزغاريد والضجة خارج القصر .. " الإله " إشكر ", إله المطر والزوابع يرمي الغلال في الساحات .. ينقذ المدينة من الجوع .. تذكر خالد همس صديقه برهان الحربي في الرسالة التي دخلت ذاكرته في معتقل " بوكا " ..[ من يسقط في القتال يا صديقي فإنه مبارك ] .. خالد يصبح بطلاً قومياً .. قبل أن يعودوا به من قاعة العرش .. التفت خالد إلى الملك " انسيبازي– أنا " :" لي طلب أيها العظيم .. " ذهل كل من كان في المعبد .. ليس مسموحاً لبشرٍ أن يطلب شيئاً ممن هو في مصافي الآلهة .. لم يكن خالد قد عرف بعد قواعد لعبتهم .. " أطلب منك أيها الملك العظيم أن تطلق سراح كل من لم يوفق في حل طلاسم حلمك .. كل الذين جيء بهم من ساحات الخراب من البصرة ". علت الزغاريد مرة أخرى .. فراشات تطير .. تملأ المعبد .. تزينه بألوان عديدة .. ستحضر أيها البطل .. ستحضر طقس الأضاحي البشرية الجماعية .. الطقس الملوكي الأخير في سومر .. شاءت رغبة الآلهة أن يكون عيد الأضاحي البشرية آخر ترنيمة من نوعها في كل بلاد سومر .. وإنه لشرف لك يا " احقيار " أن تختارك الآلهة لتتقدم الصفوف .. سيترك لك حرية من ستختار معك .. من يصطحب الملك في رحلتة الأبدية .. رحلة الأضاحي الأخيرة .. ولا بأس أن يكون معك من تختار من الرجال الذين صاحبوك إلى المعبد .. في رحلة خلود الأضاحي البشرية الأخيرة .. سنعلمك الكتابة .. سنطلعك على بعض أسرارنا ".. مرَّت أمامه حاملات القرابين .. وسط التعاويذ وغمامات البخور وضوء الشموع. راح يرقب حركة الأفلاك والنجوم .. هناك في أعالي المعبد .. بيت المراقبة " بت تمرتي " .. اختلط خالد بالفلكيين والمنجِّمين .. ناقش فكرة الأبراج السماوية .. حذَّرهم من ربط المصائر بالنجوم .. هناك تعلَّم أن برج " الثور " هو " گو " .. وبرج السرطان " ناگار " .. وبرج العقرب " گر ".. القوس هو بابل .. وبرج الجدي " ماش " .. هناك عرف أن أهل " أوروك " يعرفون كبس الأشهر القمرية .. يتلافوا النقص الواضح في قياسات زمنهم .. قياساً لما يعرفه خالد من حسابات السنة الشمسية .. كانوا يضعون أسماء أشهر مضافة بعد سنوات محسوبة .. انزوى خالد في ركن من أركان المكان .. يُحَدِّث ذاكرته .. ماذا لو أخبرتهم عن التليسكوب الفضائي " هابل " .. عن النزول على سطح القمر .. أنا بدون هذه الأمور .. متطفل جاءهم من بطون التاريخ .. الصمت وحده رفيق دربي .. الصمت وحده يشفق على محنتي .. ضاع خالد في متاهات اللحظة الأصعب.
راح خالد يتعلم الكتابة .. في عصر كان تعلم الكتابة فيه حكراً على نُسّاخ ألواح الطين في المعابد .. قضى وقتاً طويلاً .. بذل جهداً كبيراً لإتقانها، جلس على حصير مفروش في زاوية رئيسة أسفل المعبد .. الدروس تصبح همسات روحية .. أخذ يرسم صور الأشياء المادية المألوفة على ألواح الطين الطرية .. استخدم قصبة.. خشبة مستدقة النهاية .. مَرّة استخدم عظماً مدببأً .. هناك تعلم أن " شو " تعني يداً .. " نيندا " تعني الخبز .. زادت حكمته .. التصق به الجميع .. بما يملك من حكمة التاريخ, راح يسرد عليهم غيبهم .. الذي رددت صداه جدران المتاحف .. رقيمات الطين التي احتلت مساحات واسعة من اهتمام الناس .. أدرك خالد أصالة الناس في سومر .. جذورهم الملتصقة بتراب أرضهم .. راح يحدثهم عن أحداثٍ .. ألواح طين وثقتها ذاكرة التاريخ .. كل الحكايات ستنتهي .. كل شيء قابل للزوال .. يعيش " گلگامش " يحيى في " أوروك "حتى يحلّ أجله .. يموت مثل " أنكيدو " مثل الفراشات .. مثل الخنازير البريّة والفصول .. أُنْبِئُكُم بحلول كارثة .. عاصفة يثيرها " انليل " الغاضب .. عاصفة تدمر البلاد .. تغطي " أوروك " كمنديل .. تلفها ككفن .. تتحول المدينة إلى أطلال .. إرث من الافتراق يتراكم .. يوم لن يبقَ من الآلهة أو البشر مَنْ يرغب في اختراق المسافة الفاصلة بين العالمين .. تكبر الآلام .. ترسم غابة من الرموز الجرداء المهجورة .. الحزن يغطي كلَّ شئ .. لن أدخّر الكلمات التي ستقال .. إنها مُقَدَّرة .. عليكم أن تتذكروا .. ستستأثر الآلهة لنفسها بالخلود .. تترك الآلام والنهايات للبشر .. أنصاف آلهة يعيشون بنزوعات سماوية في أجسام فانية .. الألم صاخب .. الأحزان طويلة. سحرت أحاديث خالد الناس .. أصبح ملاذهم .. مثلهم الأعلى .. بطلهم الجديد .. الكهنة يتحسبون لسطوع نجم " أحقيار " ..
هكذا يضيف خالد إلى همومه همّاً ًآخر .. بعض الشجر يطرح أوراقه كل عام .. خالد يطرح همومه كل حين .. هواجسه تقربه من خوف يسيطر عليه .. فكرة الموت تضيق عليه الخناق .. يهرب من جرح إلى جرح جديد .. أشد ألماً ووحشة. راح يقلب صفحات الأيام المسرعة .. حكاية تعيد حكاية .. زمن غريب على عمره .. الخوف يأكل أضلاعه التي مزقَّتها الظنون .. الخوف استشرى على كل هواجسه .. الخوف من المجهول يحفر أخاديد من عذابات نالت حتى عظمه .. أين هي عبوات العقارات المسكنة ؟ كانت تتكئ على صدره في ميتان ذات يوم .. بعد أن نال الاحتلال والكرب ذاكرته التي عشقت العراق .. وتحدى صبره .. آه يا وطني .. ليتك وهبتني فرصة الموت .. شهيداً على أرضك الطاهرة.

نهض خالد من نومه مذعوراُ .. سمع من جديد أصوات صخبٍ وضجيج .. الناس تتحدث عن خطاب مصيري للملك " زيوسدرا " .. الذي توجه إلى المعبد .. وبعد أن قدَّم الطقوس إلى الآلهة, أدركه التعب .. فنام في المعبد .. هناك رأى حلماً لم ير له مثيلاً من قبل .. لقد رأى الإله " إنكي " يقف قرب جدار .. وهناك سمع الإله " إنكي " يناديه ".. طلب من الناس ومن حكماء القوم أن يتجمهروا داخل المعبد .. خالد يتخطى البوابة العظمى .. لم يسمح لغيره بمغادرة دهاليز العزل الجماعي .. ها هو يتوسط المعبد .. حاصرته محنته .. بعد أن رفع كفيه إلى السماء .. صاح بأعلى صوته :" أيها الملك العظيم, سيناديك الإله " إنكي ".. سيقول لك:
" قف قرب الجدار على شمالي واسمع .. سأقول كلاماً فاتَّبِعْه, إعطني أذناً صاغية, واسمع وصايايَ .. لقد قررت الآلهة إرسال طوفان عظيم يملأ الأرض يقضي على البشر .. أصغ إلي يا " زيوسدرا ".. اصنع سفينة ضخمة واحمل بذرة من كل حياة حتى لا تفنى الحياة من على الأرض .. ويأتي الطوفان .. اقفل سفينتك عليك وامخر عبابه "( ).
خالد يعيد نسج أحداث سومر في ذاكرته .. يعيد نفخ أفواه المنقبين على الألواح .. يتطاير غبارثقيل راقد منذ آلاف السنين . يتناثر بعيداً فوق أخاديد الكتابة .. تظهر النقوش المحفورة .. تستحضر تفاصيل الحكاية .. تحدث إلى الناس عن " گلگامش " .. هكذا رأيته .. ملك آثر الهيام في البراري بعد أن طردته الأحزان من منازل اللامبالاة. . الفتى، الملك، " گلگامش " يجرُّ وراءه قافلة من الأحزان والأسئلة . يسرع الخطى باتجاه القدر .. أثار نواح, ورثاء من أطراف الهور, ينعى موت خِلّه وصاحبه .. غيوم سوداء تحيطه .. يبدو وكأنه آخر الأناشيد .. يسرع الخطى كئيباً مشعثاً .. لم يترك وراءه دليلاً للرجوع .. يتقدم من معابر الآلهة .. يبحث عن سر الحياة .. يذوب " گلگامش " عند الباب .. يتبدد في الفضاء .. في مكان أعد له كحكاية تنتهي .. في العالم الحي القابل للزوال .. ذلك الذي يترامى خلفه .. يعيش حتى يحلّ أجله .. فيموت مثل " أنكيدو " .. مثل الفراشات ومثل الخنازير البريّة والفصول. " گلگامش " حياة وموت معاً.
وقف " زيوسدرا " مذعوراً .. كيف لخالد هذه الحكمة .. خالد يقص على الملك الحلم الذي رآه .. أيقن أن حلمه نذير شديد , وأن عليه أن ينفذ مشيئة الإله " إنكي " .. نادى على " أحقيار ": " قم أيها البطل واجمع الناس حولك .. إبدأ ببناء السفينة .. قوض بيتك وابن سفينتك .. اهجر ممتلكاتك وانج بنفسك .. اترك متاعك وأنقذ حياتك واحمل فيها بذرة كل ذي حياة ".
شمَّر خالد عن ساعديه .. فرصة الرحيل إلى أرضه تبدو قريبة .. جمع رجاله .. جمع الوجوه التي جاءت من بطون التاريخ والغيب .. اكتمل بناء السفينة .. لا يعرف خالد كيف بناها ؟ السر لا يعرفه أحد .. سفينة ضخمة لم ير مثلها حتى في المنام .. قدَّمها إلى الملك " زيوسدرا " .. تطلَّع كل من كان في المكان إلى خالد .. إلى السفينة الحلم .. صاح الملك " زيوسدرا " :
" سأجعل منك يا " أحقيار " نجمة في هذه السماء .. لن يتمكن النسيان من اسمك .. سوف يستمر ذكرك في الأغاني .. الأغاني الجميلة التي ستردد في قصور الملوك .. سيردد الشعراء اسمك بألحان بليغة .. يدندنه الرعاة وهم يخضّون قربة الحليب. انهض يا احقيار .. انفض غبار الزمن عن ردائك .. اعتلي السفينة .. الشمس تلوح من وراء الأفق .. الأخطار محدقة .. تهيأ لطوفان لا يرحم .. "


ذات يوم هبت عاصفة كبيرة .. دُفعة واحدة .. معها اندفعت سيول الطوفان فوق وجه الأرض .. لسبعة أيام وسبع ليالٍ .. غمرت سيول الأمطار وجه الأرض .. دفعت العواصف المركب العملاق بمن فيه, فوق المياه العظيمة, كانت الأرض تضج بالماء .. كانت السفينة مثل قشة في محيط المياه .. ظلت الريح تزمجر في المدارات .. تهشـّم سيقان الزرع .. تعصر النهار .. لاشيء سوى أعمدة الدخان .. لا شمس, ولا قمر .. لا رائحة للرجاء .. لا رائحة للحياة . خالد يمسك دفة السفينة .. قوياً على غير عادته .. فكَّر في كل شيء سوى الموت ، لأن الموت كان يلبسه .. السفينة تحمل سرَّ الحياة .. كان الصراع بين الحياة والموت رهيباً .. ذاكرة الماء ترسم وهجاً حافلاً .. خالد يصارع الحياة من جديد .. تذكر " آدابا " الذي تحدث عنه التاريخ .. إذ ابتدأ رحلته الأسطورية بقارب قاعه مطليٌّ من ذات القار الذي شُيِّدَ منه بناء زقورة أور .. كان خالد خائفاً على مزلاجه .. " آدابا " كسر مزلاجه من قبل .. احتجبت الشمس لسبعة أيام .. عكف الإله " اوتو " إله الشمس وابن الآلهة " نانا ننكال ", خلف الغيوم السوداء .. يرقب دفق المياه وغضبها .. مياه مظلمة أفنت الحياة من الأرض, وأغرقت فيها كل شيء.


في اليوم الثامن ظهر الإله " اوتو " ناشراً ضوءه في السماء وعلى الأرض .. هدأت العواصف وتوقف المطر .. فتح الملك " زيوسدرا " كوة في المركب الكبير؛ تاركاً ضياء الإله " اوتو " تدخل منه .. سجد الملك " زيوسدرا " أمام الإله " اوتو " .. نحر ثوراً وقدَّم ذبيحة من الغنم .. جيء بخالد .. " أحقيار " إلى جانب الملك " زيوسدرا " .. أومأ الملك بيده إلى الأرض التي جاورت رسوا سفينتهم .. هناك عند هذه الأرض المقدسة ستسكن يا أحقيار .. عند ارض دلمون( ) .. المكان الطاهر .. حيث تشرق الشمس .. ويدفن الناس على السفوح الشرقية لجبالها السعيدة .. أرض العبور والأرض التي تشرق منها الشمس.. أرض الحياة التي لا ينعق فيها غراب .. ولا يتكهن فيها طير الشؤم بالفواجع .. " دلمون " فردوس سومر الخالد .. ومضة النور الأبدي .. يسبقها أريج أرض .. دعابةُ نسيم بحٍر، يهب على سفوح الجبال الشرقية ". باشروا بناء معبد لآلهتهم .. هنا تذكر خالد " گلگامش " في بحثه عن زهرة الحياة والخلود التام .. جاء إلى هنا .. إلى دلمون .. هذا هو " گلگامش " يغطس في البحر .. يغطس في ينبوع ماء طبيعي .. يعثر على الزهرة .. يربط الأثقال حول رجله .. تماماً كما يفعل الأهل في الخليج .. غواصو اللؤلؤ هناك "..
إستأذن خالد من الملك " زيوسدرا " .. قال له : " يحق لنا أن ننام .. يحق لي أن أحلم "؛ إلاّ أن فتاة ذات طبيعة سمحة .. زوجة " أوتو- نشتم " قالت لزوجها: " أيقظ الرجل يا هذا .. دعْه يعود سالماً من حيث أتى ليعُدْ إلى وطنه من الباب الذي دخل منه .. من الباب ذي المزاليج السبعة ". أما خالد فقد غمرت الظلمة أرجاء جسده .. دقات قلبه تتسارع, وتخفق كبركان .. أخذ يتابع أحلامه بعينين ناعستين .. وأودعهما الذهول الذي رافقه كل هذه المدة.





السفينة كما تخيلتها ذاكرة التاريخ


- 5 -

وجد خالد نفسه أمام بائعة خضار قريبة .. تتوسد عشب الحديقة الأخضر, حديقة وارفة في قلب " أوروك " .. وجد نفسه قريباً من ساحة " تيلازيدا " .. سار بخطى ثابتة عبر الطريق الحجري المؤدي إلى بوابة المدينة التي دخل منها أول مرة .. هذا الطريق المزحوم بالخيبة .. كان يبحث – دون جدوى - عن وجوه عرفها وألفتها ذاكرته .. يشعر بالضياع وهو يجوب دروب الضياع .. وسط مدينة هجرت ظلّها .. وقف ينظر .. البراري أمامه تسحب بريقها عن جسده، هو الآن أمام الباب، الفاصل بين البرية والمدينة .. بين الحياة والعبودية ..

هناك رأى خالد امتداداً لا نهاية له .. دار ببصره في كل الجهات، هاله ما شاهده من فراغ منكشف .. صحراء مهمومة تحيط به .. يحفر الموت فيها أخدود حزن يمتد مع المدى. شعر خالد بالأرض تسير تحت قدميه .. كأن الطريق حمله بعيداً عن بوابة المدينة .. ومثلما تتبدد الأمنيات، تلاشى الطريق الذي كان سائراً عليه .. ذهبت صباحات الدروب التي أحتشدت بالقادمين .. ضاعت منه الأناشيد العالية في معبد " أوروك " .. رأى نفسه وسط صحراء قاحلة .. تحيط به كثبان رملية .. أفزعته المفاجأة .. وقف تائهـًا في الفراغ المحيط به، يفكر في فضاء بدأ يضيق حوله .. تضخمت أذناه لتشفط أصوات وحشته .. ها هو يتخطى أرض أهوار موحشة .. تطفو عليها مستوطنات متفرقة بائسة .. تمتلأ بالأحراش .. ها هي مدن ترتفع للنجوم .. أسوار تطبق الخناق عليها .. معبد يتوسط كبد السماء .. يتداخل بأفق أزرق ممتد بلا انقطاع .. أبراج مدرجة ضخمة .. ها هو يتخطى زقورة أور .. طريق سلكه ذات يوم .. معسكر الأساتذة والطلبة في الناصرية .. قبل عشرين عام .. ها هو يسمع من بعيد نواح مظفر .. أنين ياس خضر: " مرّينه بيكم حمد, واحنا ابغطار( ) الليل ..
واسمعنا دگ اگهوه ... وشمَّينا ريحة هيل ..
يا ريل صيح بقحر .. "
ها هو يذوب بلحظة الضياع المتلاشي في الأفق البعيد .. كانت الصحراء هادئة وكئيبة، وكانت رمالها تتلوى بأشعة الشمس الغاربة. هنا ترك التاريخ مدناً وقرى تغور في ظلمة الرمال .. أسراراً غاصت في أعماق الأرض وما زالت عالقة في مهب الريح .. بقايا عظام وبقايا ملوك .. أختاماً وسيوفاً وأمنيات .. تورمت حزناً بين ذرات الرمل في الدروب المتجهة إلى البصرة .. في المسارات المعبأة بوحشة المحنة .. ابتعد عن عينيه ظلُّ طيرٍ مهاجر .. خطف حيرته بنظرة وجلة .. أضْفَتْ على صمت القفار نعي وتر في الدرب الموحش الذي يقود إلى المستحيل .. طيور القطا تمسح الوحشة عن السماء .. وقف عند حدود مدينة متناثرة .. على تعرجات شاخصة في أُخدود الحزن .. تلامسها رمال عارية .. فاجأه الهدوء الذي استرخى على ذاكرته .. أخذ يناجي سراب الظهيرة .. السراب لا يجري .. تلصف أشعته الحزن الذي يروي حكايته .. محطات صمت مثقلة بالحيرة .. تدغدغها الريح الصامتة .. ويعزف على إيقاعها شجن أيام ثقيلة .. رفع نظراته .. رأى الصحراء تأكل المسافات .. ورغم الخوف المختفي في أضلعه .. كان يلمح وجهاً يكاد يكون قريب من ذاكرته .. تهدلت جوارحه .. لامست حداب الدرب .. انحنت قامته قرب ظل أحراش لامست الأرض .. تضاءل صمته .. استحم في نثيث عرقه .. قطرات مالحة نثرتها الريح على وجهه المتعب .. مد أصابعه الراخية .. لامست أطراف جفنه المنتشي طيناً .. الممتزج بعذابات محنته .. تناسى قيـض الظهيرة .. ومضى في طريق الضياع .. عله يرى في الأفق .. في نهاياته التي تلامس وحشته .. امتداداً نحو البصرة من جديد.

رأس خالد ملقى على الرمل .. حاول أن ينام .. تذكر شيئاً .. في " أوروك " لا تحمل المرأة السومرية ولدها إلا على الجهة التي يقع فيها القلب .. حركة بطيئة لجسد متعب .. ذاكرة مضطربة .. لامس وجه الأرض .. لاصق قلبه العمق من ثنايا محنته .. تتسمر خفاه بين ذرات رمل متراصة .. يداه في حضنه .. عيناه تـُلاحقُ بعوضة ًتطنّ بين الأعشاب .. تطيرُ فوق أُذنه .. منتشية بِحُرِّيَتِها .. مُطلقة طنينها المباغت .. طالتها يداه .. غارت شجاعته بين حبيبات الرمل خجلاً منها .. حين رأى الشمس على وشك أن تبتلعها الأرض من أمامه .. أخذته ُأفكاره إلى المجهول .. في لحظة من الزمان .. صفعه الخوف بهواجس في رأسه.

فجاج دامسة توقظ في ذاكرته الصدئة ألماً .. الليل يضفي حزناً يمس منه شغاف القلب, عتمة حالكة وصمت يطبق على أنفاسه المتحشرجة .. كآبة اللحظة تتصالب من حوله كالمرمر الأسود .. لوعة تنسابُ من صمته .. شبح موت .. الموت من طول انتظاره مات .. ينادي .. عن بقايا بشر.. كانوا هنا .. مروا من هنا .. يمسك روحه بيد .. وبصرته بالأخرى .. حيرة تُخِضِّبُ دربَ الشوق .. يبحثُ فيها عن ذاته .. عن أحلامه التي ضاعت مع رمال الدرب الطويل .. ترحل العصافير المهاجرة .. لا أحد يلقاه, خالد يصرخ في وحشة الليل: " يا صديقي .. لا أحد ...لا أحد .. سيبلعني الظلام لولا بقايا من أمل .. بقايا من شجاعة زرعتها الريح في جزيئات ذاكرة صدِئة ...... فضاء مرعب .. النجوم مائدة العرّافين .. ابتلعت أمنيات الباحث عن الذات .. والتيه وسط مكان ضاعت فيه شواخص المحنة والطريق .. يد خفية تحرك الأشياء عن بعد .. الهدوء يلف الهدوء .. الليل يرقص على أكتاف محنته .. يا مياه الشط التي سِرْتُ معها على متن حلم واحد .. وذكريات كثيرة .. أمل واحد .. يا قريتي التي كانت تود أن أقص عليها كل حكاياتي وكل ذكرياتي, ولكنها ارتضت أن تقف في أول الطريق, وتغلق نوافذها وأبوابها عني .. ها أنا في الطريق إليك .. سأتلو عليك أخر حكاياتي ... ".
أيقن خالد إنه قد تاه .. هلك في الأفق الملوث بدعاء الغروب .. أشباح الكثبان التي تطوقه .. تزرع الخوف المتواري بين انحناءات الرمال .. تزرع الوحشة التي هاجمت مخيلته دون استئذان .. أحس بالخواء والتشتت .. وبقايا ريح .. لا شيء سوى أصوات هزير الرياح .. الرياح تحجم أن تلامس شعرك المصبوغ بحزن التاريخ .. عبر تجاعيد وجهك الذي شوهته عذابات الطريق .. لا شيء سوى نباح كلاب بعيدة .. لعل الشمس تشفق عليه, ولو مرة واحدة .. لعلها تشرق الآن من أجله من الغرب .. في هذه اللحظة التي بدأ يلُفُّه فيها الظلام .. تجرد من صبره كله .. تلحف بهمومه .. وتوسد الثرى على سفح كثبان رمل ساخنة .. راح يغط بنوم ثقيل .. لا أحد يسمع أنفاسه التي رافقته كظله كل هذه السنين .. بدأت حبات الرمل تستوزر جسده المتعب .. لفَّتْهُ ككفن بالٍ ممزق .. أحس بلسع مؤلم في أقصى قدمه اليمنى .. نهض مفزوعاً .. تلفت حول نفسه .. لا شيء سوى الهموم .. لا ماء .. لا كسرة خبز .. يمسك بهما رمقه .. الجوع مزَّق أحشاءه .. العطش أثقل كاهله .. سيجيء واحد منهم حتماً .. سيدفعهم الطريق إليَّ .. ليس بإمكان قاطني الدرب الطويل، جيرة المعابد والأبراج تفادي القدوم إلى وحشتي. رفع كفيه إلى السماء منادياً :" يا ألهي أفتح علي أبواب رحمتك " .. لا شيء سوى صمت الخراب وحزن النجوم .. لم تكن السماء بعيدة عن خالد ؛ ثمة ضوء كالبصيص .. شكراً يا إلهي .. نار تلتمع .. تمزق عتمة الليل. من بعيد ميَّز شايها وقهوتها يُسربان رائحة الهيل؛ أو هكذا خُيِّلَ له .. فقرر أن يمضي إليها. أيتها الأرض لا تخذليني .. الليل والوحشة تطاردني. عبر صحوة خاطفة .. تَلَفَتَ مرعوباً على صوت صهيل في الجوار .. راحتا يديه، تفترشان الرمل اللاهب .. الليل يطوق رأسه .. من كفل حصان فضي، ينفض عرفه الكث، فتتساقط ذرات الرمل فوق وجهه الحزين، وعينيه الجاحظتين من هول ما أحاط به .. سمع خالد صوتَ صهيلٍ غامض، يا إلهي، بحق السماء، ماذا هناك ؟ وعبر عينيه الغائمتين بغبرة المساء، حاول أن يتجل ما حوله .. فارس يمتطي جواداً بلون الشمس .. يعتمر كوفية تشع ألقـاً .. خالد تهزه المفاجأة .. كلمات الفارس سبقت بكاءه: " يا الله حيوا .. يا الله حيوا .. يا الله حيوا " .. كانت لحظة صعبة .. هوى خالد على الأرض .. قبَّلَها .." حمد الله كثيراً ".. التفت إلى فارس اللحظة الصعبة, وقال: " حي رباك ". نزل الفارس عن جواده .. يا مرحبا .. خالد يحاول نفض الغبار والأتربة التي علقت بوجهه .. عبر عتمة عينيه شاهد كفاً مباركة تمسح عنه غبرة الطريق .. قربة ماء مستحيلة .. شرب منها .. رش رذاذ مائها على وجهه .. تسللت الطمأنينة إلى نفسه .. شيء من التوازن الروحي .. وراح يوزع دهشته على صفائح الليل الممسك به .. خالد يرتدي ثوباً كالكفن .. صَهَرَ عذاباتِه في الأفق البعيد .. جاب مدنَ أحلامِه .. شعر بوهنٍ .. وانقبضت روحه .. ارتمى على صدر صاحبه .. ارتمى في حضن فارس اللحظة الصعبة .. يشدُ لجام الليل .. تسللت نظراته إلى سفائن خلاصه التي تتنقل عبر نجوم الليل .. كان عليه أن يفهم حركتها .. طوقته أذرع الخلاص .. ترنو لصمته وذراعيه المتعامدتين وأصابعه المتشابكة .. تخفف عذابات وحشته. طالعه فارس اللحظة الصعبة , تطلع إليه .. كان فم خالد لاهثاً, لحيته كثة, جـاث علي ركبتيه .. وجده مثقل الخطى .. خداه منحدران إلى ذقنه .. عيناه مسهّدتان متعبتان .. شعره طويل منسدل .. وشاربه مخملي لامسه تراب الطريق .. ملابسه رثة من زمن الغابرين .. لكن فارس اللحظة الصعبة شعر باحتشاد الإرادة في داخله .. أركبه فرسه, قادته خطواته صوب مضارب الأهل .. خيمة كبيرة من شَعْرِ الماعز .. تجاور هضاب الرمل القريبة .. دخل خالد مضايف الأهل .. افترش الطرّاحات المفروشة على الأرض كالسجاجيد المنسوجة .. مايسمى " الـيِّـزِرْ " .. ذات رسوم فطرية .. رسومات أثرية لامست ذاكرته في " أوروك " .. ارتشف فنجاناً من قهوة كثيفة قدمت له .. سالت من عينيه دمعة .. لأول مرة يسمع خالد كلام أهله .. صوتاً رقيقاً .. نحيب ربابة .. سطوراً من الحزن والألم .. أحلام لحظة تائهة .. شوق طليق .. في حزن الربابة هواجس .. حرَّكت دواخل خالد العميقة والمفعمة بالغموض .. المخدرة ببعض الرهبة والخوف .. أعادته إلى أيام عزِّه .. وكيف ألقت به الأهوال في كل هذه الدروب الطويلة الحزينة ؟ .. أراقت الذكريات دموعه .. تسلل الصوت إلى قلبه:

هَلَكْ شالوا على مكـحول يا شـير
وخلـوا لك عظام الحير ( ) يا شيـر
ولو تبچـي طـول العمر يا شـير
هلك شالو على حمص وحما
راحت ذاكرة خالد تطوي أيام غربته .. ” هلك شالوا على مكـحول يا شير " .. حكاية تمتد جذورها إلى أكثر من مائتي عام .. عالجها قبل سنوات التلفزيون السوري .. قدمها في مسلسل بدوي بإسم ساري العبدالله .. ساري العبد الله هو الشيخ عبداللة الفاضل الملحم شيخ " الحسنة " من قبيلة عنِزَة .. واحد من أكثر الشخصيات شهرة في بادية الشام .. حاتمي الكرم والشجاعة .. انتشر بينهم مرض الجدري .. قضى على الكثير من الناس .. أُصيب عبدالله الفاضل به حتى تشوه جسده, ويئس من الحياة .. كانت عادة الأهل في البادية أن يتركوا مريض الجدري .. يُتْرَكُ له الزاد .. يرحلوا عنه خوفاً من العدوى .. يلتحق بهم إذا شاءت إرادة الله شفاءه .. أو يموت بعيداً عنهم .. نحرت قبيلته جزوراً .. تركوا له الطعام .. لم يبق معه غير كلبه الوفي " شير " .. وقف مرابطاً أمام بيت الشَعَر .. خشية مهاجمة الذئاب .. تركوا لهم الطعام والشراب .. رحلوا , واتجهوا غرباً .. صوب حمص و حماة في سوريا .. ودَّعهم عبدالله الفاضل بعينيه, وهو يردد مخاطباً كلبه وصاحبه الوفي " شير ":

" هلك شالوا على مكـحول يا شـير ...... ................... هلك شالَوْ على حمص وحما ".

شاءت إرادة الله أن تمر بعبد الله, بعد أيام جماعة من البدو الرحل .. تطوعت عجوز منهم بمعالجته .. مَنَّ الله عليه بالشفاء .. لم يخبرها بإسمه كاملاً.. سوى عبدالله .. أعطاها بعض ما بقي لديه من مال .. ورحلت مع ركبها .. ظل عبدالله بعد شفائه في الديار الخالية .. راح يعيد أبيات شعره .. كان غاضباً على أهله لتركهم إياه في تلك المحنة .. لم يلحق بهم بعد شفائه .. توجه إلي ديار رجل كريم يدعى " تمرباش " .. زعيم عشيرة كردية على الحدود السورية التركية .. عمل معه " قهوچي " .. حجب عنه نسبه الكريم. وفي أحد الأيام كان مجلس " تمرباش " خالياً من الضيوف .. فأمرعبدالله أن يلعب معه " المنقلة " .. على غير ما توقع " تمر باش " .. غلبه عبدالله .. غضب " تمر باش " .. خرج عن طوره .. لطم عبدالله على وجهه ..

تفجرت مشاعر عبد الله أمام هذه الإهانة .. انطلق وحيداً .. يعزف على الربابة .. مداعباً أشعاره في ذكر أمجاد أهله .. منشداً:
علامچ توحشين الخـدم يا دار
وهلچ چانوا خزاين مصر يا دار
أشوف الفَلَـك بالمگلوب يندار
البوم يصيد والقواس يخيب ظنه

سمع " تمر باش " أنين خادمه عبدالله .. عرف شخصيته.. سليل بيت كريم .. اعترف له .. إنه عبدالله الفاضل الملحم شيخ " الحسنة " من قبيلة عنِزَة .. سرد عليه القصة كلها .. رفض عبدالله عرض الزواج الذي تقدم به " تمر باش " من ابنته .. لم يطلب سوى العودة صوب ديار أهله "( ).
في بيت الشَعَر .. في واحد من بيوت الكرم الحاتمي .. في بادية الناصرية .. تنبه عجوزان بلحى قصيرة بيضاء .. تنبه صاحب الربابة إلى دموع خالد المنهمرة .. إلى شلالات الحزن والألم .. هزَّتهم جميعاً اللحظة راح كبيرهم ينزف شِِِعْراً .. ممتلأً بحزن الكون كله .. على أنغام " البادية " لملم روحه .. نشرها في متاهات اللحظة .. لتلامس جسد خالد الذائب في متاهات الزمن من جديد:
" خَلَك بوسـط الروح لا تجـــرح اللـيل
واللـيل لو من هَلُـو رجالٍ ما تمل الهـيل "

من أنت أيها الغريب الفريد ؟ من أين أتيت، وماذا حدث لك ؟ سألوه كثيراً، لكنه كان غائصاً في العمق من محنته، وبدت عليه آثار التعب .. حامت الأسئلة في الليل الطويل .. والرجل النحيل يعيد قصة عذاباته: " تشتاق روحي إلى غبار سعف النخيل .. أحنُّ إلى نوم لا قيام بعده .. تَمَعَّنُوا ظلمة الليل تحت عيوني .. أنتم تعرفوني منذ كانت الشمس تكحل حاجبي, رموشي المنحدرة من جفون عيني .. بسمتي التي لم تفارق فمي .. يا نذير الراحلين، يا أصدقاء الوهج القديم .. أرواح الطالعين إلى المجهول تشدني إليكم .. روحي رهينة وحشة الأقدار .. أشعر أن هذه " اللحظة " هي حصتي من وريقات التاريخ بينكم .. ما أنا إلا كلام في حوار الحياة والموت .. في فكري أنشأت عالماً آخر .. لا تقرؤا نهايتي .. هي محزنة تعكس حزن " گلگامش " .. الذي عاد إلى وطنه .. متشحاً بقماش أهداه إياه الملك " زيوسودرا " .. مرَّ ببركة ماء بائسة .. خلع ثوبه .. غطس في الماء .. فأزعج أفعى كانت نائمة في قعر البركة .. تصعد الأفعى إلى السطح .. تشتم عبير " زهرة الخلود " فتبتلعها .. تستبدل في الحال جلدها .. ثم يعود " گلگامش " حزيناً إلى مدينته .. خائباً .. ضاعت عنه أحلام الخلود .. وأحلام الحياة .. ثم غاب خالد في وجوم أطبق على كل شيء .. داهمه نعاس غريب, ضاع في لحظة الصمت الحزين .

راح خالد يهذي.. يردد كلماتٍ بدت مبهمة لجمع الأعراب الذين أحاطوه: " اني لوجالمو .. نام تسوهيمن .. ايدنجربي شوزويانا سزكور جاباري مونبالا ". " نعم يا سيدي .. انه ليس في البيت .. انه في المعبد يقدم البركات لمعبودته " شوزويانا ".. " لاسانغنغيغا" .. رجال سود الرؤوس. إذن خالد يردد كلمات سومرية .. أين تعلمها ؟ حاول أن يعيد التاريخ إلى الوراء ؛ لكنه أكتشف أن أهله في سومر لم يولدوا من العدم .. لم يهبطوا من الفضاء .. لم يأتوا من الأناضول .. ولا من وسط آسيا .. لم ينحدروا من جبال " زاغروس " .. بعيدون عن الأصل السندي .. ربما من " دلمون " .. من البحرين .. تضعف حجج رحيلهم من أرض الشام والبحر المجاور لها .. لا شيء يشدهم إلى وسط أوربا .. عرفتهم من سحنات وجوهم عراقيين من ذات الجذور التي تربطني بميتان قريتي البعيدة .. كانت سومر قد اختفت من التاريخ منذ مئات السنين .. توارى أمسها مثل مدنها تحت رمال المحنة .. وطُمِسَ إسمُها .. تحول اسم سومر إلى سهل " شنعار " .. تمزّق تاريخها .. توزع أهلها على رقعة الأرض الجريحة .. استجمع خالد قواه .. ضياء ينبعث من سراج معلق وسط الخيمة .. تلامس الريح لهباً خافتاً ينبعث من قلب الوهج .. ينعكس في فضاءات المكان والزمان .. تتآكل الصورة في ذاكرته .. يا إلهي الملك غازي .. في القلب من الصحراء الممتدة بلا نهاية .. كان خالد مطوقاً بالهواجس .. بين خيوط الضوء المنسلّة إلى داخل خيمة الحزن التي احتضنته .. وبين الصورة التي تجوب ذاكرته السجينة في الأفق البعيد .. وبيوت الشَعَر الحزينة. راح خالد يهمس في صمت الزمان : " طالع أنت من فجر الطرقات المفضية إلى ميتان .. طالع مع شعاع الشمس وخضاب حوريات الشط في حمدان .. تنزلق في موكب اللاعودة .. دلال القهوة تعطر المكان .. خالد يحس بالحياة من جديد .. تقاذفته أذرع المحيطين به .. نبرة خاصة حزينة معذبة .. تتكئ على روح تائهة متأرجحة على آهاتها .. سمع الجميع حشرجة أنفاسه .. لكنه ظلَّ يراوح في غربة تساؤلاته .. شارحاً غرابة أحاسيسه .. لم يصدق احد قصته .. تسللت وجوه من حوله بهدوء .. اشتدّ في أعماقه هاجس .. أثار فيّ نفسه قلقاً .. خدوش في ذاكرته المتعبة .. أحداث تداخلت مع رؤيته المتعبة .. دارت به الدنيا في بيت الشَعَر المثقل بالغبار .. ألقـى كـل شيء في المدي .. تتلقفه الـــريح التي لامست وجه في هذا اليوم الحزين .. لأول مرة ينتابه شعور أن يكون مصاباً بلوثة عقلية .. حامت الأسئلة عليه .. تترى في غربة الليل .. خالد يواكب موجاً يتلاطم .. الريح تلامس رواق خيمته .. الحزن هز كل شيء .. توسد صمته .. وخانته قدرته .. نزل الدمع من عينيه ساخناً .. بكى .. دفن حشرجة روحه في أحضان وحشته. أراد أن ينطق كلمة تعيد له الحياة، تُلَوِّح له بالأمل .. خانته الكلمات .. طوقته لحظة صمت قاسية .. رأى دمعة حزينة تنساب من عيون الرجال .. كأنه رأى الرياح تولي مهرولة هاربة. في تلك اللحظة طالعه شيخ ملتحي .. قسمات وجهه تفرض الاحترام: " يا ولدي أنت بين أهلك .. أنت في واحد من بيوت عشائر " المنتفج " .. تبسم خالد, إذن انتم " بنو المنتفق بن عامر بن ربيعة بن كعب بن عامر بن صعصعة .. " خفاجة وآل ازيرج والسعدون .. آل غزّي وعشيرة الحسينات والبدور .. جاءه الصوت عذباً: نعم .. نحن من " آل غزِّي " .. نحن من أسلاف الشيخ منشد آل مناحي الحبَيِّب وابنه محمد آل منشد الغِزِّي .. لقد تذكرت .. يا إلهي .. قالها خالد : " صديق دراستي ياسر الغزِّي .. عاش هنا .. عند أرض أهله وأجداده .. هنا غرِّد جبّار الغزي, الذي اختار الموت بعد حياة تشرد مريرة على أرصفة بغداد:
" غريبة الروح .." لا طيفك يمر بيها ولا ديرة التلفيها " .. و"يگولون غنِّي ابْفرح .. وآنَه الهموم
اغْنايْ .. ابْهيمَه ازْرَعوني ومشوا .. وعَزَّوْا عَلَيّ الماي ..

هناك مضيف مشرع .. دارت الدنيا بين أقواسه ودلاله .. تركه صاحبه " محمد المنشد " .. وغادر الدنيا .. هناك " السايح " .. نهر يروي الصحراء .. فتزهر ذهباً أحمراً .. تهطل الأمطار .. تنتنشي الأرض بخضرتها .. حشائش و" رشاد البر " .. هنا شيوخ عشيرة آل غزِّي أباً عن جد, ولا يوجد شيخ آخر لعشيرة " آل غزي " غيرهم في ناحية البطحاء في محافظة ذي قار .. عرفتهم من ديوان أهلي .. عرفت الشيخ كاظم منشد الحبَيِّب الغزي - أبو قيس - وأولاد أخيه كل من الشيخ لطيف محمد والشيخ علي محمد المنشد وأخوتهم .. من هنا مرت خُطاي بالبطحاء .. أرض تنفتح على صحراء واسعة ترتبط بالحدود مع السعودية .. البطحاء هي " لارسن " الموغلة في العمق من التاريخ والذاكرة ..
الحيرة تغلف وجوه الرجال .. تفاصيل غير معروفة عندهم .. خالد يتحدث عن سنين جاوزت لحظتهم .. عشرات السنين الطويلة .. المحملة بهموم وحزن الوطن .. معركة( ) باهيزة والبطنجة ماثلة في ذاكرة التاريخ .. نحن نعرف أن الانكليز انسحبوا من " باكيزة " .. بعد تكبيدهم خسائر كبيرة .. أراد الإنكليز عام 1916 إرسال نجدة عسكرية من الناصرية إلى الجنرال " تاو زند " المحاصرة في الكوت عبر نهر الغراف الذي يمر بأراضي " المنتفج " .. فتصدت للإنكليز عشائر " المنتفج " من خفاجة و " آل ازيرج ", وآلغزِّي ", واشتبكت معها في قتال عنيف وانتهى بانتصار المنتفج وتدمير النجدة الإنكليزية .. لا زال صوت مهوالهم يتردد صداه في الذاكرة : " شرناها وعجت باهيزة " .. راح يردد كلمات حزينة :
قبل أن يرتدي الليل شملتَهُ
سبقتنا الجمالْ
وعبرنا القرى
كان نجمُ القرى نائياً
فعزمنا الرحيلْ
وانحدرنا مع النجم
قلتُ: إذنْ هكذا
صرة ومتاع قليل !( )

خالد وقد تملكته رغبة الكلام. يستمر بحواره: " الحدث الأكثر مأساوية في تاريخنا المثقل بالعنف, والقمع والتعصب والإرهاب تحتل الذاكرة .. تستفزها التواريخ .. تستعيد ذكراها السنون .. وكأنها تقول ما أشبه اليوم بالبارحة .. ومن تلك الأحداث يوم مصرع الملك غازي". قاطعه الشيخ : " الأخبار التي جيء بها من الناصرية يوم أمس تتحدث عن مقتل الملك غازي .. وقد وُزِعَ في سراي الحكومة منشور .. أرجو أن تقرأه لنا". راح خالد يتفرس الكلمات .. يغوص في اللحظة الأصعب .. يا إلهي .. المكان بادية الناصرية .. قرب " تل اللحم " .. الزمان عام 1939 .. لا بد أن يكون هناك خطأ .. تارة أجوب دروب " أوروك " أبحث فيها عن ذاتي .. عن صحبي الذين عصفت بهم الريح في معابد سومر .. ها أنا في بيوت الشَعَر .. أعود بالتاريخ إلى الوراء .. سنوات طويلة من الحزن والألم .. خالد يبدأ قراءة المنشور .. ارتباك اللحظة يرتسم على وجهه .. تخونه الكلمات .. الحكومة تنعى الملك غازي .. اثر اصطدام السيارة التي كان يقودها بنفسه بالعمود الكهربائي الواقع في منحدر قنطرة نهر " الخر "، بالقرب من قصر " الحارثية "، في الساعة الحادية عشرة والنصف من ليلة أمس .. الزمان صباح يوم الخامس من نيسان عام 1939.. حاصرته الهواجس .. أخبرهم:" هذه معلومات قديمة جداً .. درسناها في كتب التاريخ .. أزيدكم من الشعر بيتاً : " التاريخ يشكك برواية مصرع الملك .. إن أي حادث لسيارة يؤدي إلى الوفاة ،لابد أن تكون إصابة السيارة شديدة وكبيرة ،إلا أن الواقع كان عكس ذلك تماماً ،فقد كانت الأضرار التي لحقت بالسيارة طفيفة جداً .. الشكوك ما زالت قائمة حول حقيقة مقتل الملك .. التاريخ يعرف إنه كان بمعية الملك في السيارة كل من خادمه ،وعامل اللاسلكي ،جالسين في المقعد الخلفي بالسيارة .. اختفيا في ظروف غامضة .. لم يعرف أحد عن مصيرهما نهائياً .. أثارت عملية اختفائهما شكوكاً كبيرة حول مقتل الملك .. حول حقيقة حادث الاصطدام .. استمرت تلك الشكوك تحوم حول الأمير عبد الإله ونوري السعيد والسفارة البريطانية .. وبعد تسعة عشر سنة .. في الرابع عشر من تموز / يوليو عام 1958 ، أطاح الجيش العراقي بالملكية .. قُتِلَ الملك فيصل الثاني بن غازي .. أُعلنت الجمهورية بقيادة الزعيم عبدالكريم قاسم, والعقيد عبدالسلام عارف .. خَلْفَهُم ثلاث مجموعات من الضباط الأحرار .. اتفقوا على الثورة .. اتفقوا على أن لا يتفقوا .. اختلفوا فيما بعد .. فأكلوها وأكلتهم ".

كثير من أبناء جيلنا .. عاصر قيام أول جمهورية عراقية .. الأحداث عالقة في الأذهان .. الأمور تقاس في نتائجها وخاتمتها .. خمسة وأربعون عاماً من عهد الثورات .. مسيرة مثقلة بالهموم والتحديات .. خلف هذا المشهد ركام من الأحداث .. رائحة خيبات وضياع أجيال. بدأت بثورة وانتهت باحتلال .. عقارب الساعة تعود إلى الوراء .. احتلال جديد .. الدنيا كلها هذه المرة تنهش أشلاءنا .. بداية مقاومة ودماء .. لكثرة ما مرَّ بنا .. سوف لا تصدقون حكايتي .. ذاتي سأطلقها للـريح .. جذوري سأغرسها في صحراء أرضكم .. أكـون كما أريد .. أولد من جديد .. هكذا .. مع نفسي .. بينكم .. لغبرة سمائكم هنا .. أصرخ دعاءً للصابرين .. أعيدوني إلى ديرتي.
غلَّف الصمت وجوه الرجال .. أي حيرة ألقت بظلالها في واحد من منازل " آل غزَّي" .. لا أحد يُصَدِّقُ الحكايات .. قرفص خالد أمامهم .. الحزن يأكل جوانحه .. تفصله عنهم حفنةُ صَمْتٍ .. انفرج ثغره المتعب عن بسمة باهتة .. انهمكتْ يمينه تمسك فنجان القهوة .. لا أريد شيئاً أكثر من طريق صوب الأهل في البصرة .. حيث الأموات والأشلاء على قارعة الطريق .. أريد أن أبصر وجه أحبتي .. هناك في أقصى الجنوب من الأرض المخضبة بالدم والألم .. أن لا أموت غريباً ميتة شبح في حكايات النساء ..
توقف الجميع عن حديث كان يبحث عن جواب .. جيء بالطعام .. لأول مرَّة منذ أيام محنته يتنبه خالد إلى طعام .. يشمُّ رائحة خبز معطر بطيب العراق .. يختلف عن خبز الدنيا كلها .. ضاعت منه رغبة الكلام .. حشد كبير من اللحوم .. يستفز رغبته في تذوق طعام الزمن المعدوم .. طعام المفاجأة .. رغبته في رشفة ماء كانت كبيرة .. ظمأ الصحراء لا يشعر به أحد إلا عند وجود الطعام. بكل قامته المهيبة .. شاب ترتسم على قسماته خشونة الصحراء .. راح يوزع فناجين قهوته .. من دلاله المصبوغة بلون الحزن .. كروحه التائهة بين ذرات رمل الناصرية .. يتلوى بخار القهوة بين عيني خالد .. خيوطاً سائبة .. حاول أن يصطاد وحشته بسنارة الحيرة .. تهدج صوت رجل .. الشيخ الذي احتضنه .. كبير " سلف آل غزِّي " في " تل اللحم " : " لك ما تريد يا ضيف الزمان الضائع .. أمنحك مهرتي " فدعه ".. سيرافقك ولدي فهد .. حتى منطقة " أم عنيج " .. لولا مشكلتنا مع بيت ...... قرب " اللحيس " لرافقك حتى البصرة .. دليلك في ظلمة الليل .. نجمة الجدي .. وريح الجنوب الرطبة .. اسْتَقْبِلْها .. لا تقاطعها ولا تماشيها .. ستجد نفسك بعد مسيرة ليلتين قريباً من الزبير .. تجنب السير نهاراً .. النهار يفقد الاتجاه .. تأخذ معك قِرْبَتَيْ الماء هذه .. بعضاً من طعام الطريق .. وبعض العلف لفرسك .. لا تنسى أن تعيد لي العزيزة التي سترافقك في رحلتك .. مهرتي " فدعه " .. فهي دليل سلامتك ووصولك .. دعها ترافق أي ركب يتجه نحونا .. صوب " تل اللحم " .. موعدكم بعد صلاة الفجر إن شاء الله .
لم يذق خالد طعم النوم في تلك الليلة .. الذكريات والهواجس تشده صوب أهله .. لحظات اللقاء تبدو قريبة هي الأخرى .. راح يستعرض من جديد مسيرة محنته .. يتطلع صوب فرسه .. زاده وماءه الذي سيحمله معه في رحلة البحث عن الذات .. ليس بعيداً عنه .. فهد أبن شيخ " آل غزِّي " يغط في نوم عميق .. كيف سيلقى أخواته وأحبته ؟ رسم خطوط عودته .. تفاصيل لقاء مرتقب .. لا بد من صلاة عند عتبة الدار .. قارب على النوم وهو يرسم ميتان في ذاكرته.. وفي لحظة مسروقة .. توقف الزمن .. السكون يطوق صمته .. توقف كل شيء .. ضاعت النجوم في السماء .. اللحظة لا تفارق خياله .. لا حركة في الجفون .. لا دمعة تفور .. لا صرخة تنطلق .. تمنى أن يمتلك أجنحة من سحاب .. يمسك بها .. يطير معها فوق مساحات الدروب .. المتجه صوب البصرة .. كأن الريح تطاوع محنته .. يحصي أيامه .. لم يحص سوى ريح .. لعَّل في نهاية الأفق " مسيح " .. يسائل خالد النفس .. هل من طوفان جديد لهذا الزمان ؟ .. دون أن يدرك انه غارق فيه .. هو رجل هذا الطوفان والزمان ..

- 6 -
أذان الفجر يطرز الأسماع .. ثغاء الأغنام .. أصوات بعيدة تتداخل مع رياح الصباح .. نهض خالد .. راحتا يديه، تفترشان الرمل .. الليل يطوق رأسه .. تلفت حوله .. ها هو يتوسد الثرى من جديد .. اختفت بيوت الشعر .. لا أحد يجاوره .. تلاشى كل شيء كنيزك في المسير .. اختفت كل وجوه رجال " آل غزِّي " .. أمواج متدافعة من الأصوات الممزقة بين الصراخ والعواء .. وحشة أدكن من ظلام الليل ..


حاول خالد أن يغسل جراحه وعذاباته على مهل .. دموع حارة تنزل على خديه .. خانته قدرته وهو يرقب نجم " اسهيل " مرة أخرى .. يشق عباءة ليل طويل من الغربة .. ويرتفع. ممتطياً همومه .. برفقة وحشة الطريق .. خالد يتجه صوب الجنوب .. متنقلاً بين شواخص رمال صحرائه .. لا بد له وهو ينطلق من " تل اللحم " .. أن يمر بمناطق مثل " أم عنيج " .. " اللحيس ", على طريق الناصرية – البصرة .. لا يحمل سوى روحه .. يوغل في المسير .. ينسابُ في أعماقه ماء أجاج يسيلُ من جُرح بركة بلا حراك .. بركة دون ماء في روابي " تل اللحم " .. كيف أحمي المسافات من خطوتي الممتدة في نفق الأيام ؟ وما تساقط منها في محطّات الطّريق الطويل ؟
مرّ عليه صمت قاتل .. الصدى يعوي وحيداً في العراء .. أيتها الريح لا تتبعي خطواتي .. فإني مللت الطريق .. والرحيل .. وحين تُمَزِقُّ الريح هدوء اللحظة الذي يعج بالزمن في أول الغبش .. تنطلق طيور من أعشاشها صوب السماء .. هاربة من ضجيج الروح وحشرجات النفس النازلة الصاعدة .. يصحو معها ناسخ لوح المعبد, حاملاً معه النار, وأزميل النقش فوق رقيمات الطين في " أوروك " .. يحمل المحنة بين ضلوعه وأرضه ..
معاً .. خالد وهموم محنته .. ينشدون للحزن الذي يقطع المسافة فوق دروب العذاب .. يتبعونها عبر بوابات المحطات التي أضحت ركاماً في ذاكرتهم .. يتوسدون الرجاء بين تل اللحم .. جسر بربوتي .. النغيشية, القريطية .. چويبدة .. اللحيس .. الرافضية .. النجمي, العرقلي .. مسَلِّي .. الرميلة .. الشعيبة .. وحتى الزبير .. هذه هو سراب الزمن المتعب .. بلا حراك .. للصبر في الليل حقيقة .. معلقة في فراغ قصي .. في هذا الخراب الجميل .. تصدعت أركانها .. تشققت سماوات حلمها .. وأمطرها الضياع .. تفتحت عينيها على بقايا الدموع .. لتجد في عيني خالد الصمت .. الصمت وحده يرافق متاهات الشوق إلى ميتان .. ألِفَتْ ذاكرة خالد أشياء كثيرة .. حصا ورمل .. بقايا عظام .. أشواك وسباخ .. لكنها لم تحلم أن يتوسد خالد حجراً .. في القلب من تلك الفيافي الملتحفة بسواد الليل والألم .
لم يكن خالد قد بلغ " أم عنيج "؛ حتى غاب في الأفق الممتد نحو زمن الضياع .. قارَبَ النوم وهو يرسم الوطن في صحراء ذاكرته .. غاب في نوم عميق .. غرق في تفكير قاتل بطول المسافة التي سيقطعها في اليوم الثاني .. ليلته الأولى انقضت .. أطلال قرى منتشرة على طول الدرب .. حين شارف بيوت الصفيح قرب مقالع الرمل في الزبير .. رأى في البعد، حجراً يابساً .. يخرج ذراعه من ثقب مزين بهلال وحزن سنين .. رأى خالد مقام الأمير في العشار .. جسر الغربان .. الشناشيل تؤدي إلى البصرة .. قلب البصرة النازف .. المشطور بنهر العشار.. غارق بدموع محنته .. المدينة صارت حزناً محمولاً على أعمدة الدخان .. كأنها تلامس حداً فاصلاً .. يسرق امتدادها إلى الذرى .. تاركاً فسحة من فضاء ثقيل .. شعاع أمل يقترب من خالد .. قبل أن تضيع منه لحظة الخلاص التي كافح من أجلها .. ما كنت أعلم, قالها خالد: " أن باب الزبير سيقودني إلى ساحة " تيلازيدا " في القلب من " أوروك " .. في سومر .. بعد محنة جاورت بوابة الموت .. " تل اللحم " والطريق القديم الذي سلكته قوافل الغابرين .. على مدى آلاف السنين .. المسارات مخنوقة بخوف المتاهة والضياع .. أوقدنا فرحاً أطفأه غدرُ عصبة من صعاليك هذا الزمان .. في غفلةٍ من رجال العشيرة .. تتراكم الانكسارات .. والحسرات .. نشوة " العوسج " تمتد على طول الطريق .. تعانق أحزاناً تجري حافية في صحراء الألم .. تعيد قصة اللصوص .." سُرّاق صندوق وضعه سيده خلف باب يستحيل فتحه .. عزز استحكام الدار .. كان مطمئناً تماماً لمَنَعَةِ الباب وأركانه .. فنسف اللصوص الدار كلها ليصلوا إليه ...... ".( )

غسلت حمرة الأفق أجفان السماء برذاذ من ضوء الجنوب .. هناك حيث تقبع ميتان .. يسامرها زمن غابر، ووحشة سنين .. لوحة لامست خيالات النهر .. وضاع في تفاصيل اللحظة الصعبة .. لم تنسه عيون النخيل .. لم تنسه قطرات المطر. التفت الجميع نحوي .. أنا الباقي الوحيد من عائلة عشقت النهر والعراق .. أخي مجاهد تقدم الصفوف شهيداً .. أخواتي .. أهلي .. أصدقاء محنتي .. افترشوا دروب الوطن .. يحلمون بلحظات الأمل .. حتى يأذن الله بلقائهم على أرض ميتان .. عندها تعود أشياؤنا التي ضاعت ذات حين .. من بعيد لمح أشجاراً .. واحة وبضع بيوت .. قبل أن تضيع منه شواخص محنته وواحة السراب .. تذكر قوانين سومر: " إذا دخل رجل بستان رجل آخر وقُبض عليه هناك .. فإنه سيدفع عشرة " شياقل "( ) من الفضة .. اختفى كل شيء من أمامه ..
هناك بين الرمال وفي أعماق الصحراء .. كان خالد وحيداً .. حتى خيَّم عليه ظلام جديد .. ظلام الضياع .. ظلام الخوف .. ظلام المكان .. أشباح الخوف تطارده .. الضيق والحزن يحاصره .. ظلام دامس .. ظن أنه بمفرده في صحراء قاحلة .. وما أن غاصت عيناه في النوم حتى رأى ما لم يتوقع أن يراه .. رأى حلماً .. سلالم منصوبة على الأرض ورؤوسها تمس السماء .. أشباح صاعدة ونازلة عليها .. " قلب ميدوزا " .. تحجر كل قلب بالضغينة .. وتبشر أهل بابل بالحريق " .. نهض خالد .. كان منهكاً .. الريح تصفر .. مضى النهار .. غطست قدماه في رمال الأرض المتجهة صوب الجنوب .. توقف كل شيء .. تدفق أنين مكتوم كصوت الفجيعة .. فجأة لعلع الرصاص في كل اتجاه .. المدى المجهول يحاصر ذاكرته .. سمع ما يشبه قرع الطبول، تدنو بسرعة تملأ فضاء الصحراء ومتاهاتها .. سمع صوتَ دويٍّ رهيب, ورائحة بارود وغبار أسود, لتحاصره الهموم من جديد. أنا الهدف .. الدبيب يسري في دم خالد .. يتقدم خطوات .. سأخرج .. سأخرج .. سأقاوم اللحظة الأصعب .. ولم يبق أمام خالد غير أسـم الله والوطن .. سألقـي كـل شيء في المدى لتتلقفه العاصفة .. ذاكرتي سأطلقها للـريح وأوراقي سأنشرها لأكـون كما أريد .. أن أولد .. وأنا جـاث علي ركبتيّ ويـداي إلى الخلف .. أن أولد .. رغم أن النهب لم يتوقف عن جسدي .. أشياء عزيزة قد نهبت مني .. دفاع عن الحياة .. دفاع عن الموت .. لأختصر قضية أجيـال .. لتكـن في صمتها الأليف وقفة في الزمان .. خالد على مقترب من هذه التـلال المطبقة بصمت المكان .. قريب من الزبير .. من هنا مرّ العابرون للحزن والألم .. عندما ينزف الجرح قرب رمال الزبير .. تهطل أمطار الحزن .. تتوزع دروب السراب الغارقة بالدم .. غمرت نفسه هواجس الضيق .. فتح فجوة في غبرة الصمت والانكسار .. أطل عبر الدبيب الذي طوق كل شيء .. لعابرين غرباء الوجه واللسان .. مضطربي الخطى .. يحاصرون قلبه من جديد .. راح خالد يطلق حشرجاته في حزن الوطن الثقيل .. عادت إلى ذهنه صُوَرُ الحروب .. صور الرجال تملأ الدروب .. الأرتال المتوجهة إلى كل صوب .. الزنود السمر الممسكة بكل أنواع السلاح .. أيا ريح الجنوب .. إسري في جوانحي .. حلّي في جسمي .. بقايا من حرس المدينة المنورة .. من رجال حمورابي .. من جنود نبوخذ نصر .. تملأ الأرض .. مثل موج جامح في طرقات الزبير .. مثل غربة في عتمات الدروب نحو الجنوب .. هكذا أوكلت الأيام للشمس خطاها .. وضيعت في الطريق ألقها, وشذاها .. حزمة الضوء التي كابرت وحيدة .. انطفأت في ليل الانكسار. أيا ريح الجنوب أتركي آثار دموعي على كل رملة من رمال ثراك الندي ..
خالد بقامته الفارعة وحدبه عليها ..سيبقى هكذا بهياً .. تأمل الأفق السماوي .. لاحت له صفحة قمرية .. سرعان ما تداخلت مع وجه الإله " إينبييلولو " .. إله الرافدين دجلة والفرات .. نهر الكار والنيل .. انتابه ألماً مفاجئاً ... وأطرق .. تسللت نظرته إلى سفائن النور التي تتنقل على نجوم الغرباء في ذلك الصمت المطبق على كل شيء .. وتمنى لو عاد إلى سومر التاريخ والجذور الحقيقية .. وتمنى لو عاد إلى " أوروك " الحضارة .. داخل أسوارها .. ينطلق معها في عربة من الفضة والازورد .. مع الدموع التي أغرقت " أوروك " ومعبدها .. إني أرى الذين ألقوا أسلحة الآلهة جانباً؛ لم ينالوا رحمة ولا أمان .. سقطوا صرعى على الأرض .. نقطة المكان التي يغرس فيها السيف ماتت .. توقف خالد عن السير إلى أمام .. راح من جديد يحاور نفسه: " بقينا وقوفاً على هضبة لا نرى منها غير أنفسنا .. فضاعت عنا شواخص الطريق. أيها الإله الشهيد، لقد سقطت مقدسات سومر وتحولت " أوروك " إلى خرائب تعشعش فيه العناكب .. أشهر طويلة مترعة بالحزن والألم .. امتزج الحزن فيها بالنفوس .. وضاع وهج اللحظة الأصعب. فهل سيطول صبر عشاق فجرك الأكيد ؟ ستظل عاصفتك تدّوي في الأفق .. ستلامس ريح صباحاتك كل الوجوه " .. الذئاب تعوي .. ضاعت يدا خالد في المتاهة .. في رأسه ما يشبه الفجوات، وما يشبه الموج .. يحتمي بنفق لتصريف مياه الأمطار تحت طريق المرور السريع .. ها هو يلامس كدس عتاد .. هاون ستون مليمتراً .. قنابر مختلفة .. تسمر في مكانه حين لامس قاذفته من جديد .. ذاتها التي اسقط بها الطائرة البريطانية في الساعي .. حاصرته الهواجس .. والقذائف والأصوات الغريبة .. استنفذ كل عتاده .. صبَّ جام غضبه على الأجساد القادمة إليه .. في لحظة صمت .. يتحول جسده أشلاءً .. تتوزع على منعطفات الدرب القريب .. ضرب الأرض بقوة .. وحين قرر خالد أن يغادر المكان والغبار والبارود .. على مقربة من الضياع .. وجد نفسه يسير في طريق مملوءة بالأشواك .. هائماً .. بعيداً .. يعبث بالزمان .. يستخرج دهراً يصافح به محنته .. تمايل مع الريح .. وقف على تلّة متوهجة .. تنيرها حكايات ذبيحة .. بكى من على أطلال محنته .. دونما دموع .. أصعب ما في اللحظة أن يأتيه الموت متنكراً برائحة عطر .. خالت له على الطرف الآخر من الطريق جثته .. هبَّت عاصفة الإله " أنليل " من معبده في مدينة " أوروك " .. العاصفة تزمجرُ في كل المدارات .. توارت معها كل الجراحات .. تركها تجتاح سومر.. فعمَّّ الظلام ..




- 7 –
كحكاية من غير بداية ولا نهاية .. عاد خالد لسفر تاريخ مدينته البصرة, فوجئ بها تحمل الاسم القديم " كوثا السومرية ", التي عاشت عمرها مع الإله " آن كي " في عمق النهر، وتمردت عليه مرات ومرات؛ فطلَّقها في لحظة فيضان, ثم عاد واقترن بها في لحظة جدب، وهي ذاتها التي عاقرت الخليج طاولته؛ فبصقها كتلة خضراء بين ذراعيه, ثم عاد ولثمها في لحظة جزر حميمة, وتًرْجَمَها مواويل جاست شفاه الصيادين في أعالي شط العرب. ( )

وقتها تذكر خالد .. هناك بقعة في هذا العالم .. اسمها العراق .. بقعة أليمة .. لها حضارة آلاف السنين .. ولكنها تعيش في أبجديات العالم السفلي .. عالم الأموات والأرواح الشريرة التي خربت كل شيء. تذكر أن فيها شعب دوخ الدنيا لأكثر من ستة آلاف سنة, وقدم نواميس الحضارة لمن حوله من الشعوب, طعنته أقوامه.. طعنته شعوب حوله. كانت تتطلع إلى انجازاته بذهول وعجز, وتكررت الطعنات حتى هوى على الأرض .. صاح خالد المترب بشهقة محتضر من الكرب :" يا بلادي التي كابرت زمناً في العراء وحيدة.. يا بلادي التي أكلتها الضباع .. يا بلادي التي ضيعتني وتمضي إلى التيه مشدودة القدمين .. يا رِئَتَاي اللتان مزَّقَتْها الظنون.. يا فرحتي .. يا حزني .. يا بصرتي .. يا ميتان .. يا أهلي .. عليكم سلام الله منيَّ.
تردد صدى احتضار خالد .. هزت كلماته سكون الكون .. نداء من قلب ميتان : " عندما تركت جدران الطين، هربت أحلامي وابتسامتي .. اشتقت لحزنكم الجميل .. عندما هجرت النهر احتارت بلابل بستاني في تغريدها .. مقاهي العشار لونت دمي .. نكهة شايها في عروقي .. إذا دخلتُ ميتان سأرمي عليها قلبي الذي ظلَّ في يدي، ارمي عليها حكاياتي التي غلفتها الأحزان بالوجع، ارمي عليها ثمار سدرة الدار التي حملتها في رحلتي .. ارمي نهاراً قليل الريح .. صبحاً رطباً كالندى، ارمي تخوم الليل .. أطالع نجوم الفجر .. إن بكتني ميتان فانتظروا .. حتى تسكب دموعها في وعاء روحي .. لعلي أضمها من جديد. يا بيتي .. يا جسدي الخاوي.. يا مدينتي الصامتة .. لقد جف دم القرابين وامتلأت المقبرة .. أواه يا دروب مدينتي .. كنت تميدين بالحشود .. اليوم يملؤك صفير الرياح .. آه يا مدينة الركام .. يا مدينة السندباد .. يا مدينة السياب .. أيتها المدينة الغارقة في الهاوية .. سيغمرك الضوء من جديد، سيعود العراق .. سيعود صوت الناي يملأ الدروب الممتدة للذرى. إني أرى رجالاً يكحلون الأفق، يجمعون رماده الذي تناثر أمام نيران هائجة, مثل حجر ميت لا يقوى حمل نفسه.
اتكأ خالد إلى صبره .. إلى شجاعته .. إلى إيمانه .. إلى إرادته .. كان وحيداً لحظة غدره؛ حين أحاطت به عدة غربان سود .. خيروه بين الموت والموت فاختارهما معاً .. كان قوياً .. نخلة من نخيل العراق .. تداخلت أصوات نشيج, وعويل طويل .. أصوات تردد صداها في خواء غرفة الحزن .. حشرجات سادية تتلذذ لموت خالد .. دموعه متحجرة كصخور أرضه, تقف عند مجرى عيونه بعناد .. قلبه يقاوم اللحظة الأصعب .. يرفرف كجنح طير مذبوح .. يريد التوقف بعد أن أتعبته النبال .. كان أقوى من محنته .. كان أكبر من حقد قاتليه ..صاح خالد: " أشهد أن لا إله إلا الله, وأشهد أن محمداً رسول الله .. لحظات وتصعد روحه الطاهرة لبارئها .. تداخل في صمت غرفة الغدر صوت حبيب .. صوت خالد: " أديروا وجوهكم عني؛ فأنا شمعة الزهو في ليل الانكسار .. انظروا إلى طلعتي؛ المحوا صبري في العيون .. مزهواً أتطلع إلى وجوهكم المنكسرة التي تحيط بي .. ها أنا أشم مسك هواء العراق .. انثروني قطعاً في ساحات الخراب .. ستذرني الرياح على صحراء بلادي .. لا أُريد ريحاً غير ريح العراق، ولا ظلاً غير ظل نخل العراق، ولا حياة تعانق الموت غير حياة من نبع العراق .. ولا رملاً يحتضن كفني غير رمل العراق .. سأعود صبّارة تدمي أصابع الغزاة .. ثمرة أحيى بها مع المدى .. آذان صلاة سرمدي يتردد صداه عند كل فجر. حين أُسْلم الروح إلى بارئها .. سأُوْدِعُ في كل بيت أمانة .. لدى كل وليد عهداً .. أمانة الأرض, والعرض .. وعهد الرجال حتى يندحر الاحتلال .. حينها تعود كل أشيائنا التي ضاعت ذات حين .. أمارس غضبي على كل ما مرَّ من دمار .. الأرواح لا تسكن بيوتاً لم يبنِ جدرانها وطن ".

كان خالد هنا في القلب من المدينة التي عشقها, وعاش من أجلها .. كان في ضواحي مِيتان .. دارت أيامه في غرف مظلمة .. يتكئ السجان فيها إلى جثث، يدوس، يركل، يقذف، يقتل، يقطع الأشلاء .. في واحد من دهاليز الموت الأسود .. قبع خالد جسداً مغدوراً .. جثة ممزقة الأوصال .. مفتوحة العينين .. ملفوفة بخرقة بيضاء بائسة بالية .. وهو الذي كان يحلم منذ أول منازلة خاضها دفاعاً عن النهر الحلم .. عن شط العرب .. عن العراق .. أن يلفه علم العراق .. شهيداً يبكيه يمام المراقد والجوامع في العشار والزبير. لم يكن خالد في " أوروك " .. لم تخط قدماه أرض ذي قار .. كان أهله في سومر أكثر رحمة من تلك الوجوه التي أحاطت به لحظة موته .. وجوه تلبست زِيَّ الأهل في سومر .. في الوطن الذي ضاع منه في غفلة من رجال العشيرة .. الدروب محترقة .. ورائه نهر دم .. وأمامه بحر دم .. لا يدري لِمَ رَحَلَتْ روحه صوب كل تلك السنين .. تُلْقِي بظلالها فوق جذور العراق الممتدة في العمق من ذاكرة التاريخ .. إلى سومر .. لعله استشعر خلاصاً .. يربطه بجذور نشأته .. بعد أن ضاعت منه أحلام مدينته .. لكنه أدرك وفي اللحظة الأخيرة من حياته سرَّ اختفاء سيدة النخل .. " برحية " الوطن .. جذور من جاورها من شجر غريب الأصل والانتماء .. التَفَّتْ كالسرطان حول جذورها, سرقت ماءها, سرقت ملح ترابها, سرقت جزيئات هوائها التي امتزجت بعَرَقِ ودموع أهلها.. مجاميع من كل صوبٍ بعيد .. طفت على سطح المحنة والاحتلال .. تعيش على آلام وآهات الرافضين .. آه .. حسبي الله على من قتل تلك الفرحة في حياتنا.
وحدك يا خالد .. ترحل إلى الشمس .. تمضي إلى قسمات الوجوه السمر المعتمرة بكوفيات الجنوب .. ترسم الأمل على أسارير الصابرين .. تجمع في كفيك العاريتين خيوط الشهادة .. تصنع نسيج الفرج العريض .. تفرشه في الشوارع الملتوية كالأفعى المتجهة صوب " أبو الخصيب " .. في المحلات .. والساحات .. تحيك منه ضماداً لجرحك النازف .. لجرح مدينتك .. في كل زقاق .. منقوش أنت في مآقي العيون وفي سويداء القلوب .. لـم تكـن في صمتك الوديع ألا وقفة في المكان، وشاهداً على الزمان .. ستنهض ميتان أيها القريب البعيد من حلمها المرير الطويل .. تنهض لتغتسل .. تتوضأ بماء النهر الحلم .. تتطهر من رجس من هتك ستر ليلها .. من نال من شرف تاريخها, ونهارها الصافي .. من نال منها خالداً .. يا ميتان .. أيتها المقاتلة في زمن معفر بالدم .. في زمن دفنت مدن أخرى أحلامها في تراب الاحتلال, وتحولت إلى بوابة يمر منها الغزاة والموت والصدأ .. وداعاً .. وداعاً أيتها المدينة الحبلى .. المشنوقة في رواق السلاح .. لا أملك ما أضيف به إلى همك هماً من جديد .. كي تطول أحلامنا .. تقصر خطواتنا .. حتى الهموم هجرت وحشتنا .. لا أملك دماً انزف به .. كي تتفجر نوافير الفرح في ساحات الخراب بين شوارعك التي ضاعت ذات حين !! أيها الباقون في ذاكرة الزمن .. في كُلِّ مقبرة لي فيك يا وطني ... جزءٌ من الروح أو جزءٌ من البدن .. في رحلة الدرب الطويل كنت أعيد قراءة نفسي .. كلمات حملتها معي: " نحن لن نستسلم .. ننتصر أو نموت .. ".

آهٍ .. يا خالد أيها القادم من أطراف " أبي الخصيب " .. أيها القادم على متن " مشحوف " سومري من أرض مِيتان .. القرية التي عشقت " شط العرب " .. خالد أيها الصمت الطويل .. " أحقيار " يا قداس كنائس .. وجَوْعُ صومِ زاهدٍ في الحياة .. حين خانتك لحظةُ نفضِ غبار السنوات عن روحك المتعبة .. وجسدك النحيل؛ كانت الريح تقذف بكل شيء .. إلى محطات الضياع باتجاه محرابك على ضفاف النهر الحلم .. والتي ما زالت تنوح عليك. سيخرج من أرضك .. بين الماء والماء .. رجال يمتطون أجنحة وأشرعة سحرية .. يطلقون من صدورهم العقبان الكاسرة .. تمزق الشياطين والمَرَدَة والغرباء, يتوحدون في قافلة للوطن لانهاية لها .. يَرْفَعُونَ أَجْنحة كالنُّسُور .. يَرْكُضُونَ وَلَا يَتْعَبُون .. يَمْشُونَ وَلَا يُعْيُون .. يقاتلون، يتوغلون نحو النور السرمدي. لقد هَوَتْ مقدسات " سومر "، وذَبَحَ الأوباشُ ناسَها .. لكن معركة " أوروك " ستحسم الصراع .. لتعود روحك يا " أحقيار " .. يا خالد المترب .. صوب مِِيتان .. يسيل دم من جرحك النازف .. تحمل قطراته العنوان .. ليبقى العراق.

ميتان تلبس وشاح صبرك .. تسلك تشعبات دربك .. شيبها وشبابها .. نسوتها وأطفالها .. تحتشد في باحة دارك الذي هجرته ذات حين .. هلاهل وصرخات رجال .. وداعاً أيها الراقد في ثرى العراق .. أيها الباحث بين حطام التاريخ، عن مدينة استأصلت روحها .. وبيوت هجرت ألفتها .. عن " أوروك " السومرية .. عن البصرة .. عن المدينة التي هجرت ظلَّها .. عن مأساة الرحيل إلى سومر .. عن العراق .. عن موعد ترتفع فوق ناصيته بيارق النصر .. ويرحل الاحتلال .. سنبقى نتذكر صيحتك: " لم تعد آلة حرب الغزاة قوية بما يكفي .. فهي غير قادرة على إفساد ليلة عرس شهيد واحد من شهداء دربنا الطويل ".. لقد هزمت الموت بالموت أيها الغائب الحاضر .. لقد منحتنا الحياة من جديد.

فوقَ حجرٍ توسد ثرى قبرك كتبنا:
بسم الله الرحمن الرحيم

﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُم ْحَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِين َمِنكُمْ
وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ ﴾( )
صدق الله العظيم












عرض البوم صور أ.د. كاظم عبد الحسين عباس   رد مع اقتباس
قديم 10-20-2012, 07:09 PM   المشاركة رقم: 2
المعلومات
الكاتب:
ابو برزان القيسي
اللقب:
كاتب ومحلل سياسي/ الإدارة العامة للمنتديات
 
الصورة الرمزية ابو برزان القيسي

البيانات
التسجيل: Mar 2011
العضوية: 1202
الدولة: اربيل\تركيا
المشاركات: 4,756
بمعدل : 1.51 يوميا
الإتصالات
الحالة:
ابو برزان القيسي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:
إرسال رسالة عبر Yahoo إلى ابو برزان القيسي

 

كاتب الموضوع : أ.د. كاظم عبد الحسين عباس المنتدى : ملتقى خاص بالفيلق الإعلامي المقاوم أ. د. كاظم عبد الحسين عباس
افتراضي

تسلم دكتور كاظم جزاكم الله خيرا












توقيع ابو برزان القيسي

الإِعْلَامِيُّ أَبُو بِرَزَانَ القيسي.
أَخْلَقَ. وَطَنٌ يَعِيشُ فية جَمِيعَ الأَدْيَانِ سواسية.. بِدُونِ تَفْرِقَةٍ وَأُعْطِيهُمْ الحُرِّيَّةَ يُعْبَدُونَ مِنْ. رَبُّهُمْ فَالعَلَاقَةُ هُنَا بَيْنَهُمْ وَبِين رَبُّهُمْ.. وَلَيْسَ بَيْنَهُمْ وَبِين الدَّوْلَةُ فَالدَّوْلَةُ هُنَا. خَارِجَ إِطَارِ العَلَاقَةِ الدِّينِيَّةِ.. لَيْسَ لَهَا دَخْلٌ إِلَّا إِذَا كَانَ يَنْتِجُ عَنْ مُمَارَسَةٍ. العِبَادَةُ.. مُخَالِفَةٌ لِلأَعْرَافِ وَالنِّظَامِ العَامِّ وَأَمْنِ البِلَادِ..



عرض البوم صور ابو برزان القيسي   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
أحد عشر عاماً على الرحيل مضر خيربك قضايا عربية وإسلامية 4 07-16-2012 06:16 AM
ذكرياتي مع العقيد بقلم / توفيق أبو شومر مغربي سعاد قضايا عربية وإسلامية 5 02-24-2011 09:56 PM
الرحيل الى المرافيء يسري راغب  قـصــيــدة الــــــنـــــثــــــر : غسان إخلاصي 2 02-17-2011 03:27 PM
الرحيل يسري راغب مقالات أدبية 2 12-10-2010 05:39 PM
نكتة جيمس جونز عن اليهود ترجمة / توفيق أبو شومر محمد إسحاق الريفي منتدى الحوار والنقاش الحر 1 04-28-2010 05:18 AM


الساعة الآن 10:55 AM.

جميع الآراء الواردة تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا علاقة لإدارة الموقع بها

Powered by vBulletin® Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
Translation by wata1.com